د. أحمد الحطاب - التَّديُّن العقلاني والتَّديُّن العاطفي

التَّدين la religiosité هو مجموع الطقوس les rites التي يُمارِسها كل مَن أراد أو يريد أن يُطبِّقَ دينا من الأديان على أرض الوقع. وبعبارة أخرى، التَّديُّن هو نقل الدين من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي. والمستوى النظري لدينٍ من الأديان يتغيَّر من شخصٍ إلى آخر أو من جماعة أشخاص إلى أخرى. بمعنى أن هذا المستوى النظري للدين رهينٌ بالمستوى الفكري للمتديِّن ولخلفباته الاجتماعية والثقافية.

ولهذا، فما أقصده ب"التَّديُّن العقلاني" هو التَّديُّن الذي يلجأ فيه المتديِّنُ للعقل لإدراك محتوى هذا الدين، دون المساس بما هو ثابت في هذا الدين. بمعنى أن العقلَ يُقلِّب كلَّ ما هو ديني يُمنةً ويُسرةً، أُفُقِياً وعمودياً، أي يُخضِع محتوى الدين لمِصفاة filtre النقد، ولا يحتفظ منه إلا بما يتطابق مع العقل.

وخلافا لِما يدَّعيه بعض علماء وفقهاء الدين أن العقلَ، إذا استعمله الناسُ لتوضيح بعض المُعطيات الدينية، قد يُسيء لبعض النَّعاليم الدينية. بمعنى أن العقلَ، إذا فكَّر ملياً في هذه التَّعاليم، قد يُجبر صاحبَه على استنكار أو رفض أو إعادة النظر في تلك التَّعاليم، لأنها تتنافى أو تتناقض مع التَّفكير السليم والمنطقي.

مثلا، علماء وفقهاء الدين أوصوا ب"قتلِ المُرتد، والله، سبحانه وتعالى، يقول في الآية رقم 256 من سورة البقرة : "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ".

فأي حديثٍ سنصدِّق، هل كلام الله المقدَّس والمطلق أم كلام علماء وفقهاء الدين، الذي هو نسبي وقابل للنقاش؟ بدون أدنى شك أن ما يستحقُّ التَّصديقَ، هو كلام الله، سبحانه وتعالى، في القرآن الكريم. ألم يقل، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 2 من سورة البقرة : "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"؟ أي لا يتسرَّب لمحتواه أدنى شك. كما يقول، عزَّ وجلَّ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ"(هود، 1). أهناك وضوحٌ اكثر من هذا؟

أما التَّدين العاطفي، فهو تطبيقٌ على أرض الواقع للدين الذي ورِثه الناسُ عن الآباء والأمهات. فهو دينٌ يُعتَمد في فهمِِه على تقليد الآخرين فيما يقولونه وما يفعلونه. ويعتمد، كذلك، على التِّكرار وعلى الحفظ. فهو إذن تديُّن، إن لم يعتمد فيه المُتديِّنُ على العقل، ففَهمُه له سيبقى سطحياً. فلماذا نعتتُ هذا النوعَ من التَّديُّن ب"العاطفي"؟

أولاً، لأن المُتديِّنَ لا يستعمل عقلَه بالمفهوم النقدي، أي أن يُمرِّرَ كل ما رآه وما سمعه وقلَّده، من مصفاة filtre الفكر النقدي. بل إنه وجد أباه أو أمَّه يمارسون طقوساً دينية معيَّنة، فقلَّدهم، كما قلَّدهم ويُقلِّدهم، منذ صِغرِه، في أمور دنيوية أخرى.

ثانياً، بصفة عامة، الأطفال يُقلِّدون آباءَهم وأمَّهاتهم ليُثبتوا وجودَهم في الحياة. ولأنهم، كذلك، يريدون أن يتمثلوا مع الوالدين ils veulent s'identifier à leurs parents، أو بعبارة أخرى، يريدون أن يكونوا نسخةً طِبق الأصل للوالدين ils veulent être une image fidèle de leurs parents. ولتحقيق هذه الأمنية، فلا مفرٍَ لهم من تقليدهما، قولاً وفعلاً.

ثالثاُ، عندما يقلِّد الطفلُ صلاةَ أبيه وأمِّه، فإن هذا التقليد يعتبره الوالِدان لعباً. لكن بالنسبة للطفل، هذا التقليد حقيقة ملموسة أو واقع ملموس une ŕealité concrète. ولهذا، فعندما يكون الطِّفلُ منهمِكاً فيما يعتبره الراشدون لعباً، فبالنسبة للطفل، مضمون اللعب واقع ملموس. ولماذا يعتبر الطفلّ اللعبَ واقعا ملموسا؟ لأنه هو الذي يتحكَّم في مختلف أطوارِ اللعب ويقودها حسب رغباته. ولهذا، فالأطفال مستعدون، اجتماعيا ونفسيا، لتقليد كل ما يقوم به الراشدون من أعمال. فتراهم يقلِّدون الطبيبَ والسائقَ والبائعَ والمشتري والمعلمَ… وما تقليد الطقوس الدينية إلا وجهٌ من أوجه التقليد الذي يقوم به الأطفال للتماثل مع الراشدين pour s'identifier aux adultes، وخصوصا، الآباء والأمهات.

رابعا، لا داعيَ للقول أن تفليدَ الأطفال للراشدين، من خلال اللعب، يفتح الباب على مصراعيه لتعلُّم هؤلاء الأطفال أشياء كثيرة، منها تعلُّم الطقوس الدينية. وتعلُّم الطقوس الدينية، عن طريق التقليد، يجعل من التَّديُّن تديُّناً سطحيا، اي تديُّنا يكتفي بالتَّقليد الأعمى، دون الدخول في تفاصيل التَّعاليم الدينية. وهذا النوع من التَّديُّن تتدخَّل فيه العاطفة قبل العقل. ولهذا، سمَّيتُه "التَّديُن العاطفي". و"التَّديُّن العاطفي"، فهو بالضرورة، تديُّنٌ سطحي.

خامسا، لكن عندما يبلغ الطفل سنَّ الرُّشد، فإما أن يستمرَّ في سطحية تديُّنِه la superficialité de sa religiosité وإما أن يبحثَ، بإيعازٍ من والدَيه أو منه هو نفسُه، عن التَّعمُّقِ في التدين الذي أصبح يمارِسه عن قناعة.

ولا داعيَ للقول أن الأغلبية الساحقةَ من المسلمين، هم مسلمون بالتوارث. بمعنى أن تديُّنَهم سطحي، أي ناتِجٌ عن تقليد أعمى للطقوس الدينية التي يمارسها الوالدان، أو بصفة عامة، يُمارِسها الراشدون.

وفي الختام، إن سطحِيةَ التَّ.يُن، إن كانت تعني عدمَ الدخولَ في تفاصيل وعمق التَّعاليم الدينية أو الدين، إدراكاً وممارسةً، فإنها، على الإطلاق، لا تعكِس ما قد يُكنُّه شخصٌ من الأشخاص من قناعة بأن الدينَ ضرورة من ضرورات الحياة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى