أ. د. عادل الأسطة - غزة وكتابات أبنائها والطوفان

ما إن انتهيت في فجر يوم ٢٤ / ١٢ / ٢٠٢٤ من كتابة يوميات اليوم ٤٤٥ من طوفان الأقصى ، وعنوانها " ليست إذن أفلاما هوليودية " ، حتى تواصل معي حسام أبو النصر المقيم في رام الله بعيدا عن ابنته الباقية في غزة ، ليعبر عن رأيه فيما أكتبه من مقالات ويوميات عن غزة ويسألني لم لا ألتفت إلى كتاب غزة الذين يقيمون في خارجها ويكتبون عن معاناتها الآن في الحرب ؟
غالبا ما أتيت في يومياتي ، على كتاب من جيلي قرأت لهم ودرست بعض نتاجهم ، مثل غريب عسقلاني وزكي العيلة ومحمد أيوب وعمر حمش ، أو من الجيل الأسبق مثل معين بسيسو الذي أكثرت من الاقتباس من كتاباته النثرية تحديدا ، فهو الأكثر شهرة وانتشارا وتميزا أدبيا بين مجايليه ، ونادرا ما التفت إلى غير هذه الأسماء ، وإن كنت كتبت في أوقات سابقة عن عاطف ابوسيف وربعي المدهون ( لم أدرس مثلا نتاج رجب أبوسرية ومحمد نصار وعبد الكريم السبعاوي ) .
والصحيح أنه منذ العام ٢٠٠٠ كدت انقطع انقطاعا شبه كامل عن الأجيال الأدبية الجديدة هناك ، وإن كنت قرأت لخالد جمعة و إيهاب بسيسو و عثمان حسين وباسم النبريص ووليد الهليس ، فلم أقرأ نتاجهم قراءة دارس لأنهم شعراء بالدرجة الأولى ، ولم أقارب شخصيا الشعر مقاربتي فني الرواية والقصة القصيرة .
مع طوفان الأقصى أخذت أتابع ما ينشره عدد كبير من الكتاب لم أقرأ لهم من قبل . قرأت ل د.آلاء القطراوي و ياسمين العابد و مريم قوش ويوسف القدرة وناصر رباح و اكرم الصوراني و شجاع الصفدي و طلعت قديح وغيرهم وغيرهم واهتممت بنتاجهم واقتبست في يومياتي منه .
في الأسبوعين الأخيرين قرأت المجموعة القصصية الأخيرة لعمر حمش " تغريدة النورس الأخيرة " وعددا من النصوص أصدرتها وزارة الثقافة الفلسطينية في مجلة تحت عنوان " رمال حمراء " وكلها لكتاب من غزة بقوا فيها وكتبوا عن الحرب باستثناء كاتب واحد هو حسام الذي كتب ، لتكتمل الكتابة ، نصا نيابة عن الكاتبة ابتسام خالد التي أعياه الوصول إليها ، فكتب نصا ضمنه أسطرا مما كتبت عنونه ب " النص المفقود " ( العدد 1 - خريف 2024 / بلغ عدد المشاركين 29 ) .
بحثت في قصص عمر عما كتبه عن حرب طوفان الأقصى فلاحظت أنها قليلة ، لأن كثيرا مما نشره كان كتبه قبل ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ . وعمر كاتب من مواليد ١٩٥٣ وأصدر ثلاث روايات وعدة مجموعات قصصية .
وحين يمعن المرء النظر في المجموعة القصصية الجديدة ويبحث عن تواريخ كتابة قصصها ، مستعينا بصفحة الكاتب في وسيلة الفيس بوك ، فإنه سيكتشف أن معظمها كتب خلال الاثنتي عشرة سنة الأخيرة وان ما كتب إبان حرب طوفان الأقصى لا يزيد على العشر قصص ، بل إن المرء إن كان قرأ بعض نتاج الكاتب السابق مثل روايته القصيرة " مفاتيح البهجة " فسيرى أن بعض قصص المجموعة ظهر في الرواية ، كما أن قصة " فراشة البوح " كانت عنوانا لإحدى مجموعاته القصصية ، ويبدو أن ما نشرته بديعة زيدان الثلاثاء الماضي في الأيام الفلسطينية اتكأ على قصص المجموعة الأولى فقط أو أنها لم تكلف نفسها في البحث عن زمن كتابة أكثر قصص المجموعة .
خذ على سبيل المثال القصص الآتية : " سينما المخيم " و " زلابيا وحمص مقلي وحنتوت " و " حسناء حارتنا " و " أيام الحارة " و " ظهر جدتي " ، وأمعن النظر في " مفاتيح البهجة " فسوف تجدها فيها ، وإن دل ذلك على شيء فإنما يعني أن الكاتب يمتح الكثير من طفولته وبيئة المخيم ويظل يعود إليها لأن أحداثها تركت أثرا عميقا في وجدانه ولاوعيه .
اختار عمر جنس " قصص قصيرة " جنسا أدبيا لمجموعته الأخيرة ، وأكثر قصة فيها لا تزيد عن صفحتين ونصف وأكثرها يقع في ثلثي صفحة ، ما يدفع الناقد إلى مساءلة صواب القاص في التجنيس .
والقصص القليلة التي كتبت في أثناء الحرب تأتي على معاناة الناس منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ , فتصور نزوحهم وحياتهم في الخيام كما في " صمود " و " نحن والقمر " و " أمواج" ، وموتهم في البحر غرقا وهم يلتقطون الإغاثة كما في " إغاثة من الجو " ، وتوزيع المساعدات غير العادل كما في " لحم دجاج في الخيام " ، ومشاكل التفاهم بين الأزواج ذوي العاهات كما في " طبق يدور " ، والسرقات بعد هدم البيوت واقتحامها كما في " لصوص " . وقد أدرج القاص هذه القصص في مقدمة المجموعة لنقرأ بعدها قصصا نشرها قبل أكتوبر ٢٠٢٣ .
بخلاف ذلك فإن عدد المجلة المذكورة " رمال حمراء " يحفل بنصوص كتبت عن طوفان الأقصى تنوعت أشكالها الأدبية بين الخاطرة والسرد والشعر والانطباعات ، وكلها تأتي على الفقد والخذلان والموت والجوع والخيام والحنين إلى المنزل / البيت .
من ذلك مثلا المقطع الآتي من قصيدة سائد السويركي " جغرافية ناقصة وحلم كامل " نقرأ :
" ما حاجتي للمفاتيح .. إن لم يكن بيت في الانتظار ؟
ما حاجتي للسيارة .. إن لم يكن هناك طرقات وأرصفة وإشارات مرور ؟
ما حاجتي للتلال إن غادرت كل الشرنقات الوطن ؟
ما حاجتي لبط جدتي إن كانت الحاكورة قد تم محوها ؟ "
وما كتبه د. طلال أبو ركبة في يوميات النزوح : لماذا نكتب ...؟ :
" الصمود الساكن الذي يعتلي الروح ويقضمها ببطء هو الذي يجعلني دوما ضعيفا أمام صوت أمي المسنة التي بقيت صامدة في شمال الوادي ، لتتعرض لقصف أدى لبتر قدميها ، لتواجه أمي مصيرها وحيدة ، فيما أنا هنا في جنوب الوادي عاجز عن فعل أي شيء لها .
أتدركون ماذا يعني أن تكون أمك بحاجة إليك وأنت لا تستطيع أن تمد يدك إليها ؟ أن تسمعها تئن وتشتكي وأنت في قمة العجز أن تنهض وتساعدها ، أن تسمع في بحة صوتها المكلوم حاجة لك وأنت لا تقوى على فعل شيء ... هذا هو الصمود الساكن والقاتل في آن واحد " .
وهي كتابات دالة معبرة تحتاج إلى قراءة خاصة .
( مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ٢٩ / ١٢ / ٢٠٢٤ )
دفاتر الأيام .
الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعه
٢٣ و ٢٤ و٢٥ و٢٦ و٢٧ / ١٢ / ٢٠٢٤

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى