مكث الإمام شمس الدين الرملي في تأليف كتابه "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" مدةً امتدت إلى تسع سنوات وستة أشهر وتسعة عشر يومًا، بدأها في ذي القعدة سنة 963هـ، وأتمها يوم الجمعة في التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة 973هـ، والرملي في “نهايته” نقّح مسالك الفقه بأدقّ نَسْجٍ، وأحكمِ سبك، مع تيسيرٍ لا يخلّ، وتسهيلٍ لا يملّ.
وهذه المدة من حيث طبيعتها الزمنية لا يمكن فهمها على أنها مجرّد وقت مستغرق في نقل شرح سابق أو تلخيصه، كما يزعم بعض المتأخرين؛ لأن عملية التأليف في العلوم المعقّدة؛ كفقه الشافعية لا تقاس بالإنشاء الكتبي البسيط، وإنما تُفهم من خلال ما تتطلبه من فهم عميق، واستيعاب دقيق للمتن، وربط بين الفروع، وضبط للمصطلحات، ونظر في خلافات المذاهب، ومراجعة متون وشروح متعددة، فضلًا عن إدراك السياق الفقهي الأوسع.
ولذا فإن القول بأن الرملي استند إلى شرحٍ سابق؛ كالتحفة أو المغني مجرد استنادٍ نقلي يُخالف طبيعة المعرفة الفقهية في المدرسة الشافعية، حيث إن الشروح لا تُكتب إلا بعد استيعاب واسع للمادة، والمقارنة الدقيقة بين ما ورد في المتن، وما ورد في كتب الأصحاب، خاصة في المذهب الذي يمتاز بثراء شروحه وتنوع مدارسه.
ومن ثم فإن طول مدة التأليف لا يدل على بطء في الإنجاز، وإنما على انخراط جاد في مشروع علمي مركب، يتطلب وقتًا للنظر والمراجعة والتدقيق والتحقيق، وربما إعادة الصياغة أكثر من مرة؛ وهو ما وجد بالفعل من خلال مطالعة مخطوطات النهاية.
ثم إن الفقهاء الكبار؛ كالإمام الرملي لا يبدؤون من الصفر، ولا يُتوقع منهم الانقطاع الكامل عما كتبه من قبلهم؛ فالمعرفة الفقهية قائمة على التراكم، لا الانقطاع. لكنّ المهم في تقييم أي شرح أو مؤلف ليس مقدار ما أخذه من غيره، وإنما في كيفية إعادة إنتاجه لما أخذه، وتوظيفه في بناء نسق علمي متماسك.
وهنا تتجلى قيمة "نهاية المحتاج"، إذ لم يكتف فيه الرملي بجمع الأقوال، وإنمت نظّم المسائل ورتّب الفروع، وأدخل آراء متأخرة؛ كأقوال أبيه الشهاب لم تكن في شروح سابقة، ووازن بين الروايات، مما يدل على فهم مستقل، لا على اعتماد تقليدي.
كما أن النظر في كتب فقهاء عصره أو من سبقه، كالإمام المحلي أو الشيخ زكريا الأنصاري، يُظهر أن كل واحد منهم تعامل مع المتن بطريقته. فاختلاف المعالجة الفقهية، واختلاف ترتيب المسائل، واختلاف الأمثلة التي تُساق للتوضيح، كلها مؤشرات على استقلال في الفهم، وتميّز في المنهج، لا اختلاف في العبارة فحسب.
بل إن بعض الأئمة الكبار قد عُرفوا بكثرة اعتمادهم على كتب السابقين، ومع ذلك لم يقدح ذلك في مكانتهم، لأن إعادة العرض بروح علمية جديدة، ومنهجية أكثر ضبطًا، تُعدّ بذاتها إسهامًا أصيلاً في الفقه؛ فانظر إلى بعض مؤلفات الإمام النووي كيف عمد إلى اختصار كتب غيره؛ كالمنهاج والروضة، لا على سبيل النقل المجرد أو الجمع العابر، وإنما بعد إتقان للمادة، وإحاطة بمقاصدها، وتمييز بين معانيها، فكان اختصاره ثمرة علم راسخ، لا تكرارًا لما سبقه، حتى صارت هذه المختصرات عمدة كتب المذهب، ومراجع معتمدة عند المتأخرين، تجاوزت في الفضل والمنزلة الكتبَ التي اختُصرت منها، لما امتازت به من إحكام في العبارة، وحسن في الترتيب، ودقة في اختيار المعتمد.
ومن هنا فإن تقييم الجهود العلمية -خصوصًا في الفقه- ينبغي أن يكون قائمًا على فحص البنية الداخلية للمتن، ومقدار اجتهاد المؤلف في التنظيم والتحرير وذكر المعتمد، لا على مجرد عدد المصادر أو مدى الاقتباس الظاهري.
ولو ساغ الاتهام بالنقل المجرد لمجرد التشابه أو التأثر لما نجا أحد من فقهاء المذاهب الأربعة من هذا الحكم؛ إذ إن كل علم بُني على ما قبله، وكل شرح اعتمد على متن أو شرح سابق. لكن ما يجعل العمل علميًا محكمًا هو طبيعة المعالجة، ودقة التحرير، ومتانة التوثيق، وهو ما تحقق بوضوح في عمل الإمام الرملي.
وهذا الشرح الذي صنّفه الرملي لم يكن في حقيقته وليد رغبة شخصية أو تطلع إلى التأليف، وإنما جاء استجابةً لمسؤولية علمية طُلبت منه؛ فقد صرّح في مقدمته قائلًا: “ولقد طالما سألني السادة الأفاضل، والوارثون علم الأوائل، في وضع شرح على (المنهاج) يوضح مكنونه، ويبرز مصونه؛ فأجبتهم إلى ذلك".
فهو لم يشرع في التصنيف ابتداءً ليُظن أن له فيه حظًّا نفسانيًّا، وإنما انقاد لما طلبه منه فقهاء عصره، مما يدل على أن الأنظار كانت موجَّهة إليه، لا سيما أن "المنهاج" للنوويّ كان عمدة كتب الفقه في زمانه، ولا يُقدِم على شرحه، فضلًا عن تصنيف شرح مستقل له، إلا الأكابر من العلماء.
ومنذ أن طُلب منه ذلك، ظلّ مدركًا على مدى تسع سنوات أن شرحه هذا سيكون محل نظر وتدقيق من فقهاء زمانه، فكيف يُتصوَّر منه أن يختصر كتاب غيره بغير دراية تامة، أو أن ينقل نقلاً مجردًا، وهو يعلم يقينًا أن العلماء سيقرؤون في كلّ كلمة من شرحه ميزان علمه ومبلغ تحقيقه؟!
لذلك يُفهم أن تأليف "نهاية المحتاج" لم يكن تكرارًا لموروث، وإنما كان تأسيسًا على ذلك الموروث وإعادة صياغته وفق أدوات تحليلية ومنهجية دقيقة، الأمر الذي يفسر استمراره في التداول، واعتماد كثير من المتأخرين عليه، لا باعتباره جامعًا لما سبقه فحسب، وإنما لكونه مرجعًا ناضجًا يمثل خلاصة المذهب في طوره المتأخر.
ولا تظنّ أن الأزاهرة إنما اعتمدوا كتاب “#نهاية_المحتاج” للإمام الرملي في المذهب الشافعي لمكانته فحسب، أو لفضل والده الشهاب ومقامه، وإنما لاعتماده على مراجعة علمية جماعية نادرة؛ إذ قُرئ هذا الكتاب كاملًا على أربعمائة من علماء الأزهر العظيم، فصار نصه محل تدقيق وتصحيح ونقد من جماعة علمية واسعة، حتى بلغ حدّ التواتر العملي، وهو ما منحه حجية تجاوزت المؤلفات الفردية، وجعلت اعتماده في الفقه الشافعي عند متأخري شافعية مصر وغيرها من البلدان أقرب إلى الإجماع المدرسي منه إلى الرأي الشخصي.
ولذا أستطيع أن أقول: إن ما في “#نهاية_المحتاج” للإمام الرملي لا يُعدّ قوله وحده، بل هو –في حقيقته– قول جماعة من علماء الأزهر الذين قُرئت عليهم، فنقّحوا ألفاظها، وراجعوا مسائلها، وأقرّوها بعد تصحيحها، فجاءت نهاية الرملي ثمرة إجماع علمي نادر، لا اجتهادًا فرديًّا فحسب.
وهذا الإقرار العملي قلَّ أن يُرى في كتابٍ آخر؛ إذ ندر في تاريخ التأليف الفقهي أن يحظى كتاب بمثل هذه المراجعة الجماعية، والتمحيص النقدي، والتأييد العلمي من هذا العدد من العلماء، مما جعل “النهاية” تحتل مكانة استثنائية في سلّم كتب المذهب لا سيما عند المصريين.
د. علي زين العابدين
وهذه المدة من حيث طبيعتها الزمنية لا يمكن فهمها على أنها مجرّد وقت مستغرق في نقل شرح سابق أو تلخيصه، كما يزعم بعض المتأخرين؛ لأن عملية التأليف في العلوم المعقّدة؛ كفقه الشافعية لا تقاس بالإنشاء الكتبي البسيط، وإنما تُفهم من خلال ما تتطلبه من فهم عميق، واستيعاب دقيق للمتن، وربط بين الفروع، وضبط للمصطلحات، ونظر في خلافات المذاهب، ومراجعة متون وشروح متعددة، فضلًا عن إدراك السياق الفقهي الأوسع.
ولذا فإن القول بأن الرملي استند إلى شرحٍ سابق؛ كالتحفة أو المغني مجرد استنادٍ نقلي يُخالف طبيعة المعرفة الفقهية في المدرسة الشافعية، حيث إن الشروح لا تُكتب إلا بعد استيعاب واسع للمادة، والمقارنة الدقيقة بين ما ورد في المتن، وما ورد في كتب الأصحاب، خاصة في المذهب الذي يمتاز بثراء شروحه وتنوع مدارسه.
ومن ثم فإن طول مدة التأليف لا يدل على بطء في الإنجاز، وإنما على انخراط جاد في مشروع علمي مركب، يتطلب وقتًا للنظر والمراجعة والتدقيق والتحقيق، وربما إعادة الصياغة أكثر من مرة؛ وهو ما وجد بالفعل من خلال مطالعة مخطوطات النهاية.
ثم إن الفقهاء الكبار؛ كالإمام الرملي لا يبدؤون من الصفر، ولا يُتوقع منهم الانقطاع الكامل عما كتبه من قبلهم؛ فالمعرفة الفقهية قائمة على التراكم، لا الانقطاع. لكنّ المهم في تقييم أي شرح أو مؤلف ليس مقدار ما أخذه من غيره، وإنما في كيفية إعادة إنتاجه لما أخذه، وتوظيفه في بناء نسق علمي متماسك.
وهنا تتجلى قيمة "نهاية المحتاج"، إذ لم يكتف فيه الرملي بجمع الأقوال، وإنمت نظّم المسائل ورتّب الفروع، وأدخل آراء متأخرة؛ كأقوال أبيه الشهاب لم تكن في شروح سابقة، ووازن بين الروايات، مما يدل على فهم مستقل، لا على اعتماد تقليدي.
كما أن النظر في كتب فقهاء عصره أو من سبقه، كالإمام المحلي أو الشيخ زكريا الأنصاري، يُظهر أن كل واحد منهم تعامل مع المتن بطريقته. فاختلاف المعالجة الفقهية، واختلاف ترتيب المسائل، واختلاف الأمثلة التي تُساق للتوضيح، كلها مؤشرات على استقلال في الفهم، وتميّز في المنهج، لا اختلاف في العبارة فحسب.
بل إن بعض الأئمة الكبار قد عُرفوا بكثرة اعتمادهم على كتب السابقين، ومع ذلك لم يقدح ذلك في مكانتهم، لأن إعادة العرض بروح علمية جديدة، ومنهجية أكثر ضبطًا، تُعدّ بذاتها إسهامًا أصيلاً في الفقه؛ فانظر إلى بعض مؤلفات الإمام النووي كيف عمد إلى اختصار كتب غيره؛ كالمنهاج والروضة، لا على سبيل النقل المجرد أو الجمع العابر، وإنما بعد إتقان للمادة، وإحاطة بمقاصدها، وتمييز بين معانيها، فكان اختصاره ثمرة علم راسخ، لا تكرارًا لما سبقه، حتى صارت هذه المختصرات عمدة كتب المذهب، ومراجع معتمدة عند المتأخرين، تجاوزت في الفضل والمنزلة الكتبَ التي اختُصرت منها، لما امتازت به من إحكام في العبارة، وحسن في الترتيب، ودقة في اختيار المعتمد.
ومن هنا فإن تقييم الجهود العلمية -خصوصًا في الفقه- ينبغي أن يكون قائمًا على فحص البنية الداخلية للمتن، ومقدار اجتهاد المؤلف في التنظيم والتحرير وذكر المعتمد، لا على مجرد عدد المصادر أو مدى الاقتباس الظاهري.
ولو ساغ الاتهام بالنقل المجرد لمجرد التشابه أو التأثر لما نجا أحد من فقهاء المذاهب الأربعة من هذا الحكم؛ إذ إن كل علم بُني على ما قبله، وكل شرح اعتمد على متن أو شرح سابق. لكن ما يجعل العمل علميًا محكمًا هو طبيعة المعالجة، ودقة التحرير، ومتانة التوثيق، وهو ما تحقق بوضوح في عمل الإمام الرملي.
وهذا الشرح الذي صنّفه الرملي لم يكن في حقيقته وليد رغبة شخصية أو تطلع إلى التأليف، وإنما جاء استجابةً لمسؤولية علمية طُلبت منه؛ فقد صرّح في مقدمته قائلًا: “ولقد طالما سألني السادة الأفاضل، والوارثون علم الأوائل، في وضع شرح على (المنهاج) يوضح مكنونه، ويبرز مصونه؛ فأجبتهم إلى ذلك".
فهو لم يشرع في التصنيف ابتداءً ليُظن أن له فيه حظًّا نفسانيًّا، وإنما انقاد لما طلبه منه فقهاء عصره، مما يدل على أن الأنظار كانت موجَّهة إليه، لا سيما أن "المنهاج" للنوويّ كان عمدة كتب الفقه في زمانه، ولا يُقدِم على شرحه، فضلًا عن تصنيف شرح مستقل له، إلا الأكابر من العلماء.
ومنذ أن طُلب منه ذلك، ظلّ مدركًا على مدى تسع سنوات أن شرحه هذا سيكون محل نظر وتدقيق من فقهاء زمانه، فكيف يُتصوَّر منه أن يختصر كتاب غيره بغير دراية تامة، أو أن ينقل نقلاً مجردًا، وهو يعلم يقينًا أن العلماء سيقرؤون في كلّ كلمة من شرحه ميزان علمه ومبلغ تحقيقه؟!
لذلك يُفهم أن تأليف "نهاية المحتاج" لم يكن تكرارًا لموروث، وإنما كان تأسيسًا على ذلك الموروث وإعادة صياغته وفق أدوات تحليلية ومنهجية دقيقة، الأمر الذي يفسر استمراره في التداول، واعتماد كثير من المتأخرين عليه، لا باعتباره جامعًا لما سبقه فحسب، وإنما لكونه مرجعًا ناضجًا يمثل خلاصة المذهب في طوره المتأخر.
ولا تظنّ أن الأزاهرة إنما اعتمدوا كتاب “#نهاية_المحتاج” للإمام الرملي في المذهب الشافعي لمكانته فحسب، أو لفضل والده الشهاب ومقامه، وإنما لاعتماده على مراجعة علمية جماعية نادرة؛ إذ قُرئ هذا الكتاب كاملًا على أربعمائة من علماء الأزهر العظيم، فصار نصه محل تدقيق وتصحيح ونقد من جماعة علمية واسعة، حتى بلغ حدّ التواتر العملي، وهو ما منحه حجية تجاوزت المؤلفات الفردية، وجعلت اعتماده في الفقه الشافعي عند متأخري شافعية مصر وغيرها من البلدان أقرب إلى الإجماع المدرسي منه إلى الرأي الشخصي.
ولذا أستطيع أن أقول: إن ما في “#نهاية_المحتاج” للإمام الرملي لا يُعدّ قوله وحده، بل هو –في حقيقته– قول جماعة من علماء الأزهر الذين قُرئت عليهم، فنقّحوا ألفاظها، وراجعوا مسائلها، وأقرّوها بعد تصحيحها، فجاءت نهاية الرملي ثمرة إجماع علمي نادر، لا اجتهادًا فرديًّا فحسب.
وهذا الإقرار العملي قلَّ أن يُرى في كتابٍ آخر؛ إذ ندر في تاريخ التأليف الفقهي أن يحظى كتاب بمثل هذه المراجعة الجماعية، والتمحيص النقدي، والتأييد العلمي من هذا العدد من العلماء، مما جعل “النهاية” تحتل مكانة استثنائية في سلّم كتب المذهب لا سيما عند المصريين.
د. علي زين العابدين