د. أحمد الحطاب - الله، سبحانه وتعالى، أراد الدينَ للبشرية جمعاء وعلماءُ وفقهاء الدين يريدون سِجنَه في قفص التَّخصُّص

الله، سبحانه وتعالى، أوجد الدينَ للبشرية جمعاء. ومن خلال هذا الدين بيَّن للناس طريقَ الخير وطريق الشر وترك لهم حريةَ الاختيار بين الطريقين. بل إنه، عزَّ وجلَّ، توضيحاً وتِبياناً وشرحا لمزايا أو مساوئ هذين الطريقين، أرسل للناس، منذ غابر الزمان، أنبياءَ ورُسُلاً إما مُبشِّرين الناسَ بما ينتظرهم من خير بعد الحساب، وإما مُنذرينَهم بما ينتظرهم من عقاب بعد نفس الحساب.

أذن، الله، سبحانه وتعالى، بإنزاله للدين عبر الأنبياء والرسل، أراد ويريد الخير للناس. ولو لم يُرِدِ الله، عزَّ وجلَّ، الخيرَ للناس، لتَركَهم يعيشون مثل الحيوانات تتحكَّم فيهم غرائزُهم. لكنه، سبحانه وتعالى، كرَّمَهم وفضَّلهم على كثيرٍ من مخلوقاتِه، مصداقا لقولِه، جلَّ عُلاه : "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء، 70). ثم أرادهم أن يكونوا عاقلين ليُميِّزوا بين الخير والشر، أي ليستطيعوا أن يفهموا ما في الدين من خير ويتجنَّبوا ما ينهى الله عنه من شر. فنفخ في بني آدم جزأً من روحه ليتميَّزوا عن الحيوانات بالعقل ويكونوا واعين بوجودِهم وبوجود الأشياء المحيطة بهم، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" (الحجر، 29).

إذن، الهدف من الدين هو هَديُ الناس لِما لهم فيه خير والابتعاد عن ما لهم فيه شر. ولهذا وحتى يُدركَ الناسُ أهمِّيةَ الدين في حياتِهم، قال، سبحانه وتعالى، للناس، من خلال الآية رقم 29 من سورة ص : "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ".

"كِتَابٌ"، في هذه الآية، هو القرآن. والقرآن فيه آياتٌ كثيرة تتحدَّثُ عن الأمور الدينية، أي العبادات، وآيات أخرى عن الأمور الدنيوية، أي المعاملات. وللتذكير، الله، سبحانه وتعالى، أراد للبشرية جمعاء دينا واحدا وهو الإسلام. "أَنزَلْنَاهُ" تعني أوحَينا لك به. "مُبَارَكٌ" تعني فيه خيرٌ للناس. "لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ" تعني إدراك سياق الآيات وما تُضمِره كلماتُها للوصول إلى معانيها وإلى ما أراد الله أن يُوصِله لنا. "وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" تعني إحضارُ ما جاءت به آياتُ القرآن من موعظَةٍ وسموِّ الأخلاق، كلما دعت الضرورة إلى ذلك.

فكيف للناس أن يتدبَّروا آيات القرآن الكريم وعلماء وفقهاء الدين وضعوا ويضعون شروطا لهذا التَُدبر؟

قبل الجواب على هذا السؤال، هناك بعض التَّوضيحات لا بدَّ أن أقومَ بها، وهي التالية :

1.القرآن نزل لهداية جميع الناس، والمطلوب من هؤلاء الناس أن يتدبَّروا آياتِه

2.الدينُ الذي أراده اللهُ، سبحانه وتعالى، للناس، دينٌ واحدٌ منذ نوح، عليه السلام، إلى آخر الرسل والأنبياء، محمد (ص)، ومُروراً بجميع الرسل والأنبياء. وهو الإسلام.

3.التَّدبُّر هو الإمعان والتَّمعُّن والتفكُّر والتَّأمُّل فيما تحمله آياتُ القرآن الكريم من معاني وحِكَم، أي التَّمهُّل في استيعاب هذه المعاني. والتَّدبُّر يتطلَّب من المُتدبِّر أن يكونَ مستواه الفكري عالياً شيئاً ما. ونتائج التَّدبُّر ليست حقائق مطلقة. فهي نسبية، أي قابلة للنقاش، أي قد تكون صائبة وقد تكون مُجانبة للصواب. وإضافةً إلى المستوى الفكري، فنتائج التَّدبُّر رهينة بالخلفيات الاجتماعية والثقافية للمُتدبِّر. بمعنى أن نتائجَ التَّدبُّر تتأثَّر بما اكتسبه العقل البشري من خلال تفاعله مع الأنداد، وكذلك، تتأثَّر بالعادات والتَّقاليد وبالثقافة أو الثقافات السائدة في المجتمع.

غير أن المستوى الفكري والخلفيات الاجتماعية والثقافية للناس لا يمكن أن تكونَ متشابهة من شخص إلى آخر. فهناك المُثقَّفون وهناك شبه المُثقَّفين وهناك الأميون. أن يضعَ علماء وفقهاء الدين شروطا من الضروري أن تكون مُتوفِّرةً في المتدبِّر، أي إن مَن أراد أن يتدبَّرَ آيات القرآن الكريم، عليه أن يكون ضليعا في اللغة العربية وخبيرا في نحوِها وبلاغتها… وهذا غير صحيح. لماذا؟

لأن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول في الآيات الأربعة الموالية، من سورة الشعراء : "وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ (195)، أن القرآن نزل على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص) "بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ". ومبين، في هذه الآية، تعني واضح وجَلِي وفي مُتناول الفهم والإدراك.

وحين قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 29 من سورة ص : "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ…"، لم يضع شروطا للتَّدبُّر. لماذا؟

لأنه، بكل بساطة، سهَّل إدراكَ آيات القرآن الكريم بتنزيلِه على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص) "بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ". فلماذا يُصرُّ علماءُ وفقهاءُ الدين على تعسير rendre difficile ou compliquer ما سهَّله الله ce que Dieu a facilité؟

لأنهم يظنون، بأمر من الله، أنهم أوصياء على الناس في الأمور الدينية. بل إنهم يظنون أن تخصُّصَهم في الأمور الدينية، يُعطيهم الحقَّ في امتلاكِ هذا الدين. بل يُعطيهم الحقَّ، لهم وحدَهم، في تدبُّر آيات القرآن الكريم، علماً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يدعو الناسَ أجمعين لتدبُّر آيات هذا القرآن.

والآن، حان الوقت للإجابة عن السؤال المُشار إليه أعلاه، أي : "فكيف للناس أن يتدبَّروا آيات القرآن الكريم وعلماء وفقهاء الدين يضعون شروطا لهذا التَُدبر"؟

ليس هناك ولو شرطٌ واحد أمر به، سبحانه وتعالى، لتدبُّرِ آياتِ القرآن الكريم. والشروط التي وضعها علماء وفقهاء الدين، وضعوها لحاجاتٍ في نفس يعقوب، أي لخدمة مصالحهم الشخصية. بينما الله، سبحانه وتعالى، تسهيلاً لإدراك معاني آيات القرآن الكريم (تسهيل التَّدبُّر)، أنزل هذا القرآن على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص)، "بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ"، أي بلغةٍ واضحة.

ما أختم به هذه المقالة، هو عنوانُها : "الله، سبحانه وتعالى، أراد الدينَ للبشرية جمعاء، وعلماءُ وفقهاء الدين يريدون سِجنَه في قفص التَّخصُّص".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى