د. أحمد الحطاب - وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ… إلى آخِرِ الآية

عنوان هذه المقالة، هو الآية رقم 28 من سورة فاطر. ونصُّها الكامل هو : "وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ".

وإذا أردنا أن نُدركَ بعقولنا التي أنعم بها اللهُ، سبحانه وتعالى، على بني آدم، علينا أن نرجعَ للآية رقم 27 من نفس السورة، وهي : "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ". فما هي العبرةُ التي تفرض نفسَها علبنا في هاتين الآيتين الكريمتين؟

العِبرة التي تفرض نفسَها علينا في هاتين الآيتين، هي تنوُّع الخلق الإلهي شكلاً ومضموناً. بمعنى أن المخلوقات، حيَّةً كانت أو غير حية، يختلف بعضها عن بعضٍ من حيث المظهر الخارحي والتركيب الداخلي. وما يُثيرُ الانتباهَ، في هذه الآية الكريمة، هو الجزء الذي يقول فيه، عزَّ وجلَّ، "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ". فما هي الخشبة المشار إليها في هذه الآية الكريمة ومَن هم العلماء؟ هل هم العلماء بالمعنى الواسع أم هم، فقط وحصريا، العلماء المُتخصِّصون في الأمور الدينية؟

جوابا على السؤال الأول، أي "ما هي الخشبة المشار إليها في هذه الآية الكريمة؟"، أقول إن الأمرَ لا يتعلَّق بالخشية بالمفهوم البشري، أي الخوف الذي هو نوعٌ من الانفعال أو الإحساس بالقلق والهلع لما يجد سخصٌ ما نفسه أمام خطر من الأخطار . لا ليس هذا هو المقصود من الخشبة في هذه الآية الكريمة. المقصود من الخشية، هو الإحساس بالخشوع والخضوع والتواضع والانبهار والإعجاب أمام عظمة خالق الكون وقدرته الهائلة على تنويع مخلوقاته الحية وغير الحية.

وجوابا على السؤال الثاني، أي مَن هم العلماء،، المُشار إليهم في هذه الآية الكريمة؟ هل هم العلماء بالمعنى الواسع أم هم، فقط وحصريا، العلماء المُتخصِّصون في الأمور الدينية، أقول إنهم العلماء الذين لا يدركون الخشيةَ بالمعنى البشري المُشار إليه أعلاه وإنما الخشبة الممزوجة بالخشوع والخضوع والتواضع والانبهار والإعجاب أمام عظمة خالق الكون وقدرته الهائلة على تنويع مخلوقاته الحية وغير الحية.

وهذا النوع من الخشبة ليس حكرا على العلماء المتخصِّصين في الأمور الدينية! بل أن العلماء الدنيويين المتخصصين في العلوم الدنيوية كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا ومختلف العلوم الأخرى، الإنسانية والدقيقة، قد يكونون، في شعورهم ومواقفهم، أكثر خشيةً من الله، سبحانه وتعالى. لماذا؟

لأن العلماء الدنيويين يغوصون داخل المخلوقات الإلهية، الحية وغير الحية، للوقوف على اختلافاتها الشكلية وعلى ما تنفرد به من خاصيات وعلى ظروف عيشها وكيف تتأقلم مع هذه الظروف وما هي منافعها… ولهم أدِلَّة قوية يستشهدون بها على ماتوصَّلوا إليه من علمٍ ومعرفة.

وما قلتُه عن العلماء الدنيويين، مُعزَّزٌ ومعترفٌ به من خلال القرآن الكريم.

أولا كلمة "علم" وردت في القرآن الكريم في صيغة المفرد. والله، سبحانه وتعالى، تطرَّق لجميع الأمور الدنيوية وليس، فقط وحصريا، للأمور الدينية. القرآن الكريم فيه أمورٌ دينيةٌ ولكن فيه، كذلك، أمور دنيوية. كثير من الآيات، فيها إشاراتٌ للأرض والسماء والنجوم والماء والنباتات والحيوانات والجبال والبحر والأنعام والمطر والسحاب… وهذه هي الأشياء التي تناولها العلماء الدنيويون بالحث والتَنقيب اللذان أسفرا عن سيلٍ من المعلومات نفعت البشرَ وانتفعوا بها. وخصوصا أن الله، سبحانه وتعالى يقول في الآية رقم 20 من سورة لقمان : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ".

فلماذا وردت كلمة "علم" في صيغة المفرد في القرآن الكريم؟

لسببٍ بسيطٍ، هو أن آياتٍ كثيرةً تفيد بأن اللهَ، سبحانه وتعالى، "بِكلِّ شيءٍ عليم". وكلمة "شيء"، في هذه الآيات، تنوب عن جميع ما خلقه الله، عزَّ وجلَّ، من مكوِّنات، حية وغير حية في الكون (السماوات والأرض). بمعنى أن علمَ الله واسعٌ وشامل. لماذا؟

لأن علم الله واحدٌ يتماشى مع وحدة الكون. و وحدة الكون تعني أن أجزاء هذا الكون مُرتبطٌ بعضها بالبعض الآخر. وهذا هو ما تُحاول العلوم الدنيوية فكَّ ألغازه وأسراره.

أما العلماء أو الفقهاء المُتخصِّصون في الأمور الدينية، فهم مُنشغلون بالعقيدة والإيمان والتقوى والهداية والتَّدين والمغفرة والتواضع والجنة والنار وفعل الخير ومنابع الشر وارتكاب الذنوب والمعاصي والكفر والشرك والرسالات السماوية والكتب المنزَّلة على الرسل… غير أن جزأُ من انشغالاتهم يدخل في نطاق الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله.

ولهذا، فأنا شخصياً، أميل إلى أن كلمةَ "العلماء" التي وردت في الآية رقم 28 من سورة فاطر تعني، ليس فقط، العلماء المُتخصِّصين في الأمور الدينية، بل تشمل كل العلماء المؤمنين من كل الأطياف، أي سواءً كانوا متخصصين في الأمور الدينية أو مُتخصِّصين في العلوم الدنيوية. لماذا؟

أولا لأن اللهَ لم يحدِّدْ، في هذه الآية مَن هم العلماء الذين يخشونَه. بل ترك الأمرَ مفتوحا. لماذا؟ لأن لكل جيلٍ علمائه الدينيون والدنيويون. فعلماء الحضارات القديمة لا يمكن مقارنتهم، من حيث اتساع مجالات المعرفة، بعلماء العصر الحاضر. كل جيل من العلماء الدينيين والدنيويين لهم نظرتهم الخاصة للعالم ولهم منهجياتُهم في البحث والتَّنقيب…

ثانيا، لأنهم، بعلومهم، يُدركون، تمامَ الإدراكِ، عظمةَ الخالق. بل ويُدرِكون، كذلك، النظامَ القائم بين مُكوِّنات هذا الكون. كل مُكوِّنٍ له دور في تناسُق هذا الكون، ويلعبُه في تناغمٍ أو تكاملٍ مع المكوِّنات الأخرى، حيَّةً كانت أو غير حية. وتناغُمُ المكوِّنات وتكامُلُ أدوارِها هو الذي يضمن استمراريةَ الكون في الوجود واستمراريةَ الحياةِ فيه. فسبحان "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ" (السجدة، 7).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى