ما أقصده بخالية الوفاض، هو أن أحزابنا السياسية لم تعد تملك ما كانت تملكه في الماضي القريب. ومن بين الخاصيات التي كانت تملكُها، في الماضي القريب، أي خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، والثمانينيات إلى نهاية التسعينيات، أذكر على سبيل المثال حب الوطن، الثقافة والتثقيف، السياسة بمعناها النَّبيل، قول الحق، الجُرأة السياسية، النقد الذاتي، التلاحٌم مع المجتمع…
أما "تسمياتُها خواء"، فالمقصود منها هو أن هذه التسميات، مع مرور الوقت، تم إفراغُها مما كانت تحتوي عليه من معاني وقيمٍ ومضمون. أو بعبارة أخرى، هذه التسميات أصبحت تتناقض مع الممارسات اللفظية والعملية التي تقوم بها الأحزاب السياسية على أرض الواقع.
مثلا، الحزب الذي أطلق على نفسه تسميةَ "حزب التَّقدُّم والاشتراكية" parti du progrès et du socialisme، من المفروض أن تكونَ ممارستُه للسياسة، على أرض الواقع، مستمدةً من إيديولوجيا اشتراكية وأن هذه الإيديولوجيا، من شأنها، أن تُساهم في تقدُّم البلاد وازدهارها، علما أن هذا الحزبَ كان في بدايته حزبا شيوعِيا un patient communiste. اليوم، ممارسة هذا الحزب للسياسة على أرض الواقع، أصبحت متناقضة مع تسميتِه. بمعنى أن ممارسةَ هذا الحزب للسياسة أفرغت تسميتَه من معناها ومضمونِها الأصلِيَين.
وما قلتُه عن هذا الحزب يسري على الأحزاب السياسية الأخرى، بدون استثناء. كلها أصبحت ممارستُها للسياسة، على أرض الواقع، تتناقض تناقضاً صارِخاً مع تسمياتها الأصلية. بمعنى أن أحزابَنا السياسية فقدت روحها التي كانت سبباً في إنشائها، علما أن أحزابنا السياسية، مهما اختلفت إيديولوجياتُها ومهما اختلفت مبادئها، فالهدف الأساسي من إنشائها، هو خدمة الصالح العام.
اليوم، كل الأحزاب السياسية أصبحت تتشابه من حيث الإيديولوجيا والمبادئ اللتان تمَّ اختزالهما في "احتلال السلطة". أقول "احتلال السلطة" لأن كل حزب سياسي له أساليبُه التي تضمن له هذا "الاحتلال". وكأن بلدَنا، رغم التَّعدُّدية الحزبية المتشدَّق بها هنا وهناك، أصبح له حزبٌ سياسي واحد أوحد، لا يرى في وجوده في المشهد السياسي إلا هدفا واحدا ألا وهو "احتلال السلطة". فلماذا عنونتُ هذه المقالة ب"أحزاب سياسيةٌ خالية الوِفاض وتسمياتُها خواءٌ"؟
لأنها فقدت كثيراً من فضائلها ومحاسِنها. وفيما يلي، هذه بعض الفضائل والمحاسن التي أصبحت في خبر كان، وكأنها لم تكن في يومٍ من الأيام :
1،الثروة الفكرية. الأحزاب السياسية، وبالأخص، تلك التي صنَّفت نفسَها في اليسار، كانت بمثابة مصنعٍ للأفكار البنَّاءة. لماذا؟ لأن قياداتِها كانت تزخر بناس، رجالا ونساءً، من ذوي الثقافة الواسعة سياسياً، اجتماعياُ واقتصادياً.
2. مدارس فكرية. أحزاب اليسار كانت بمثابة مدارس فكرية. بمعنى أن هذه الأحزاب كانت تنشر الوعيَ السياسي. أي كلَّ مَن انخرط فيها وكأنه انخرط في مدرسة فكرية حيث يتعلَّم ما هي الممارسة الحقيقية للسياسة وما هي القضايا التي تستحق أن تكون موضوعا لنقاشٍ عمومي.
3،النضال اللامشروط. بمعنى أن الأحزاب السياسية اليسارية كانت تُناضل من أجل خدمة الصالح العام بغض النظر عن طموحاتها في الوصول إلى السلطة. بمعنى أن النضالَ من أجل خدمة الصالح العام، كان أمراً له الأولوية في ممارسة السياسة.
4.النزاهة الفكرية أولاً وقبل كل شيء la probité intellectuelle avant tout. بمعنى أن السياسةَ كانت تُمارس بصدقٍ، أي بمعناها النبيل الذي يخدم الصالح العام والمواطنة la citoyenneté والوطنية le patriotisme. ولا داعي للقول أن السياسة كانت تُمارس بإيمان قوي avec une forte foi وانضباطٍ discipline ونُكرانٍ للذات abnégation.
5.الرُّواد كانوا زعماء سياسيين حقيقيين les pionniers étaient de vrais leaders politiques. لا يعرفون إلا الإخلاصَ في عملهم، يُفكِّرون في بناء البلاد، ولا تجد الشعبوِية le populisme سبيلا إلى تفكيرهم السياسي.
6.وجودُهم في البرلمان كان له صدى وطني leur présence au parlement avait un écho national. بمعنى أن مداخلاتِهم في البرلمان، بحُكم اعتمادها على المشاكل التي عانى منها الشعب المغربي، كان ناسٌ كُثُرٌ يتابعونها عن كثب وتستقطِب اهتمامَهم.
ليست هذه الفضائل والمحاسن، المشار إليها أعلاه، إلا جزأً ضئيلاً من مجموعة واسعة. اليوم، هذه المجموعة الواسعة من الفضائل والمحاسن اندترث وأُقْبِرَت بعد وفاةِ الرُّواد الذين حملوها وآمنوا بها. وحلَّت محلَّها طموحاتٌ فردية طغت على خدمة الصالح العام وأركنتْه في خانة النسان والإهمال. إلى درجةٍ أصبح معها العمل السياسي مُختزلا، بكيفيةٍ مُلحَّةٍ، في ،"احتلال السلطة".
ولا داعيَ للقول أن هذا الماضي النَّيِّر والمسنير لم يحافظ عليه الخَلَفُ وفاءً لروح ونضال السلف. بل أودعه في سلَّة المُهملات وفي طي النسيان. ورغم هذين الإهمال والنسيان، فالسلف من طينة عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي والمهدي بنبركة وعمر بنجلون وعلال الفاسي والمحجوبي أحرضان وعلي يعتة وعبد الخالق الطريس ومحمد حسن الوزاني وعزيز بلال ومحمد عابد الجابري ومحمد كسوس وبول باسكون وعبد الله إبراهيم وأبراهام سفراتي وإدموند عَمران المالح وآخرون تركوا بصمتَهم في المشهد السياسي المغربي ولن ينساهم التاريخ.
اليوم، أحزابنا السياسية الحالية تنكَّرت لهؤلاء الرواد ولم تعد تذكرهم إلا لتلميع صورة الأحزاب، ناسيةً أو متناسِية أن هؤلاء الرواد هم مَن كانوا سبَّاقين لبناء المشهد السياسي الوطني.
أما "تسمياتُها خواء"، فالمقصود منها هو أن هذه التسميات، مع مرور الوقت، تم إفراغُها مما كانت تحتوي عليه من معاني وقيمٍ ومضمون. أو بعبارة أخرى، هذه التسميات أصبحت تتناقض مع الممارسات اللفظية والعملية التي تقوم بها الأحزاب السياسية على أرض الواقع.
مثلا، الحزب الذي أطلق على نفسه تسميةَ "حزب التَّقدُّم والاشتراكية" parti du progrès et du socialisme، من المفروض أن تكونَ ممارستُه للسياسة، على أرض الواقع، مستمدةً من إيديولوجيا اشتراكية وأن هذه الإيديولوجيا، من شأنها، أن تُساهم في تقدُّم البلاد وازدهارها، علما أن هذا الحزبَ كان في بدايته حزبا شيوعِيا un patient communiste. اليوم، ممارسة هذا الحزب للسياسة على أرض الواقع، أصبحت متناقضة مع تسميتِه. بمعنى أن ممارسةَ هذا الحزب للسياسة أفرغت تسميتَه من معناها ومضمونِها الأصلِيَين.
وما قلتُه عن هذا الحزب يسري على الأحزاب السياسية الأخرى، بدون استثناء. كلها أصبحت ممارستُها للسياسة، على أرض الواقع، تتناقض تناقضاً صارِخاً مع تسمياتها الأصلية. بمعنى أن أحزابَنا السياسية فقدت روحها التي كانت سبباً في إنشائها، علما أن أحزابنا السياسية، مهما اختلفت إيديولوجياتُها ومهما اختلفت مبادئها، فالهدف الأساسي من إنشائها، هو خدمة الصالح العام.
اليوم، كل الأحزاب السياسية أصبحت تتشابه من حيث الإيديولوجيا والمبادئ اللتان تمَّ اختزالهما في "احتلال السلطة". أقول "احتلال السلطة" لأن كل حزب سياسي له أساليبُه التي تضمن له هذا "الاحتلال". وكأن بلدَنا، رغم التَّعدُّدية الحزبية المتشدَّق بها هنا وهناك، أصبح له حزبٌ سياسي واحد أوحد، لا يرى في وجوده في المشهد السياسي إلا هدفا واحدا ألا وهو "احتلال السلطة". فلماذا عنونتُ هذه المقالة ب"أحزاب سياسيةٌ خالية الوِفاض وتسمياتُها خواءٌ"؟
لأنها فقدت كثيراً من فضائلها ومحاسِنها. وفيما يلي، هذه بعض الفضائل والمحاسن التي أصبحت في خبر كان، وكأنها لم تكن في يومٍ من الأيام :
1،الثروة الفكرية. الأحزاب السياسية، وبالأخص، تلك التي صنَّفت نفسَها في اليسار، كانت بمثابة مصنعٍ للأفكار البنَّاءة. لماذا؟ لأن قياداتِها كانت تزخر بناس، رجالا ونساءً، من ذوي الثقافة الواسعة سياسياً، اجتماعياُ واقتصادياً.
2. مدارس فكرية. أحزاب اليسار كانت بمثابة مدارس فكرية. بمعنى أن هذه الأحزاب كانت تنشر الوعيَ السياسي. أي كلَّ مَن انخرط فيها وكأنه انخرط في مدرسة فكرية حيث يتعلَّم ما هي الممارسة الحقيقية للسياسة وما هي القضايا التي تستحق أن تكون موضوعا لنقاشٍ عمومي.
3،النضال اللامشروط. بمعنى أن الأحزاب السياسية اليسارية كانت تُناضل من أجل خدمة الصالح العام بغض النظر عن طموحاتها في الوصول إلى السلطة. بمعنى أن النضالَ من أجل خدمة الصالح العام، كان أمراً له الأولوية في ممارسة السياسة.
4.النزاهة الفكرية أولاً وقبل كل شيء la probité intellectuelle avant tout. بمعنى أن السياسةَ كانت تُمارس بصدقٍ، أي بمعناها النبيل الذي يخدم الصالح العام والمواطنة la citoyenneté والوطنية le patriotisme. ولا داعي للقول أن السياسة كانت تُمارس بإيمان قوي avec une forte foi وانضباطٍ discipline ونُكرانٍ للذات abnégation.
5.الرُّواد كانوا زعماء سياسيين حقيقيين les pionniers étaient de vrais leaders politiques. لا يعرفون إلا الإخلاصَ في عملهم، يُفكِّرون في بناء البلاد، ولا تجد الشعبوِية le populisme سبيلا إلى تفكيرهم السياسي.
6.وجودُهم في البرلمان كان له صدى وطني leur présence au parlement avait un écho national. بمعنى أن مداخلاتِهم في البرلمان، بحُكم اعتمادها على المشاكل التي عانى منها الشعب المغربي، كان ناسٌ كُثُرٌ يتابعونها عن كثب وتستقطِب اهتمامَهم.
ليست هذه الفضائل والمحاسن، المشار إليها أعلاه، إلا جزأً ضئيلاً من مجموعة واسعة. اليوم، هذه المجموعة الواسعة من الفضائل والمحاسن اندترث وأُقْبِرَت بعد وفاةِ الرُّواد الذين حملوها وآمنوا بها. وحلَّت محلَّها طموحاتٌ فردية طغت على خدمة الصالح العام وأركنتْه في خانة النسان والإهمال. إلى درجةٍ أصبح معها العمل السياسي مُختزلا، بكيفيةٍ مُلحَّةٍ، في ،"احتلال السلطة".
ولا داعيَ للقول أن هذا الماضي النَّيِّر والمسنير لم يحافظ عليه الخَلَفُ وفاءً لروح ونضال السلف. بل أودعه في سلَّة المُهملات وفي طي النسيان. ورغم هذين الإهمال والنسيان، فالسلف من طينة عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي والمهدي بنبركة وعمر بنجلون وعلال الفاسي والمحجوبي أحرضان وعلي يعتة وعبد الخالق الطريس ومحمد حسن الوزاني وعزيز بلال ومحمد عابد الجابري ومحمد كسوس وبول باسكون وعبد الله إبراهيم وأبراهام سفراتي وإدموند عَمران المالح وآخرون تركوا بصمتَهم في المشهد السياسي المغربي ولن ينساهم التاريخ.
اليوم، أحزابنا السياسية الحالية تنكَّرت لهؤلاء الرواد ولم تعد تذكرهم إلا لتلميع صورة الأحزاب، ناسيةً أو متناسِية أن هؤلاء الرواد هم مَن كانوا سبَّاقين لبناء المشهد السياسي الوطني.