د. أحمد الحطاب - دولة الحق والقانون وبِناء الإنسان الحر

دولة الحق والقانون l'état de droit هي الدولة التي تضع الاهتمامَ بالإنسان الحر في جوهر اهتماماتها أو تحعل من هذا الاهتمامِ أولويةَ الأولويات. وبعبارةٍ أخرى، تُعطي الأولوية لبناء الإنسان الحر. ثم لماذا أقول "بناء الإنسان الحر"؟

أقول "بناء الإنسان الحر" لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، لما نفخ جزأً من روحه في جسد آدم وفي ذرِّيته، فالهدف من هذا النَّفخ، هو تمييز الإنسان أو تفضيلُه عن الكائنات الحية الأخرى، وخصوصا منها، الحيوانات. ونِعمةُ العقل هي التي تُميِّز الإنسانَ عن سائر الحيوانات الأخرى. وهذه الأخيرة ليست حرَّةً/مُخيَّرة، كما هو الشأن للإنسان. بل إنها سجينة غرائزِها المتعدِّدة التي تُجبِرُها على القيام بسلوكات معيَّنة، وبدون حاجة إلى التَّعلُّم sans avoir besoin d'apprentissage. من بين هذه الغرائز، أذكر على سبيل المثال غريزةَ الأكل عند الجوع، وغريزة التَّوالُد أو التَّناسُل، وغريزة البقاء، وغريزة الافتراس، وغريبة العوم…

فهل يُعقل أن بكون للإنسان عقلٌ ثم إرادة ثم ذكاء ثم فِطنة ثم تمييز بين الأشياء…، أن يكون هذا الإنسانُ سجينا لغرائزه وأن تكونَ حرَّيتُه خاضعةً لطرفٍ من الأطراف؟ فما الفائدة من اختلافه عن الكائنات الحيوانية الأخرى التي، كما سبق الذكرُ، هي سجينةٌ لغرائزها؟ وما الفائدة من بثِّ القعل في الكائن الحي البشري إن كان سيكون سجيناً لغرائزه؟

إذن، عندما أنعم اللهُ، سبحانه وتعالى، على الكائن الحي البشري بالعقل، أراده أن يكون حرا. حرٌّ في تصرُّفاته، قولا وفعلا. لكن الحريةَ التي أرادها الله، عزَّ وجلَّ، للكائن الحي البشري ليست حريةً مُطلقةً une liberté absolue، علماً أن هذا الكائنَ، من طبعه، كائن حي اجتماعي، ومنذ الولادة. كيف ذلك؟

الطفل الحديث الولادة أو الرَّضيع لا يمكن أن يعيشَ في معزل عن أمه، أولا، من أجل الاقتيات، وثانيا، من أجل الشعور بالأمن والأمان. وحاجة الرَّضيع لأمة، هي بمثابة خٌطوةٍ أولى يخطوها الرضيع نحو العيش الجماعي. غير أن نزعةَ الكائن الحي البشري نحو العيش الجماعي، أو بعبارة أخرى، كونُه كائنا حيا بشريا اجتماعيا، لا تنزع عنه فرديتَه son individualité التي تجعل منه شخصا فريدا من نوعِه، أي لا شَبَهَ بينه وبين أنداده من حيث الشخصية والفكر ورؤيته للعالم الخارجي.

واعتبار الفردية كمُعطى أساسي يتميَّز به الكائن الحي البشري عن باقي أنداده، هو الذي يدفع هذا الكائن الحي البشري لينزع، طبيعياً، نحو الحرية الاجتماعية pour tendre naturellement vers la liberté sociale. والحرية الاجتماعية ليست، كما سبق الذكرُ، هي الحرية المُطلقة la liberté absolue أو بث الفوضى في المجتمع semer l'anarchie dans la société. إنها الحرية التي تُكِن الاحترامَ للآخر وللمجتمع، وتفتح الباب على مصراعيه لروح المبادرة l'esprit d'initiative، أي تُمكِّن الأفرادَ من أن تكونَ لهم الشجاعة أو القدرة على أخذ المبادرة، عندما تقتضي الظروف ذلك. بل تُمكِّن هؤلاء الأفرادَ من اللجوء إلى الفكر النقدي la pensée critique كلما دعت الضرورة إلى ذلك. هذه هي الحرية الاجتماعية التي تجعل من الفردَ مسئولا عن تصرُّفاتِه ومسئولاً أمام المجتمع. علما أن هذا الأخير له أُسُسُه التَّنظيمية، الاجتماعية والأخلاقية التي، بدونها، يكون من المستحيل تساكنُ وتعايشُ الناس داخلَ المجتمعات.

والحرية الاجتماعية تعتبِر كلَّ شخص مواطناً، بإمكانه أن يُساهمَ في تطوُّر البلاد وازدهارها، بأفكاره وإبداعاته المختلفة اجتماعيا، اقتصادياً وثقافياً. وبعبارةٍ أخرى، إن دولةَ الحق والقانون لا معنى لها إن لم تربطْ "بناءَ الإنسان الحر" ب"الحرية الاجتماعية"، وبالتالي، أن تعتبرَ الإنسانَ الحُرَّ ركيزةً من ركائز التَّقدُّم والازدهار.

ودولة الحق والقانون، إن كانت فيها المُساواة بين المواطنين أمرا ضروريا، ف"بناء الإنسان الحر" يجب أن يُلمسَ في السياسات والمؤسسات العمومية، وعلى رأسها، الأسرة والمنظومة التربوية. الأسرة، كي تساهم في "بناء الإنسان الحر"، من الضروري أن تُوفَّرَ لها كرامة العيش. وكرامة العيش لا تُمطِرها السماء. إنها مرتبطةٌ بالتَّوزيع العادل والمُنصِف للثروة التي يُنتِجها اقتصادُ البلاد.

أما المنظومة التَّربوية، كمؤسَّسة تلعب دورا حاسِما في "بناء الإنسان الحر"، يحب أن تتغيَّر، جذريا، فلسفةُ وجودِها. لماذا؟ لأن "بناء الإنسان الحر" لا يضمنُه شحنُ أدمِغة الناشئة بالمعارف الجافة المعزولة عن إطارها الحقيقي. بل "بناءُ الإنسان الحر" يعتمد، بالأساس، على كل ما من شأنه أن يساهِمَ في بناء شخصية هذه النَّاشئة. وبناء الشخصية يحتاج إلى مهارات إلى مواقف، إلى كفاءات، وفضلا عن كل هذه الأشياء، يحتاج إلى التسلُّح بفكرٍ نقدي. ولهذا، فالمنظومة التَّربوية، إن أردنا أن يكونَ لها دورٌ حاسم في "بناء الإنسان الحر"، فعليها أن تركِّزَ اهتمامَها على "بناء الإنسان الحر" وليس على شحنِ الرؤوس بالمعارف الجافة.

وما لا يجب إغفالُه في مهام المنظومة التَّربوية، هو تعويد الناشئة، من خلال الدروس المرتبطة بالدين، على أن التَّديُّن عمودي verical، أي تدور أطوارُه بين خالقٍ، هو الله، ومخلوق، هو الإنسان الذي أراده، سبحانه وتعالى، أن يكونَ حرا. وليس أمرا عَرضِياً transversal/horizontal، فيه تخويفٌ جماعي، كما أراد ذلك كثيرٌ من علماء وفقهاء الدين. علما أن التَّخويف يكبَح الحرية الاجتماعية التي، من شأنها، أن تُطلِق العنان لإنتاج الأفكار البنَّاءة وللإبداع la créativité والاختراع l'invention والابتكار l'innovation والاكتشاف la découverte… وهذه هي العوامل التي جعلت أمماً كثيرةً تقطع أشواطاً كبيرةً في التَّقدُّم والازدهار.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى