مقال يلمس شغاف القلب للأستاذ الدكتور عبد الكريم محمد حسين عن أستاذه الدكتور عبد الكريم الاشتر أستاذ الادب الكبير من سوريا، مقال عميق وشديد الود والتقدير من التلميذ لأستاذه الاشتر، ولكنك تكتشف أن الأستاذ يحمل على كتفية نفس الود والتقدير لأستاذه هو أيضا، للدكتور محمد مندور، بحيث يبدو الامر وكأنه سلاسل واحد يتتابع من الجد الى الابن الى الحفيد، ويا له من سلسال يكشف كيف نجح الجد، ثم الابن، ثم الحفيد نجاحا باهرا وبحيث يتحقق المثل الشعبي المصري " اللى خلف ما ممتش ".
ويشاء حظى الحسن أن أكون تلميذا وابن بيولوجي للدكتور محمد مندور، وأن اتعرف على الدكتور الاشتر في منزلنا الذى كان دائم التردد عليه هو واسرته ، حيث كان يحظى بشعبية كبيرة بين أبناء محمد مندور لأسباب متعددة ، ليس من بينها الحلويات الشامية الذى كان يداوم على إحضارها كلما قدم من سوريا ، فلقد كان الدكتور الاشتر خفيف الظل ومبتسما وكان يحظى بحب وتقدير أستاذه ، فتحية للجد والابن والحفيد.
الأشتر يبحث عن مندور!!
بقلم:د.عبد الكريم محمد حسين
هل صارت جنة أستاذنا الأشتر في ماضيه[1]؟ وهل صار غريباً بعد رحيل جل أصدقائه فأخذ يبحث عنهم في زوايا عقله أو خوافيه؟! ولماذا هذا البحث كله عن محمد مندور[2] في كتابات الأشتر المتأخرة(مسامرات نقدية)[3] و(أحاديث في الكتب والكتاب)[4]؟ وهل سئمنا –نحن طلاب الأشتر –مندوراً، وقد حجب أستاذنا الأشترَ عنا دهراً طويلاً في محاضراته التي ألقاها علينا في جامعة دمشق(1978م،و1979م؟ أو إن شئت أن تقول: كان مندور يطل علينا مرة من عيون الأشتر، ومرة من صدره، وأخرى من حقيبته، وثالثة في آهاته أو من مصادره، فيكاد مندور يكون ظلاً للأشتر، ويكاد الأشتر يؤلف ظلاً لمندور، ألم يكن حباً صوفياً بين الرجلين؟ ألم ترَ الأشتر يأتي أفكار مندور حكاية نصية من (الميزان الجديد)[5] ويقولها بمعناها من ذاكرة الشيخ، فتخرج الكلمات نفسها، ويظن الشيخ أنه يقدم النظرية أو برهانها، وطلابه لا يحصلون من رؤية كل منهما للأدب المهموس شيئاً يتعدى القول المقول بلسان مندور نفسه..
وأذكر أن أستاذنا الأشتر- أمد الله لنا في عمره-كان يلقي محاضراته لطلاب السنة الرابعة(عام1978م) في جامعة دمشق للطلاب الفقراء والموظفين مساءً، ويعود في صباح اليوم التالي لإعادة المحاضرة للطلبة المداومين، وكانت واحدة منها تتناول نظرية الأدب المهموس عند مندور، وما أصابها من رد سيد قطب، وكان الشيخ يعطي الطلبة فرصةَ المناقشة والحوار، ويصغي إلى أقوالهم، ويدعو الطلبة أحياناً إلى أن يرد بعضهم أقوال بعضٍ، فإن عجزوا، أو كادوا يفلتون من عقال الانضباط تسلم ناصية القول، وقال بقوله. وهو يُقنِعُ بِرَدِّهِ حينَ يَرُدُّ، لكنه يوم الأدب المهموس أو الشعر المهموس لم تكن إجاباته مقنعة، ومازال رأيه غير مقنع إلى الآن مع الأسف، فحاورته يومئذٍ مناقشاً يوم الاثنين مساء، فلم يجد مَقنعاً باعتراضي، ولم أجد قناعة بالنظرية نفسها لارتباطها بزمن الاحتلال، وشكنا بكل ما يقوله العائدون من الغرب.
وجاءت المحاضرة في اليوم التالي(الثلاثاء) وكانت المحاضرة الأولى صباحاً(8-10) فبادرني الشيخ بقوله: أنت اليوم ضيف –يا عبد الكريم- ولا يحق لك الكلام، فقلت: إنما جئت لأفهم ما فات بالأمس، وكنت مندهشاً لتلك الشابة الجادة العصرية التي تصدت لنظرية الشعر المهموس، وأعادت بقولها ما قلته بالأمس، من غير علم لها بما قلت، ولا معرفة سلفت بيننا، كانت تلك أختنا الدكتورة من بعد نينيت خضور، وزدت شعوراً بالقوة، وزاد الأشتر عظمة في عيوننا عندما اتهم نفسه بالعجز عن إفهامنا حقيقة مقولة الشعر المهموس، ولم يقل لنا: لِمَ لا تفهمون ما يقال؟!!(وسيكون لي-إن شاء الله- بحث في الأدب المهموس قريباً)
حقاً هل كان الأشتر يبحث عن مندور في زوايا الحياة بعد أن فارقها مندور؟ أليس في بحث الأشتر عنه بحثٌ عن أيام الأشتر نفسه، وعن أنفاسه وأنفاس مندور على مسرح الحياة بعد أن رحل؟!! أليست تلك محاولة منه لاسترداد الماضي بما فيه، وما له وما عليه؟ ولكن هل تستطيع الذكرى إعادة الموتى إلى مواضعهم على خشبة مسرح الحياة؟ وما نقول في بحثه عن مندور وهو حي؟ هل كان الأشتر يريد أن يحمل مندوراً معه حيث كان، وأنى توجه؟ وهل كان مندور سقفاً لهذا المبدع الرومانسي لإبداع مندور وعلمه؟ ألم يكن مندور الإنسان أشدَّ حضوراً في كتابات شيخنا الأشتر من مندور المترجم والناقد نفسه؟ وهل كان الأشتر –في عقله الباطن- يجد شعوراً بالتقصير في نصرة أستاذه، وهو في عراك الحياة الأدبية وحراكها، وهو حي، فأراد أن ينتصف له بعد موته وموت خصومه؟ ألا يحسن به أن يترك مندوراً لمؤرخي حركة النقد العربي المعاصر يضعونه حيث يشاءون، ويختلفون في رتبته كما يحبون؟ أليس في هذا الحنو الزائد على مندور شعورٌ باطنٌ بضعف مندور وموته في ساحة النقد، وخروجه من مسرح الحياة النقدية إلى صمت الأبدية؟ وهل لمندور أن يحيا مرتين: مرة في حياته من ولادته إلى وفاته وأخرى في حياة الأشتر ومؤلفاته؟ أيريد له أن يُذكَرَ حيث يذكر الأشتر نفسه؟ أليس هذا جوداً وكرماً من الأشتر نفسه قَلَّ نظيره في تراثنا العربي، أن يهب الباحث الأديب حياته لأستاذه؟ وهل يريد للناس أن يفهموا مندوراً كما فهمه، ويضعوه حيث وضعه؟ أليس للناس حق أن يروا مندوراً بعيونهم لا بعيون الشيخ، ويرفعوه أو يضعوه بعقولهم لا بآراء الشيخ؟!!
أليس الأشتر العالم في كتبه الجامعية الرصينة(رسائله وأبحاثه) شيئاً آخر مختلفاً عن الأشتر الأديب العبقري المصور المِفَن؟ إن كان الأمر كذلك، فثمة التفاتتان إلى مندور بقلم الأشتر نفسه تكشفان عن ريشة الفنان المصور، وعبقرية نقل المشاهد من الحياة إلى الأوراق لتعود مرة أخرى بقراءتها حياة ماضية في جوف حياة حاضرة، وقد عجن الأشتر فيها قسوة الحياة بحبر القلم، وآهات النفس في مشهد المحاضرة الأولى لمندور، وفي مشهد الزيارة الأخيرة لبيت مندور بعد رحيله كما سيأتي من بعد.
المفاجأة والصدمة: أهذا هو مندور؟
ما أصعب أن ترسم شخصية الإنسان من مؤلفاته ومترجماته، وتدهش لعقليته، وتعجب برموزه وإشاراته، وترسم له قامة عالية، وتستحضر له جاذبية قوية، فإذا رأيته، وسمعت صوته، وصافحته يداً بيد…وشهدتَ محاضرته فإذا هو شيء آخر خلافَ ما تومئ إليه الكتب المؤلفة والمترجمة سواء بسواء، فتردد في نفسك قول العرب: ((تسمعَ بالمعيدي خيرٌ من أن تراه))[6] وهذا ما تراه ماثلاً في مشهد محاضرة مندور الأولى لدى الأشتر، وقد رسمها بقلمه فيما يأتي:
((دخل علينا يوماً، بعد انتسابنا إلى المعهد، ثقيلَ الخطو، يملأ معطفه الداكن، وتغطي رأسه قبعة سوداء عريضة، جعلها تميلُ على أحد جانبي الوجه[7]… فلما صعد المنبر، وَشغل كرسيه، فتح محفظة صغيرة زرقاء كان يحملها معه، وأخرج منها كشكولاً دفن فيه وجهه، وأخذ يقرأ، وهو ينفث دخان لفافته بين الحين والحين.
كنت قرأت له كتابه (النقد المنهجي عند العرب) وأعجبت كثيراً بوضوح فكره النقدي، وغنى ثقافته، ودقة أحكامه، ورهافة إحساسه، وحرارة روحه. فلما رأيته في المدرَّج، يلقي كلامه في غير احتفال، وعلى هذه الصورة التي وصفتها، التفت أقول لزميلي الذي قدم معي من الشام: أهذا هو مندور؟!!))[8]
المكان: معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة، والزمان يوم مجهول من أيام الأشتر العلمية في المعهد، وقد بقي من المحاضرة صورة مندور، وانطباع الأشتر الأول عنه، وصدى المحاضرة في نفسه.
أما انطباع الأشتر فقد نشأ من زاوية المفارقة بين شخصية مندور التي تركتها كتبه في نفس الأشتر، وهيئته الواقعية، فقد رسمه بقوله: (ثقيل الخطو) وفي هذا التركيب الإضافي معان عجيبة(ثقيل) أيكون الثقل ناشئاً من قصر ووزن؟ أم يكون الثقل في ظله عند حضوره؟! وهذا يسوغ قلة عدد الحاضرين للمحاضرة، كما جاء في وصف الأشتر.. ما المقصود بثقل الخُطى؟ أيريد أنه مريض كما أوضح بعد ذكر النص؟ وقد جاء اعتذاره من تثاقله متأخراً عن الانطباع الأول، أليس في امتلاء المعطف(يملأ معطفه) صورة لضخامة البدن وكثرة اللحم والشحم؟!! أو ليس في تلوين معطفه باللون الداكن إيحاء بالجدية الممزوجة بالكآبة؟!!(ولا يغير من ذلك أنها صورة صعيدية واقعية من جهة اختيار اللون) ثم ما بال هذه القبعة السوداء(الفرنجية الباريسية)؟ أليست تضيف بسوادها كناية وكآبة على الكآبة، مما يصدم أشواق الانتظار، ويخلع عن الشخصية المرسومة في ذهنه ثوبها الزاهي؟ ولماذا كانت مائلة على أحد جانبي الوجه؟ أإعجاباً بالنفس أو تكبراً بثقافة الآخر؟ إنه يرسم هيئة الشخصية الحسية ملقياً عليها انطباعات موحية ناطقة بما لا يصرح به الأشتر بأدبه الرفيع، لكن الصور تَستخرِجُ-كالموسيقى- فضلات المنطق من أعماق النفس إلى عالم الحس الإبداعي بالصور، وليس من حق أستاذنا أن يحبس عنا العقل الباطن للصورة، ولا أن يفرض علينا رؤيته، وقد علمنا حرية التفكير..
كانت تلك صورته مقبلاً على طلابه في المحاضرة، وقد التقطتها بصيرة الأشتر وبصره بالألوان: الداكن والأسود والأزرق، ومضى يرسم جلسته(صعد المنبر، فتح محفظة صغيرة زرقاء، كان يحملها معه، وأخرج منها كشكولاً دفن فيه وجهه، وأخذ يقرأ، وهو ينفث دخان لفافته بين الحين والحين) ندع المحفظة الصغيرة التي لم تسع أكثر من كشكول كتبت عليه المحاضرة، فليست ثمة مصادر أو مراجع في جعبة الأستاذ يعرضها على الحاضرين، وكان الأمر معقولاً لو أن مندوراً كان قادراً على الاستغناء عن كشكوله، فهل يمكنه الحديث عن المصادر والمراجع، وهو يلقي المحاضرة من أوراق الدفتر، ويخشى أن يرفع رأسه، فتفوته الفكرة، فلا قدرة له على استعادة المعلومات، فهل كان مرضه مؤثراً في ذاكرته؟ ألم يدفن وجهه في كشكوله؟ ألم يصبح الكشكول كفناً له- إن شئت- أو قبراً دفن مندور وجهه فيه. واختيار الفعل (دفن) يشير إلى موت شخصية مندور المشتقة بالقراءة من “النقد المنهجي عند العرب، ومنهج لانسون..”حقاً إن الاختيار(دفن) يدل على حقيقة الحكم في العقل الباطن وباشتعال لفافة التبغ تحترق الصورة التربوية لمندور دون أن يحترق الكشكول والوجه المدفون فيه، فليس من القدوة الحسنة أن يدخن المدرس في قاعة الدرس أمام طلابه.
ولا معنى لإحياء مندور بعد احتراق صورته بقول الأشتر: (وأعجبت كثيراً بوضوح فكره النقدي، وغنى ثقافته، ودقة أحكامه، ورهافة إحساسه، وحرارة روحه) لأن سياق الكلام يشير إلى أن هذه الصفات في كتبه ، وليست في المحاضرة لقول الأشتر في ختام المشهد(فلما رأيته في المدرَّج يلقي الكلام في غير احتفال، وعلى هذه الصورة التي وصفتها، التفتُّ أقول لزميلي الذي قدم معي من الشام: أهذا هو مندور؟) وبهذا الاستفهام الإنكاري تموت شخصية مندور الموهومة بالضربة القاضية على حلبة مسرح المحاضرة من غير مبارز فقد أتلف مندور نفسه بقبعته الصعيدية وبرجوازيته بالسيجارة أو السيجار(التبغ) وضعف ذاكرته عن تسجيل المعلومات، وغياب وجهه عن الجمهور، فكأنه غرق بين أوراق دفتره، فدُفِنَ فيها، وتبقى أفكاره، وتضيع شخصيته في المحاضرة في كشكوله، وقلة جمهوره، لقول الأشتر بمقام آخر في مندور:
((كان مندور غني التكوين، يملك أن يطوف في محاضراته، بقمم الثقافة العالمية. ولكن مستمعيه، في بعض محاضراته العامة، لم يكونوا يزيدون على عدد أصابع اليدين. وقد حضرت له محاضرة في نقابة الصحافة لم يحضرها معنا إلا موظفو الدار، فسمعت كلاماً يندر أن يسمع الإنسان مثله، في جمال تحليله، وعمق مراميه، وقوة إدراكه، وغزارة معرفته، في محاضرة واحدة))[9]
وكلامه هذا في وصف مندور بوضوح الفكر النقدي تعني فقره في النقد، لأنه يخطو بروح المترجم، وبمنهج المدرس الحريص على وضوح الفكرة في نفسه لتكون ساطعة لطلابه، وغنى الثقافة هو سر غموض الفكر النقدي لتدافع الرؤى النقدية واشتباكها في عقول الشباب قبل أن تتقلب في مختبر الإبداع دهراً طويلاَ فتقوى ملكاتهم العقلية بازدياد القدرة على العزل والفصل بين المتشابكات، والنهوض بالخلق العلمي من الأوليات إلى قطوفٍ دانيات، فهل بدأ مندور شيخاً في النقد قبل أن يأخذ حقه من أطوار الحصرم وأيامه. لكن ما يقوله الأشتر من تلك المحاضرة تكشف عن سعة اطلاعه، ودقة أحكامه، ورهافة الإحساس، وحرارة الروح فمما يشترك فيه الرجلان(مندور والأشتر) لأنه يدل بإلصاق تلك الصفات بمندور على ما يتمنى أن يجده في أستاذه، وإن كنت أرجح أن هذه صفات الأشتر التي يود لو أنها في أستاذه مندور، أو قل: ألبسه إياها لتؤلف صورة نفسه في أستاذه، ولعلها تؤلف وتر التناغم بينهما.
ومما أعطى الأشترُ أستاذه: جمال التحليل، وعمق المرمى، وقوة الإدراك وغزارة المعرفة، ولو تحققت هذه الصفات لمندور لاجتمع الناس على محاضرته، وسدت القاعات والطرقات باجتماعهم عليه، وما شكا الطالب من خلو القاعة من الجمهور في محاضرة أعطيت بالحب هذه النعوت كلها.
فمندور تظهر صورته للأشتر في كتبه قبل لقائه، ويدفنها مندور أمام الأشتر في دفتره بمحاضرته، ويقف الأشتر لشطب الشخصية الموهومة بخطوط الشخصية القائمة أمامه في قاعة الدرس، وكلما أثبت له حكماً نسخه بتعقيب، وكلما أظلمت جهة من صورة مندور زينها الأشتر بتعزيتها بالثناء على الشخصية من جهة إنسانية راقية تسكن في صدر الأشتر، ويراها في سلوك ذلك الفلاح المغفل على نحو ما يقول د.طه حسين في لقاءٍ بمندور[10].
هذه صور من الحياة المشتركة بين الأشتر ومندور؛ ذاك عاش في عقل الأشتر ونفسه وقلمه وأوراقه وكتبه بعدئذٍ، فمن العبقرية أن يتنازع المرء شعوران معاً، وهو يكتب عن أستاذه بعد أن ابتعد منه زماناً ومكاناً وواقعاً وحلماً، فيريد أن يرى وجهه من قفاه، ويريد أن يبدي قوته فيظهر من بين السطور عجزه، ويثبت عجزه فتبدو صولته؛ ذلك أن رومانسية الأشتر مشدودة إلى خلفيته الحضارية الإسلامية(الصدق والإنصاف) لكنها معروضة في سياق إبداعي يحتمل التأويل، ذلك أن كتابة الطالب عن أستاذه في فلك السيرة الذاتية صعبة رحلتها ومرة مراسيها، ويزداد الأمر صعوبة عندما يكون أحدهما في الدار الآخرة، والآخر في الدار الأولى، فتأتي الكتابة مطوقة بأطواق الكآبة، والحنين والواقع والخيال، وما كان، وما ينبغي أن يكون… هذه لوحات من حياتهما فما تلك الحياة الأخرى التي حرص الأشتر على إبرازها في زيارة بيت أستاذه وصديقه وأخيه مندور بعد انقطاع تسع وعشرين سنة من وفاة مندور، فماذا كان؟ وكيف قال؟!
في بيت مندور بعد رحيله:
ما أثقلَ الخطوَ بالذكرى والانفعال!! وما أشدَّ قسوة الحياة بالموت؟ وما أصعب أن تزور بيتاً خلا من صاحبه، وهو صاحبك! وما أشد عنتاً من أن يزور القاهرة، ولا يزور بيتاً عاش فيه أستاذه، والتقيا فيه أياماً وأياما!! فهل كان الأشتر يبحث عن مندور في بيته؟! ألم يكن يبحث عن نفسه، وعن أيامه طالباً في ذلك البيت؟ هل عاد إليه باحثاً عن صوره وصوته، وعن خطاه، وصدى أحلامه في ذلك البيت الكريم؟ أليس من الوفاء العودة إلى تلك الأيام وتلك الخطوات؟ أليس من حق القارئ عليَّ أن أدعه لقلم الأشتر ليصور المشهد النابض بكثافة الحياة وسطوتها بقوله:
((زرت القاهرة (أول سنة 1994م) بعد سنوات طويلة من وفاة الدكتور مندور(مايو-أيار1965م)فسعيت إلى البيت الذي طالما سعيت إليه، وأنا طالب في الجامعة، وسلكت إليه الطريق التي كنت أسلكها على ضفاف النيل. فلما طرقت الباب، بدا من وراء زجاجه القديم، شبح ضئيل يعالج فتحه، ثم ظهرت السيدة ملك عبد العزيز تتوكأ على عصا صغيرة. كانت تبدو كما لو أن صورتها نسخت عشرات المرات، عدد السنوات التي فصلت بينها وبين الماضي الذي عرفتها فيه، جلسنا في المكتبة حيث كنا نجلس مع مندور، قريباً من مكتبه العتيق. فتداعت إلى نفسي صور المواقف التي وقفتها فيها، بتفصيلاتها الصغيرة، والدكتور مندور أمامنا في جلابيته البيضاء، ووجهه المغمور بالطيبة، وقد تهدلت خصلة من شعره الحائل على جبينه المشطوب، وأسند يديه إلى ركبتيه، وأخذ على عادته يتحسسهما في حركة دائبة!
يا للزمان! ماتزال صورته تملأ البيت حيثما التفت، وما يزال منه أثر يصعب نسيانه فيه! وهل يُنسى الإنسان؟..))[11]
في هذا المشهد لوحة الطريق، ولوحة الإقبال على بيت مندور، ولوحة مكتبة مندور وفيها زوجه ملك عبد العزيز والأشتر، وأطياف مندور في صناديق الذكريات التي تسربت منها بعض الصور من بحار الماضي.وتعقيب الشيخ.
إنه مشهد مجلل بالأشواق والحنين والحسرات والدموع، وهذه أطوار المشهد في لوحاته:
لوحة الطريق:
هذا طريق الأمس لم يتغير جاء إليه الأشتر باحثاً عن متعة السير ومتعة النظر الخفيتين، فعسى الطريق يجود عليه بما كان يمنحه بالأمس، فقال: (وسلكت إليه الطريق التي كنت أسلكها على ضفاف النيل. فلما طرقت الباب..) هكذا من غير تفاصيل ليعبر عن شدة أشواقه إلى ذلك البيت، وهو قد وصف الطريق في موضع آخر، بقوله: ((كنت أقطع إليه الطريق في الصباح الباكر، فأسير على شاطئ النيل، أتطلع في القوارب المشحونة بالجرار القِناوية القادمة من الصعيد. فإذا طرقت الباب ودخلت عليه رأيته في المكتبة، وقد غاص بجلابيته البيضاء في كرسيه العتيق، وأراح كفيه على ركبتيه، فأخذ يتحسسهما في حركة دائبة أحسبه كان يستعين بها على التوفز واستجلاء ملامح الفكرة، أو خفايا الإحساس، وهو في ذلك كله لا يفلت لفافة التبغ، فأراها بين إصبعيه، وصحف الصباح منثورة من حوله))[12]
انظر إليه كيف يستعرض السفن القادمة من قِنا على صفحة مياه النيل، وهو ماش في طريقه إلى أستاذه لا إلى بيته، وانظر إلى مندور في بيته، وقد غاص في جلابيته، فكأنها بحر، وكأنه يومئ إلى قصره وسعتها، على نحو ما تكون الجلابية الصعيدية والسودانية أيضاً، وانظر إلى مندور، وقد وضع يديه على ركبتيه، وأخذ يتحسس ركبتيه بحركة يديه إلى الأمام تارة وإلى الخلف تارة أخرى، كأنما يستدعي صورة أو خاطرة أو فكرة من رحم الغيب، أو كأنه يتأهب لاستقبال شيء مما تقدم، وهي صورة تبرز طبيعة عصبية للرجل، وحدة على خلاف ما توحي عبارات الشيخ في الإخبار عنه.
ودع عنك لفافة التبغ وسمومها ونيرانها ودخانها التي تعطيه بعضاً من ملامح الفلاح الذي يشعل لفافته طلباً لهدوء الأعصاب، وانتظاراً لوقف الهيجان، واحذر على الصحف اليومية المبثوثة من تبغه ونارها ودخانها. تلك لوحات من الماضي تستحضر وتكتب عن مندور بافتراض أنه يومئذٍ على قيود الحياة وأهلها، فكأنها تعبر عن تلك الحال. وكانت فكرة استغراق التأمل مسوغة بالذكريات واستعادة أيام الشباب، وكان إسراعه إلى بيت مندور مسوَّغاً بلهفته، لكن كيف استرد هذه اللوحات والمشاهد في زيارته الأخيرة؟
كانت لوحة الطريق في زيارته المتأخرة بعد وفاته قصيرة من غير استغراق في استعراض الناس والسفن والأشجار على ضفاف النيل. فهل كان مشهد الإقبال على البيت كذلك؟
لوحة الإقبال:
في إقباله على البيت بدا له شبح ضئيل من وراء الزجاج، وتخاصم في تحقيق الصورة العقلُ والنفسُ، فانتصر العقل بقوله: (بدا من وراء زجاجه القديم، شبح ضئيل يعالج فتحه) ففتح باب التوقع أن يكون(بدا من وراء زجاجه القديم) مندور هو ذاك الشبح الضئيل، فإذا به يفاجئنا بقوله: (ثم ظهرت السيدة ملك عبد العزيز تتوكأ على عصا صغيرة) فكان الرجل الحي مندور يخفي المرأة بظله فصارت اليوم المرأة تحضر الزوج بظلها، فكأنه يقول: إن الزوجين شخصية واحدة لا يفترقان فإن ذهب الزوج الذكر من مسرح الحياة بقي ظله في امرأته، وكأن الفعل (بدا) يعكس حيرة لاقطة الصور أو المصورة النفسية وقد أُبهمت عليها ترددت بين إظهار الميت أو إظهار الحي، والحي أقرب.
فهل صورة الشبح تليق بالحي دون الميت؟ أليست الأشباح جزءاً من العالم الخفي عالم الجن والأرواح المتمردة والأجنحة المتكسرة؟ أليست هذه الصورة من منطق جبران خليل جبران؟ أليس غرض الكاتب أن السيدة ملك قد فقدت لحمها وعظمها فباتت صورة أقرب إلى صور الأشباح والأرواح منها إلى صور البشر والآدميين؟ أليس في هذا التعبير كناية عن شدة نحول جسمها، وقد أخذت منها الأيام كل مأخذ؟ أليس في نسخها بعدد سني البعاد من مندور ما يدل على أثر أنياب السنين في بدنها نحولاً وضعفاً؟ وقد حمل الأشتر لوحة الإقبال إلى أن طرق الباب، وجعلها جزءاً من لوحة الاستقبال عند باب البيت من شدة لهفته على تحقيق فكرة الوصول إلى أرض المبعث مبعث مندور ومواقف الأشتر نفسه.
لوحة المكتبة:
لوحة المكتبة بين الماضي والحاضر تخلق توتراً في النفس؛ لتضاعف الشعور بالحياة وتخلق أرواحاً وأشباحاً من خلال الموقف وتباين فضاء المشاعر، على حرقة وحسرة، فقد اجتمع الأشتر والشاعرة ملك زوج مندور، وكُلٌّ جلس حيث كان يجلس، وبقي كرسي مندور شاغراً، فكأنه في الغرفة المجاورة ينتظران خروجه إليهما، فيكون مندور-كما كان- مصباح المجلس، ومحوره، ومحط النظر فيه، وقد جاءت اللوحة في قوله: (جلسنا في المكتبة حيث كنا نجلس مع مندور، قريباً من مكتبه العتيق) فالشعور بافتقاده طور من أطوار الوعي. والمكتبة وعاء العقل والنفس والروح، وموضع الباحث والأديب والناقد. ومنها تنفتح النفس على فضاء الماضي، ولكن كيف يكون ذلك؟
لوحة فضاء النفس:
في المجلس خرج الأشتر من الحاضر، وترك زوج مندور في موضعها، وأخذ يستعيد الزمن الماضي، ويستخرج مندوراً منه بلحمه ودمه وثوبه أو جلابيته كما يقول: (فتداعت إلى نفسي صور المواقف التي وقفتها فيها، بتفصيلاتها الصغيرة، والدكتور مندور أمامنا في جلابيته البيضاء، ووجهه المغمور بالطيبة، وقد تهدلت خصلة من شعره الحائل على جبينه المشطوب، وأسند يديه إلى ركبتيه، وأخذ على عادته يتحسسهما في حركة دائبة!)
أول شيء يلفت النظر(تداعت إلى نفسي صور المواقف التي وقفتها فيها) مواقف الأشتر في هذه المكتبة(تداعت إليه) فكل صورة من تلك الصور دعت أختها إلى الحضور في هذا المكان، وكل صورة من الصور هجمت عليه من جهة من جهات المكتبة: منها ما خرج من الجدران الصماء، ومنها ما دخل من النوافذ في صحبة الهواء، ومنها ما خرج من أسماء الكتب وأوراقها، ومنها ما جاءت من الأزمنة المنصرمة إلى هذا الزمان الذي يجلس فيه الشيخ في المكتبة ببيت مندور، وقد تداعت إليه مواقفه هو لا مواقف مندور، بتفاصيلها الصغيرة، يا لله تضاعفت الحياة، وتكاثفت المواقف في حضورها، وانكسرت اللحظة الحاضرة لصالح الماضي ومواقفه، وخرج مندور من الماضي على مركب المواقف بسواد شخصه وبياض جلابيته، وملامح وجهه المغمور بالطيبة، ولم ينسَ خصلة الشعر المتدلية..وحركة يديه..زيادة في توكيد حضوره ومبعثه وسطوته على المكان والنفس والأحزان..
واضح أن ملامح شخصية مندور أشد حضوراً في تفصيلاتها مما ظهرت فيه في سياق الذكرى المرتبطة به حياً. وقد قدم الأشتر نفسه في الكلام على (صور مواقفه) ليتم له استحضار مندور من رحم الغيب، وليجعل قارب العبور في (الذكرى، ومناخ التخيل) كالحقيقة التامة وقوعاً.
فهي لحظة أسطورية مبناها استرداد الماضي بشخوصه ومواقفه، فالأشتر اليوم يراقب أشتر الأمس، ومندور الغائب حاضر اليوم من عباءة الأمس، والمواقف التي كانت حياة يعيشها أصبحت ذكرى، وعودتها أمنية مازال يتمناها.
وقد غلف المشهد بقوله متعجباً: (يا للزمان! ما تزال صورته تملأ البيت حيثما التفت، وما يزال منه أثر يصعب نسيانه فيه! وهل يُنسى الإنسان؟) هذا تعجب من إقامة الصور والأطياف في المكان، وما تزال الأماكن تحفظ الإنسان صوتاً وحركة وصدى وخيالاً وطيفاً وشبحاً، وكأن الأشتر يقول: إنه يريد أن ينسى لكنَّ عقله يأبى النسيان، ووفاؤه لا يمحوه الزمان.
هاتان مادتان من ذكريات الأشتر تصوران علاقته بمندور، اشتقت الأولى من اللقاء العلمي في قاعة الدرس، وانبعثت الثانية من شغاف النفس. والأشتر في ذلك كله يكشف عن اغترابه، ووفائه وكرم نجاره في حديثه عن أستاذه مندور، فهل تكون مرآة النفس عاكسة لعالم الحس على حدوده وحقيقته؟ وهل تكون النفس مقيدة بقواعد الحس والعقل؟ أليست النفس تغلو في حبها فتضيف إلى المواقف والصور حرارة لم تكن المواقف -يوم كانت- بهذه الحرارة أو التألق، وتغلو في بغضها أو كرهها للمواقف غير المستحبة فتصنع الصنيع نفسه باتجاه آخر؟ والسؤال المتأرجح دائماً هل تصلح الذكريات مادة للتاريخ؟ ولم لا تصلح وهي تعرض الحقائق مقرونة بملح الحياة (المشاعر)؟ أليس الأشتر مبدعاً في حديثه عن باحث عرفه، واغترف من بحره؟ أليس في حديثه عن أستاذه موقف معطر بأنفاسه ووفائه؟ وهل يموت الوفاء؟ وهل نلتقي على ميراث ميخائيل نعيمة في ميزان الأشتر؟
الوراقة:
1. أحاديث في الكتب والكتاب، د.عبد الكريم الأشتر، دمشق-مطبوعات اتحاد الكتاب العرب، 2007م.
2. تطور النظرية النقدية عند محمد مندور، فاروق العمراني، طرابلس الغرب-الدار العربية للكتاب، 1988م
3. رسائل طه حسين، أ.إبراهيم عبد العزيز، القاهرة-الهيئة العامة للكتاب، 2000م.
4. فرائد الخرائد في الأمثال، لأبي يعقوب يوسف بن طاهر الخويي(549هـ) تحقيق د.عبد الرزاق حسين، نادي المنطقة الشرقية الأدبي بالدمام، 1415هـ=1994م
1. محمد مندور بين التنظير والممارسة، د.محمد المصفار، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، [د.ت]
2. في الميزان الجديد، د.محمد مندور، تونس- مؤسسةع.بن عبد الله، ط1، 1988م
3. محمد مندور شيخ النقاد، فؤاد قنديل، القاهرة-مركز الحضارة العربية، ط2، 2000م
8. محمد مندور شيخ النقاد في الأدب الحديث، د.محمود السمرة، بيروت-المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2006م
1. محمد مندور الناقد والمنهج، د.غالي شكري، بيروت-دار الطليعة، ط1، 1981م
2. محمد مندور وتنظير النقد العربي، د.محمد برادة، بيروت-دار الآداب، ط1، 1979م
3. الدكتور محمد مندور والوساطة بين الشرق والغرب، د.داود سلوم، بغداد-معهد البحوث والدراسات العربية، 1403هـ=1983م
4. مسامرات نقدية، د.عبد الكريم الأشتر، حلب-دار القلم العربي، 2001م
________________________________________
[1] – اصطنعت لهذه المقالة ثوباً أدبياً في تناولها رغبة في محاكاة الشيخ الأشتر نفسه، وطلباً لإثارته بمخالفته في أستاذه، وتحريضاً له على تحليل شخصية مندور تحليلاً علمياً، والتعرض له من جهة العقل والعلم، وليس من جهة القلب والوجدان، وأن ينزع ثياب الذكرى عن أدبائه ونقادنا الذين تناولهم، وسأغترفهم من مرآته في سلسلة مقالات.
[2] – محمد مندور وتنظير النقد العربي، د.محمد برادة، بيروت-دار الآداب، ط1، 1979م، محمد مندور الناقد والمنهج، د.غالي شكري، بيروت-دار الطليعة، ط1، 1981م، الدكتور محمد مندور والوساطة بين الشرق والغرب، د.داود سلوم، بغداد-معهد البحوث والدراسات العربية، 1403هـ=1983م، تطور النظرية النقدية عند محمد مندور، فاروق العمراني، طرابلس الغرب-الدار العربية للكتاب، 1988م، محمد مندور شيخ النقاد، فؤاد قنديل، القاهرة-مركز الحضارة العربية، ط2، 2000م، محمد مندور شيخ النقاد في الأدب الحديث، د.محمود السمرة، بيروت-المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2006م، محمد مندور بين التنظير والممارسة، د.محمد المصفار، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، [د.ت]
[3] – مسامرات نقدية، د.عبد الكريم الأشتر، حلب-دار القلم العربي، 2001م
[4] – أحاديث في الكتب والكتاب، د.عبد الكريم الأشتر، دمشق-مطبوعات اتحاد الكتاب العرب، 2007م
[5] – في الميزان الجديد، د.محمد مندور، تونس- مؤسسةع.بن عبد الله، ط1، 1988م
[6] – فرائد الخرائد في الأمثال، لأبي يعقوب يوسف بن طاهر الخويي(549هـ) تحقيق د.عبد الرزاق حسين، نادي المنطقة الشرقية الأدبي بالدمام، 1415هـ=1994م: 112
[7] – الجملة المحذوفة هي(عرفت، من بعد، أنها قبعة أكاديمية حملها معه من أيام دراسته في السوربون…)) وهو تعليق الأستاذ من داخل المشهد، ولعل سواد القبعة لا يحمل أي دلالة رمزية سوى وصف الشخصية على حقيقة أمرها، وتبقى الدلالات قابعة في صدر مندور.
[8] – مسامرات نقدية: 31
[9] – أحاديث في الكتب والكتاب: 99
[10] -انظر: رسائل طه حسين، أ.إبراهيم عبد العزيز، القاهرة-الهيئة العامة للكتاب، 200م: 194
[11] – مسامرات نقدية: 52-53
[12] – أحاديث في الكتب والكتاب: 214
ويشاء حظى الحسن أن أكون تلميذا وابن بيولوجي للدكتور محمد مندور، وأن اتعرف على الدكتور الاشتر في منزلنا الذى كان دائم التردد عليه هو واسرته ، حيث كان يحظى بشعبية كبيرة بين أبناء محمد مندور لأسباب متعددة ، ليس من بينها الحلويات الشامية الذى كان يداوم على إحضارها كلما قدم من سوريا ، فلقد كان الدكتور الاشتر خفيف الظل ومبتسما وكان يحظى بحب وتقدير أستاذه ، فتحية للجد والابن والحفيد.
الأشتر يبحث عن مندور!!
بقلم:د.عبد الكريم محمد حسين
هل صارت جنة أستاذنا الأشتر في ماضيه[1]؟ وهل صار غريباً بعد رحيل جل أصدقائه فأخذ يبحث عنهم في زوايا عقله أو خوافيه؟! ولماذا هذا البحث كله عن محمد مندور[2] في كتابات الأشتر المتأخرة(مسامرات نقدية)[3] و(أحاديث في الكتب والكتاب)[4]؟ وهل سئمنا –نحن طلاب الأشتر –مندوراً، وقد حجب أستاذنا الأشترَ عنا دهراً طويلاً في محاضراته التي ألقاها علينا في جامعة دمشق(1978م،و1979م؟ أو إن شئت أن تقول: كان مندور يطل علينا مرة من عيون الأشتر، ومرة من صدره، وأخرى من حقيبته، وثالثة في آهاته أو من مصادره، فيكاد مندور يكون ظلاً للأشتر، ويكاد الأشتر يؤلف ظلاً لمندور، ألم يكن حباً صوفياً بين الرجلين؟ ألم ترَ الأشتر يأتي أفكار مندور حكاية نصية من (الميزان الجديد)[5] ويقولها بمعناها من ذاكرة الشيخ، فتخرج الكلمات نفسها، ويظن الشيخ أنه يقدم النظرية أو برهانها، وطلابه لا يحصلون من رؤية كل منهما للأدب المهموس شيئاً يتعدى القول المقول بلسان مندور نفسه..
وأذكر أن أستاذنا الأشتر- أمد الله لنا في عمره-كان يلقي محاضراته لطلاب السنة الرابعة(عام1978م) في جامعة دمشق للطلاب الفقراء والموظفين مساءً، ويعود في صباح اليوم التالي لإعادة المحاضرة للطلبة المداومين، وكانت واحدة منها تتناول نظرية الأدب المهموس عند مندور، وما أصابها من رد سيد قطب، وكان الشيخ يعطي الطلبة فرصةَ المناقشة والحوار، ويصغي إلى أقوالهم، ويدعو الطلبة أحياناً إلى أن يرد بعضهم أقوال بعضٍ، فإن عجزوا، أو كادوا يفلتون من عقال الانضباط تسلم ناصية القول، وقال بقوله. وهو يُقنِعُ بِرَدِّهِ حينَ يَرُدُّ، لكنه يوم الأدب المهموس أو الشعر المهموس لم تكن إجاباته مقنعة، ومازال رأيه غير مقنع إلى الآن مع الأسف، فحاورته يومئذٍ مناقشاً يوم الاثنين مساء، فلم يجد مَقنعاً باعتراضي، ولم أجد قناعة بالنظرية نفسها لارتباطها بزمن الاحتلال، وشكنا بكل ما يقوله العائدون من الغرب.
وجاءت المحاضرة في اليوم التالي(الثلاثاء) وكانت المحاضرة الأولى صباحاً(8-10) فبادرني الشيخ بقوله: أنت اليوم ضيف –يا عبد الكريم- ولا يحق لك الكلام، فقلت: إنما جئت لأفهم ما فات بالأمس، وكنت مندهشاً لتلك الشابة الجادة العصرية التي تصدت لنظرية الشعر المهموس، وأعادت بقولها ما قلته بالأمس، من غير علم لها بما قلت، ولا معرفة سلفت بيننا، كانت تلك أختنا الدكتورة من بعد نينيت خضور، وزدت شعوراً بالقوة، وزاد الأشتر عظمة في عيوننا عندما اتهم نفسه بالعجز عن إفهامنا حقيقة مقولة الشعر المهموس، ولم يقل لنا: لِمَ لا تفهمون ما يقال؟!!(وسيكون لي-إن شاء الله- بحث في الأدب المهموس قريباً)
حقاً هل كان الأشتر يبحث عن مندور في زوايا الحياة بعد أن فارقها مندور؟ أليس في بحث الأشتر عنه بحثٌ عن أيام الأشتر نفسه، وعن أنفاسه وأنفاس مندور على مسرح الحياة بعد أن رحل؟!! أليست تلك محاولة منه لاسترداد الماضي بما فيه، وما له وما عليه؟ ولكن هل تستطيع الذكرى إعادة الموتى إلى مواضعهم على خشبة مسرح الحياة؟ وما نقول في بحثه عن مندور وهو حي؟ هل كان الأشتر يريد أن يحمل مندوراً معه حيث كان، وأنى توجه؟ وهل كان مندور سقفاً لهذا المبدع الرومانسي لإبداع مندور وعلمه؟ ألم يكن مندور الإنسان أشدَّ حضوراً في كتابات شيخنا الأشتر من مندور المترجم والناقد نفسه؟ وهل كان الأشتر –في عقله الباطن- يجد شعوراً بالتقصير في نصرة أستاذه، وهو في عراك الحياة الأدبية وحراكها، وهو حي، فأراد أن ينتصف له بعد موته وموت خصومه؟ ألا يحسن به أن يترك مندوراً لمؤرخي حركة النقد العربي المعاصر يضعونه حيث يشاءون، ويختلفون في رتبته كما يحبون؟ أليس في هذا الحنو الزائد على مندور شعورٌ باطنٌ بضعف مندور وموته في ساحة النقد، وخروجه من مسرح الحياة النقدية إلى صمت الأبدية؟ وهل لمندور أن يحيا مرتين: مرة في حياته من ولادته إلى وفاته وأخرى في حياة الأشتر ومؤلفاته؟ أيريد له أن يُذكَرَ حيث يذكر الأشتر نفسه؟ أليس هذا جوداً وكرماً من الأشتر نفسه قَلَّ نظيره في تراثنا العربي، أن يهب الباحث الأديب حياته لأستاذه؟ وهل يريد للناس أن يفهموا مندوراً كما فهمه، ويضعوه حيث وضعه؟ أليس للناس حق أن يروا مندوراً بعيونهم لا بعيون الشيخ، ويرفعوه أو يضعوه بعقولهم لا بآراء الشيخ؟!!
أليس الأشتر العالم في كتبه الجامعية الرصينة(رسائله وأبحاثه) شيئاً آخر مختلفاً عن الأشتر الأديب العبقري المصور المِفَن؟ إن كان الأمر كذلك، فثمة التفاتتان إلى مندور بقلم الأشتر نفسه تكشفان عن ريشة الفنان المصور، وعبقرية نقل المشاهد من الحياة إلى الأوراق لتعود مرة أخرى بقراءتها حياة ماضية في جوف حياة حاضرة، وقد عجن الأشتر فيها قسوة الحياة بحبر القلم، وآهات النفس في مشهد المحاضرة الأولى لمندور، وفي مشهد الزيارة الأخيرة لبيت مندور بعد رحيله كما سيأتي من بعد.
المفاجأة والصدمة: أهذا هو مندور؟
ما أصعب أن ترسم شخصية الإنسان من مؤلفاته ومترجماته، وتدهش لعقليته، وتعجب برموزه وإشاراته، وترسم له قامة عالية، وتستحضر له جاذبية قوية، فإذا رأيته، وسمعت صوته، وصافحته يداً بيد…وشهدتَ محاضرته فإذا هو شيء آخر خلافَ ما تومئ إليه الكتب المؤلفة والمترجمة سواء بسواء، فتردد في نفسك قول العرب: ((تسمعَ بالمعيدي خيرٌ من أن تراه))[6] وهذا ما تراه ماثلاً في مشهد محاضرة مندور الأولى لدى الأشتر، وقد رسمها بقلمه فيما يأتي:
((دخل علينا يوماً، بعد انتسابنا إلى المعهد، ثقيلَ الخطو، يملأ معطفه الداكن، وتغطي رأسه قبعة سوداء عريضة، جعلها تميلُ على أحد جانبي الوجه[7]… فلما صعد المنبر، وَشغل كرسيه، فتح محفظة صغيرة زرقاء كان يحملها معه، وأخرج منها كشكولاً دفن فيه وجهه، وأخذ يقرأ، وهو ينفث دخان لفافته بين الحين والحين.
كنت قرأت له كتابه (النقد المنهجي عند العرب) وأعجبت كثيراً بوضوح فكره النقدي، وغنى ثقافته، ودقة أحكامه، ورهافة إحساسه، وحرارة روحه. فلما رأيته في المدرَّج، يلقي كلامه في غير احتفال، وعلى هذه الصورة التي وصفتها، التفت أقول لزميلي الذي قدم معي من الشام: أهذا هو مندور؟!!))[8]
المكان: معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة، والزمان يوم مجهول من أيام الأشتر العلمية في المعهد، وقد بقي من المحاضرة صورة مندور، وانطباع الأشتر الأول عنه، وصدى المحاضرة في نفسه.
أما انطباع الأشتر فقد نشأ من زاوية المفارقة بين شخصية مندور التي تركتها كتبه في نفس الأشتر، وهيئته الواقعية، فقد رسمه بقوله: (ثقيل الخطو) وفي هذا التركيب الإضافي معان عجيبة(ثقيل) أيكون الثقل ناشئاً من قصر ووزن؟ أم يكون الثقل في ظله عند حضوره؟! وهذا يسوغ قلة عدد الحاضرين للمحاضرة، كما جاء في وصف الأشتر.. ما المقصود بثقل الخُطى؟ أيريد أنه مريض كما أوضح بعد ذكر النص؟ وقد جاء اعتذاره من تثاقله متأخراً عن الانطباع الأول، أليس في امتلاء المعطف(يملأ معطفه) صورة لضخامة البدن وكثرة اللحم والشحم؟!! أو ليس في تلوين معطفه باللون الداكن إيحاء بالجدية الممزوجة بالكآبة؟!!(ولا يغير من ذلك أنها صورة صعيدية واقعية من جهة اختيار اللون) ثم ما بال هذه القبعة السوداء(الفرنجية الباريسية)؟ أليست تضيف بسوادها كناية وكآبة على الكآبة، مما يصدم أشواق الانتظار، ويخلع عن الشخصية المرسومة في ذهنه ثوبها الزاهي؟ ولماذا كانت مائلة على أحد جانبي الوجه؟ أإعجاباً بالنفس أو تكبراً بثقافة الآخر؟ إنه يرسم هيئة الشخصية الحسية ملقياً عليها انطباعات موحية ناطقة بما لا يصرح به الأشتر بأدبه الرفيع، لكن الصور تَستخرِجُ-كالموسيقى- فضلات المنطق من أعماق النفس إلى عالم الحس الإبداعي بالصور، وليس من حق أستاذنا أن يحبس عنا العقل الباطن للصورة، ولا أن يفرض علينا رؤيته، وقد علمنا حرية التفكير..
كانت تلك صورته مقبلاً على طلابه في المحاضرة، وقد التقطتها بصيرة الأشتر وبصره بالألوان: الداكن والأسود والأزرق، ومضى يرسم جلسته(صعد المنبر، فتح محفظة صغيرة زرقاء، كان يحملها معه، وأخرج منها كشكولاً دفن فيه وجهه، وأخذ يقرأ، وهو ينفث دخان لفافته بين الحين والحين) ندع المحفظة الصغيرة التي لم تسع أكثر من كشكول كتبت عليه المحاضرة، فليست ثمة مصادر أو مراجع في جعبة الأستاذ يعرضها على الحاضرين، وكان الأمر معقولاً لو أن مندوراً كان قادراً على الاستغناء عن كشكوله، فهل يمكنه الحديث عن المصادر والمراجع، وهو يلقي المحاضرة من أوراق الدفتر، ويخشى أن يرفع رأسه، فتفوته الفكرة، فلا قدرة له على استعادة المعلومات، فهل كان مرضه مؤثراً في ذاكرته؟ ألم يدفن وجهه في كشكوله؟ ألم يصبح الكشكول كفناً له- إن شئت- أو قبراً دفن مندور وجهه فيه. واختيار الفعل (دفن) يشير إلى موت شخصية مندور المشتقة بالقراءة من “النقد المنهجي عند العرب، ومنهج لانسون..”حقاً إن الاختيار(دفن) يدل على حقيقة الحكم في العقل الباطن وباشتعال لفافة التبغ تحترق الصورة التربوية لمندور دون أن يحترق الكشكول والوجه المدفون فيه، فليس من القدوة الحسنة أن يدخن المدرس في قاعة الدرس أمام طلابه.
ولا معنى لإحياء مندور بعد احتراق صورته بقول الأشتر: (وأعجبت كثيراً بوضوح فكره النقدي، وغنى ثقافته، ودقة أحكامه، ورهافة إحساسه، وحرارة روحه) لأن سياق الكلام يشير إلى أن هذه الصفات في كتبه ، وليست في المحاضرة لقول الأشتر في ختام المشهد(فلما رأيته في المدرَّج يلقي الكلام في غير احتفال، وعلى هذه الصورة التي وصفتها، التفتُّ أقول لزميلي الذي قدم معي من الشام: أهذا هو مندور؟) وبهذا الاستفهام الإنكاري تموت شخصية مندور الموهومة بالضربة القاضية على حلبة مسرح المحاضرة من غير مبارز فقد أتلف مندور نفسه بقبعته الصعيدية وبرجوازيته بالسيجارة أو السيجار(التبغ) وضعف ذاكرته عن تسجيل المعلومات، وغياب وجهه عن الجمهور، فكأنه غرق بين أوراق دفتره، فدُفِنَ فيها، وتبقى أفكاره، وتضيع شخصيته في المحاضرة في كشكوله، وقلة جمهوره، لقول الأشتر بمقام آخر في مندور:
((كان مندور غني التكوين، يملك أن يطوف في محاضراته، بقمم الثقافة العالمية. ولكن مستمعيه، في بعض محاضراته العامة، لم يكونوا يزيدون على عدد أصابع اليدين. وقد حضرت له محاضرة في نقابة الصحافة لم يحضرها معنا إلا موظفو الدار، فسمعت كلاماً يندر أن يسمع الإنسان مثله، في جمال تحليله، وعمق مراميه، وقوة إدراكه، وغزارة معرفته، في محاضرة واحدة))[9]
وكلامه هذا في وصف مندور بوضوح الفكر النقدي تعني فقره في النقد، لأنه يخطو بروح المترجم، وبمنهج المدرس الحريص على وضوح الفكرة في نفسه لتكون ساطعة لطلابه، وغنى الثقافة هو سر غموض الفكر النقدي لتدافع الرؤى النقدية واشتباكها في عقول الشباب قبل أن تتقلب في مختبر الإبداع دهراً طويلاَ فتقوى ملكاتهم العقلية بازدياد القدرة على العزل والفصل بين المتشابكات، والنهوض بالخلق العلمي من الأوليات إلى قطوفٍ دانيات، فهل بدأ مندور شيخاً في النقد قبل أن يأخذ حقه من أطوار الحصرم وأيامه. لكن ما يقوله الأشتر من تلك المحاضرة تكشف عن سعة اطلاعه، ودقة أحكامه، ورهافة الإحساس، وحرارة الروح فمما يشترك فيه الرجلان(مندور والأشتر) لأنه يدل بإلصاق تلك الصفات بمندور على ما يتمنى أن يجده في أستاذه، وإن كنت أرجح أن هذه صفات الأشتر التي يود لو أنها في أستاذه مندور، أو قل: ألبسه إياها لتؤلف صورة نفسه في أستاذه، ولعلها تؤلف وتر التناغم بينهما.
ومما أعطى الأشترُ أستاذه: جمال التحليل، وعمق المرمى، وقوة الإدراك وغزارة المعرفة، ولو تحققت هذه الصفات لمندور لاجتمع الناس على محاضرته، وسدت القاعات والطرقات باجتماعهم عليه، وما شكا الطالب من خلو القاعة من الجمهور في محاضرة أعطيت بالحب هذه النعوت كلها.
فمندور تظهر صورته للأشتر في كتبه قبل لقائه، ويدفنها مندور أمام الأشتر في دفتره بمحاضرته، ويقف الأشتر لشطب الشخصية الموهومة بخطوط الشخصية القائمة أمامه في قاعة الدرس، وكلما أثبت له حكماً نسخه بتعقيب، وكلما أظلمت جهة من صورة مندور زينها الأشتر بتعزيتها بالثناء على الشخصية من جهة إنسانية راقية تسكن في صدر الأشتر، ويراها في سلوك ذلك الفلاح المغفل على نحو ما يقول د.طه حسين في لقاءٍ بمندور[10].
هذه صور من الحياة المشتركة بين الأشتر ومندور؛ ذاك عاش في عقل الأشتر ونفسه وقلمه وأوراقه وكتبه بعدئذٍ، فمن العبقرية أن يتنازع المرء شعوران معاً، وهو يكتب عن أستاذه بعد أن ابتعد منه زماناً ومكاناً وواقعاً وحلماً، فيريد أن يرى وجهه من قفاه، ويريد أن يبدي قوته فيظهر من بين السطور عجزه، ويثبت عجزه فتبدو صولته؛ ذلك أن رومانسية الأشتر مشدودة إلى خلفيته الحضارية الإسلامية(الصدق والإنصاف) لكنها معروضة في سياق إبداعي يحتمل التأويل، ذلك أن كتابة الطالب عن أستاذه في فلك السيرة الذاتية صعبة رحلتها ومرة مراسيها، ويزداد الأمر صعوبة عندما يكون أحدهما في الدار الآخرة، والآخر في الدار الأولى، فتأتي الكتابة مطوقة بأطواق الكآبة، والحنين والواقع والخيال، وما كان، وما ينبغي أن يكون… هذه لوحات من حياتهما فما تلك الحياة الأخرى التي حرص الأشتر على إبرازها في زيارة بيت أستاذه وصديقه وأخيه مندور بعد انقطاع تسع وعشرين سنة من وفاة مندور، فماذا كان؟ وكيف قال؟!
في بيت مندور بعد رحيله:
ما أثقلَ الخطوَ بالذكرى والانفعال!! وما أشدَّ قسوة الحياة بالموت؟ وما أصعب أن تزور بيتاً خلا من صاحبه، وهو صاحبك! وما أشد عنتاً من أن يزور القاهرة، ولا يزور بيتاً عاش فيه أستاذه، والتقيا فيه أياماً وأياما!! فهل كان الأشتر يبحث عن مندور في بيته؟! ألم يكن يبحث عن نفسه، وعن أيامه طالباً في ذلك البيت؟ هل عاد إليه باحثاً عن صوره وصوته، وعن خطاه، وصدى أحلامه في ذلك البيت الكريم؟ أليس من الوفاء العودة إلى تلك الأيام وتلك الخطوات؟ أليس من حق القارئ عليَّ أن أدعه لقلم الأشتر ليصور المشهد النابض بكثافة الحياة وسطوتها بقوله:
((زرت القاهرة (أول سنة 1994م) بعد سنوات طويلة من وفاة الدكتور مندور(مايو-أيار1965م)فسعيت إلى البيت الذي طالما سعيت إليه، وأنا طالب في الجامعة، وسلكت إليه الطريق التي كنت أسلكها على ضفاف النيل. فلما طرقت الباب، بدا من وراء زجاجه القديم، شبح ضئيل يعالج فتحه، ثم ظهرت السيدة ملك عبد العزيز تتوكأ على عصا صغيرة. كانت تبدو كما لو أن صورتها نسخت عشرات المرات، عدد السنوات التي فصلت بينها وبين الماضي الذي عرفتها فيه، جلسنا في المكتبة حيث كنا نجلس مع مندور، قريباً من مكتبه العتيق. فتداعت إلى نفسي صور المواقف التي وقفتها فيها، بتفصيلاتها الصغيرة، والدكتور مندور أمامنا في جلابيته البيضاء، ووجهه المغمور بالطيبة، وقد تهدلت خصلة من شعره الحائل على جبينه المشطوب، وأسند يديه إلى ركبتيه، وأخذ على عادته يتحسسهما في حركة دائبة!
يا للزمان! ماتزال صورته تملأ البيت حيثما التفت، وما يزال منه أثر يصعب نسيانه فيه! وهل يُنسى الإنسان؟..))[11]
في هذا المشهد لوحة الطريق، ولوحة الإقبال على بيت مندور، ولوحة مكتبة مندور وفيها زوجه ملك عبد العزيز والأشتر، وأطياف مندور في صناديق الذكريات التي تسربت منها بعض الصور من بحار الماضي.وتعقيب الشيخ.
إنه مشهد مجلل بالأشواق والحنين والحسرات والدموع، وهذه أطوار المشهد في لوحاته:
لوحة الطريق:
هذا طريق الأمس لم يتغير جاء إليه الأشتر باحثاً عن متعة السير ومتعة النظر الخفيتين، فعسى الطريق يجود عليه بما كان يمنحه بالأمس، فقال: (وسلكت إليه الطريق التي كنت أسلكها على ضفاف النيل. فلما طرقت الباب..) هكذا من غير تفاصيل ليعبر عن شدة أشواقه إلى ذلك البيت، وهو قد وصف الطريق في موضع آخر، بقوله: ((كنت أقطع إليه الطريق في الصباح الباكر، فأسير على شاطئ النيل، أتطلع في القوارب المشحونة بالجرار القِناوية القادمة من الصعيد. فإذا طرقت الباب ودخلت عليه رأيته في المكتبة، وقد غاص بجلابيته البيضاء في كرسيه العتيق، وأراح كفيه على ركبتيه، فأخذ يتحسسهما في حركة دائبة أحسبه كان يستعين بها على التوفز واستجلاء ملامح الفكرة، أو خفايا الإحساس، وهو في ذلك كله لا يفلت لفافة التبغ، فأراها بين إصبعيه، وصحف الصباح منثورة من حوله))[12]
انظر إليه كيف يستعرض السفن القادمة من قِنا على صفحة مياه النيل، وهو ماش في طريقه إلى أستاذه لا إلى بيته، وانظر إلى مندور في بيته، وقد غاص في جلابيته، فكأنها بحر، وكأنه يومئ إلى قصره وسعتها، على نحو ما تكون الجلابية الصعيدية والسودانية أيضاً، وانظر إلى مندور، وقد وضع يديه على ركبتيه، وأخذ يتحسس ركبتيه بحركة يديه إلى الأمام تارة وإلى الخلف تارة أخرى، كأنما يستدعي صورة أو خاطرة أو فكرة من رحم الغيب، أو كأنه يتأهب لاستقبال شيء مما تقدم، وهي صورة تبرز طبيعة عصبية للرجل، وحدة على خلاف ما توحي عبارات الشيخ في الإخبار عنه.
ودع عنك لفافة التبغ وسمومها ونيرانها ودخانها التي تعطيه بعضاً من ملامح الفلاح الذي يشعل لفافته طلباً لهدوء الأعصاب، وانتظاراً لوقف الهيجان، واحذر على الصحف اليومية المبثوثة من تبغه ونارها ودخانها. تلك لوحات من الماضي تستحضر وتكتب عن مندور بافتراض أنه يومئذٍ على قيود الحياة وأهلها، فكأنها تعبر عن تلك الحال. وكانت فكرة استغراق التأمل مسوغة بالذكريات واستعادة أيام الشباب، وكان إسراعه إلى بيت مندور مسوَّغاً بلهفته، لكن كيف استرد هذه اللوحات والمشاهد في زيارته الأخيرة؟
كانت لوحة الطريق في زيارته المتأخرة بعد وفاته قصيرة من غير استغراق في استعراض الناس والسفن والأشجار على ضفاف النيل. فهل كان مشهد الإقبال على البيت كذلك؟
لوحة الإقبال:
في إقباله على البيت بدا له شبح ضئيل من وراء الزجاج، وتخاصم في تحقيق الصورة العقلُ والنفسُ، فانتصر العقل بقوله: (بدا من وراء زجاجه القديم، شبح ضئيل يعالج فتحه) ففتح باب التوقع أن يكون(بدا من وراء زجاجه القديم) مندور هو ذاك الشبح الضئيل، فإذا به يفاجئنا بقوله: (ثم ظهرت السيدة ملك عبد العزيز تتوكأ على عصا صغيرة) فكان الرجل الحي مندور يخفي المرأة بظله فصارت اليوم المرأة تحضر الزوج بظلها، فكأنه يقول: إن الزوجين شخصية واحدة لا يفترقان فإن ذهب الزوج الذكر من مسرح الحياة بقي ظله في امرأته، وكأن الفعل (بدا) يعكس حيرة لاقطة الصور أو المصورة النفسية وقد أُبهمت عليها ترددت بين إظهار الميت أو إظهار الحي، والحي أقرب.
فهل صورة الشبح تليق بالحي دون الميت؟ أليست الأشباح جزءاً من العالم الخفي عالم الجن والأرواح المتمردة والأجنحة المتكسرة؟ أليست هذه الصورة من منطق جبران خليل جبران؟ أليس غرض الكاتب أن السيدة ملك قد فقدت لحمها وعظمها فباتت صورة أقرب إلى صور الأشباح والأرواح منها إلى صور البشر والآدميين؟ أليس في هذا التعبير كناية عن شدة نحول جسمها، وقد أخذت منها الأيام كل مأخذ؟ أليس في نسخها بعدد سني البعاد من مندور ما يدل على أثر أنياب السنين في بدنها نحولاً وضعفاً؟ وقد حمل الأشتر لوحة الإقبال إلى أن طرق الباب، وجعلها جزءاً من لوحة الاستقبال عند باب البيت من شدة لهفته على تحقيق فكرة الوصول إلى أرض المبعث مبعث مندور ومواقف الأشتر نفسه.
لوحة المكتبة:
لوحة المكتبة بين الماضي والحاضر تخلق توتراً في النفس؛ لتضاعف الشعور بالحياة وتخلق أرواحاً وأشباحاً من خلال الموقف وتباين فضاء المشاعر، على حرقة وحسرة، فقد اجتمع الأشتر والشاعرة ملك زوج مندور، وكُلٌّ جلس حيث كان يجلس، وبقي كرسي مندور شاغراً، فكأنه في الغرفة المجاورة ينتظران خروجه إليهما، فيكون مندور-كما كان- مصباح المجلس، ومحوره، ومحط النظر فيه، وقد جاءت اللوحة في قوله: (جلسنا في المكتبة حيث كنا نجلس مع مندور، قريباً من مكتبه العتيق) فالشعور بافتقاده طور من أطوار الوعي. والمكتبة وعاء العقل والنفس والروح، وموضع الباحث والأديب والناقد. ومنها تنفتح النفس على فضاء الماضي، ولكن كيف يكون ذلك؟
لوحة فضاء النفس:
في المجلس خرج الأشتر من الحاضر، وترك زوج مندور في موضعها، وأخذ يستعيد الزمن الماضي، ويستخرج مندوراً منه بلحمه ودمه وثوبه أو جلابيته كما يقول: (فتداعت إلى نفسي صور المواقف التي وقفتها فيها، بتفصيلاتها الصغيرة، والدكتور مندور أمامنا في جلابيته البيضاء، ووجهه المغمور بالطيبة، وقد تهدلت خصلة من شعره الحائل على جبينه المشطوب، وأسند يديه إلى ركبتيه، وأخذ على عادته يتحسسهما في حركة دائبة!)
أول شيء يلفت النظر(تداعت إلى نفسي صور المواقف التي وقفتها فيها) مواقف الأشتر في هذه المكتبة(تداعت إليه) فكل صورة من تلك الصور دعت أختها إلى الحضور في هذا المكان، وكل صورة من الصور هجمت عليه من جهة من جهات المكتبة: منها ما خرج من الجدران الصماء، ومنها ما دخل من النوافذ في صحبة الهواء، ومنها ما خرج من أسماء الكتب وأوراقها، ومنها ما جاءت من الأزمنة المنصرمة إلى هذا الزمان الذي يجلس فيه الشيخ في المكتبة ببيت مندور، وقد تداعت إليه مواقفه هو لا مواقف مندور، بتفاصيلها الصغيرة، يا لله تضاعفت الحياة، وتكاثفت المواقف في حضورها، وانكسرت اللحظة الحاضرة لصالح الماضي ومواقفه، وخرج مندور من الماضي على مركب المواقف بسواد شخصه وبياض جلابيته، وملامح وجهه المغمور بالطيبة، ولم ينسَ خصلة الشعر المتدلية..وحركة يديه..زيادة في توكيد حضوره ومبعثه وسطوته على المكان والنفس والأحزان..
واضح أن ملامح شخصية مندور أشد حضوراً في تفصيلاتها مما ظهرت فيه في سياق الذكرى المرتبطة به حياً. وقد قدم الأشتر نفسه في الكلام على (صور مواقفه) ليتم له استحضار مندور من رحم الغيب، وليجعل قارب العبور في (الذكرى، ومناخ التخيل) كالحقيقة التامة وقوعاً.
فهي لحظة أسطورية مبناها استرداد الماضي بشخوصه ومواقفه، فالأشتر اليوم يراقب أشتر الأمس، ومندور الغائب حاضر اليوم من عباءة الأمس، والمواقف التي كانت حياة يعيشها أصبحت ذكرى، وعودتها أمنية مازال يتمناها.
وقد غلف المشهد بقوله متعجباً: (يا للزمان! ما تزال صورته تملأ البيت حيثما التفت، وما يزال منه أثر يصعب نسيانه فيه! وهل يُنسى الإنسان؟) هذا تعجب من إقامة الصور والأطياف في المكان، وما تزال الأماكن تحفظ الإنسان صوتاً وحركة وصدى وخيالاً وطيفاً وشبحاً، وكأن الأشتر يقول: إنه يريد أن ينسى لكنَّ عقله يأبى النسيان، ووفاؤه لا يمحوه الزمان.
هاتان مادتان من ذكريات الأشتر تصوران علاقته بمندور، اشتقت الأولى من اللقاء العلمي في قاعة الدرس، وانبعثت الثانية من شغاف النفس. والأشتر في ذلك كله يكشف عن اغترابه، ووفائه وكرم نجاره في حديثه عن أستاذه مندور، فهل تكون مرآة النفس عاكسة لعالم الحس على حدوده وحقيقته؟ وهل تكون النفس مقيدة بقواعد الحس والعقل؟ أليست النفس تغلو في حبها فتضيف إلى المواقف والصور حرارة لم تكن المواقف -يوم كانت- بهذه الحرارة أو التألق، وتغلو في بغضها أو كرهها للمواقف غير المستحبة فتصنع الصنيع نفسه باتجاه آخر؟ والسؤال المتأرجح دائماً هل تصلح الذكريات مادة للتاريخ؟ ولم لا تصلح وهي تعرض الحقائق مقرونة بملح الحياة (المشاعر)؟ أليس الأشتر مبدعاً في حديثه عن باحث عرفه، واغترف من بحره؟ أليس في حديثه عن أستاذه موقف معطر بأنفاسه ووفائه؟ وهل يموت الوفاء؟ وهل نلتقي على ميراث ميخائيل نعيمة في ميزان الأشتر؟
الوراقة:
1. أحاديث في الكتب والكتاب، د.عبد الكريم الأشتر، دمشق-مطبوعات اتحاد الكتاب العرب، 2007م.
2. تطور النظرية النقدية عند محمد مندور، فاروق العمراني، طرابلس الغرب-الدار العربية للكتاب، 1988م
3. رسائل طه حسين، أ.إبراهيم عبد العزيز، القاهرة-الهيئة العامة للكتاب، 2000م.
4. فرائد الخرائد في الأمثال، لأبي يعقوب يوسف بن طاهر الخويي(549هـ) تحقيق د.عبد الرزاق حسين، نادي المنطقة الشرقية الأدبي بالدمام، 1415هـ=1994م
1. محمد مندور بين التنظير والممارسة، د.محمد المصفار، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، [د.ت]
2. في الميزان الجديد، د.محمد مندور، تونس- مؤسسةع.بن عبد الله، ط1، 1988م
3. محمد مندور شيخ النقاد، فؤاد قنديل، القاهرة-مركز الحضارة العربية، ط2، 2000م
8. محمد مندور شيخ النقاد في الأدب الحديث، د.محمود السمرة، بيروت-المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2006م
1. محمد مندور الناقد والمنهج، د.غالي شكري، بيروت-دار الطليعة، ط1، 1981م
2. محمد مندور وتنظير النقد العربي، د.محمد برادة، بيروت-دار الآداب، ط1، 1979م
3. الدكتور محمد مندور والوساطة بين الشرق والغرب، د.داود سلوم، بغداد-معهد البحوث والدراسات العربية، 1403هـ=1983م
4. مسامرات نقدية، د.عبد الكريم الأشتر، حلب-دار القلم العربي، 2001م
________________________________________
[1] – اصطنعت لهذه المقالة ثوباً أدبياً في تناولها رغبة في محاكاة الشيخ الأشتر نفسه، وطلباً لإثارته بمخالفته في أستاذه، وتحريضاً له على تحليل شخصية مندور تحليلاً علمياً، والتعرض له من جهة العقل والعلم، وليس من جهة القلب والوجدان، وأن ينزع ثياب الذكرى عن أدبائه ونقادنا الذين تناولهم، وسأغترفهم من مرآته في سلسلة مقالات.
[2] – محمد مندور وتنظير النقد العربي، د.محمد برادة، بيروت-دار الآداب، ط1، 1979م، محمد مندور الناقد والمنهج، د.غالي شكري، بيروت-دار الطليعة، ط1، 1981م، الدكتور محمد مندور والوساطة بين الشرق والغرب، د.داود سلوم، بغداد-معهد البحوث والدراسات العربية، 1403هـ=1983م، تطور النظرية النقدية عند محمد مندور، فاروق العمراني، طرابلس الغرب-الدار العربية للكتاب، 1988م، محمد مندور شيخ النقاد، فؤاد قنديل، القاهرة-مركز الحضارة العربية، ط2، 2000م، محمد مندور شيخ النقاد في الأدب الحديث، د.محمود السمرة، بيروت-المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2006م، محمد مندور بين التنظير والممارسة، د.محمد المصفار، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، [د.ت]
[3] – مسامرات نقدية، د.عبد الكريم الأشتر، حلب-دار القلم العربي، 2001م
[4] – أحاديث في الكتب والكتاب، د.عبد الكريم الأشتر، دمشق-مطبوعات اتحاد الكتاب العرب، 2007م
[5] – في الميزان الجديد، د.محمد مندور، تونس- مؤسسةع.بن عبد الله، ط1، 1988م
[6] – فرائد الخرائد في الأمثال، لأبي يعقوب يوسف بن طاهر الخويي(549هـ) تحقيق د.عبد الرزاق حسين، نادي المنطقة الشرقية الأدبي بالدمام، 1415هـ=1994م: 112
[7] – الجملة المحذوفة هي(عرفت، من بعد، أنها قبعة أكاديمية حملها معه من أيام دراسته في السوربون…)) وهو تعليق الأستاذ من داخل المشهد، ولعل سواد القبعة لا يحمل أي دلالة رمزية سوى وصف الشخصية على حقيقة أمرها، وتبقى الدلالات قابعة في صدر مندور.
[8] – مسامرات نقدية: 31
[9] – أحاديث في الكتب والكتاب: 99
[10] -انظر: رسائل طه حسين، أ.إبراهيم عبد العزيز، القاهرة-الهيئة العامة للكتاب، 200م: 194
[11] – مسامرات نقدية: 52-53
[12] – أحاديث في الكتب والكتاب: 214