رسالة الإسلام هي آخِرُ رسالة سماوية أنزلها الله، سبحانه وتعالى، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). ورسالة الإسلام جاءت لتُسعِدَ الناس وتُنظِّم حياتَهم الاجتماعية، أي حياة تُنظٍِمها القيم الإنسانية السامية، أي القيم التي تتماشى مع ما أراده اللهُ، عزَّ وجلَّ، من إسعادٍ للناس.
أما العُنف la violence، فيمكن تعريفُه بالمُيول لممارسة العُدوانية l'agressivité تُجاه شخص من الأشخاص. والععنف يمكن أن يكون لفظياً أو مادِّياً.
والعُنفُ اللفظي يتمثَّل في النُّطق بكلامٍ يجرح العواطف أو يمسُّ كرامةَ الناسِ أو يُقلِّل الحياءَ تُجاهَهم. أما العنفُ المادي، قيتمثَّل في استعمال الأيدي لضربِ الناس أو دفعهم أو إسقاطهم أرضاً أو خطف ما يمسكونه في أيديهم. وقد يُمارسُ العنفُ المادي باللحوء إلى استعمال وسائل، هي الأخرى مادية، كالعِصِيِّ وقضبان الحديد والسيوف والسلاح الأبيض والسلاح الحربي والرجم بالحجارة… إلى غير ذلك من الوسائل التي تُحدِث أضراراً في الأجسام وفي المُمتلكات. والعنف، بشقَّيه، اللفظي والمادي، يمكن أن يصدرَ عن شخص واحدٍ أو عن جماعة من الأشخاص بل قد يصدر عن حُكَّام بلدٍ بأكمله.
وكمثالٍ حيٍّ للعنف اللفظي، أذكرُ ما يقوله بعض علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، المُتطرِّفون منهم، عندما يريدون تقريبَ الدين من الناس، فيُقرِّبونه منهم بجرعةٍ عاليةٍ من التَّخويف والتَّرهيب والتَّرعيب… أو حينما يُصدِّقون أحاديث منسوبة، افتِراءً، للرسول (ص) وهو بريء منها.
أما أحسن مثالٍ للعنف المادي الذي تُستَعملُ فيه اليدان، أذكر ما يقوم به بعض الشباب من خطفٍ للهواتف المحمولة والحقائب، وخصوصا، الحقائب النسوية.
أما العُنف المادي الذي يُمارَس بوسائل مادية، فبتمثَّل، في هذا الصدد، في العنفُ الذي يمارسه بلدٌ مسلم بأكملِه على بلدٍ مسلم آخرَ بأكملِه. وخير مثال يمكن سياقُه هنا، هي الغزو الذي شنَّه صدام حسين واحتلَّ، من خلاله، الكويت.
وقبل الجواب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أريد أن أثيرَ الانتباهَ أن هذا العنفَ، كظاهرة اجتماعية comme un phénomène social، كان موجودا في المجتمعات البشرية منذ عصور غابرة. لماذا؟
لأن سلوكَ البشر يتأرجح بين الخير والشر. بمعنى أن الحالةَ النفسيةَ للناس مُتقلِّبة، أي تتغير حسب الظروف، الاجتماعية والثقافية، على الخصوص، المحيطة بالإنسان وحسب، كذلك، ما يجد في هذه الظروف من منفعة وانتفاع. وقد نقول إن هذا التَّأرجحَ بين الخير والشر ملازِم للإنسان أينما حل وارتحل.
ولهذا، فالإنسان البدائي لم يسلم من ظاهرة العنف، إذ كان هذا الأخيرُ واحدا من العوامل التي يلجأ لها لضمان بقائه pour garantir sa survie. وبصفة عامة، العنف كان يستعمل للانتقام la vengeance والدفاع عن الشرف défense de l'honneur وللحِفاظ على ما بملكه الناس من أشياء ثمينة…
أما اليوم، فالأسباب التي، من الممكِن أن تقود الناسَ، أفرادا وجماعاتٍ وبلدانا بأكملها، إلى اللجوء إلى العنف، كثيرة. بمكن أن تكون هذه الأسباب اجتماعيةً، ثقافيةً، دينيةً، سياسيةً واقتصاديةً. ولعل أهمَّ مظاهر العنف، في عصرنا الحاضر، هي الحروب.
ومن أبرز مظاهر العنف، في عالم اليوم، العنفُ الممارس ضد النساء والأطفال. وقد أعطى كثيرٌ من علماء وفقهاء الدين، في عالمِنا الإسلامي، شرعيةً دينيةً لهذا العُنف الذي أصبح واحدا من الوسائل التَّأديبية التي يمارسها عددٌ كبيرٌ من الرحال ضد المرأة والأطفال.
بعد هذه التَّوضيحات، سأُجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "هل رسالة الإسلام أوصَت وتوصِي بممارسة العُنف؟ فيما يلي، إليكم بعض عناصر هذه الإجابة :
عندما نقرأ القرآنَ الكريمَ، من أول سورة إلى آخِرِ سورة منه، نلاحظ أن رسالةَ الإسلام التي أنزلها اللهُ، سبحانه وتعالى، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص)، جاءت لتُسعدَ الناسَ، قاطبةً، ولتُسهِّلَ تساكنَهم وتعايُشَهم داخلَ المجتمعات. وهذه الرسالة لم يفرضها الله، عزَّ وجلَّ، على الناس. بل بيَّن لهم طريقَ الخير وطريق الشر، وترك لهم حرِّيةَ اختيار الطريقَ الذي يناسب تفكيرَهم. أليست رسالةُ الإسلام رسالةَ أمنٍ وأمانٍ؟ والأمن والأمان، داخلَ المجتمعات، لا بمكن أن يتحقَّقا إلا إذا كانت هذه المجتمعاتُ خاليةً من العنف، أي رسالة تنبذ العنفَ كيفما كان؟
ولهذا قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 256 من سورة البقرة : "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ". بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، بإنزاله رسالةَ الإسلام على النبي والرسول، محمد (ص) ليس ليفرِضها هذا الأخير على الناس (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، لكن ليُبيِّن لهم طريق الخير وطريق الشر (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). واللهُ، سبحانه وتعالى، خلق الإنسان وكرَّمه وفضَّله على كثيرٍ من مخلوقاته بالعقل وسخَّر له كل ما في الكون… ليُسعِدَه في الدنيا قبل الآخرة. فهل يُعقَل أن يظلمَه بفرض الدين عليه؟ لا يمكن أن يتناقض الله مع نفسه لأنه عدلُ ومُقْسِطٌ.
والدليل على أن رسالةَ الإسلام لم يُنزلها، سبحانه وتعالى، لتُفرضَ على الناس ولم توصِ باستعمال العنف اثناءَ نشرِها، هو ما قاله، عزَّ وحلَّ، لرسوله الكريم (ص) في الآية رقم 125 من سورة النحل : "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ". أهناك وضوحٌ أكثر من هذا الذي أتت به هذه الآية الكريمة؟ في هذه الآية، الله، سبحانه وتعالى، يأمر رسولَه (ص)، المأمور بنشر رسالة الإسلام، أن يتعامل مع الكفار والمشركين بكلام لطيف، ليِّن وحكيم. وحتى إن تجادلوا معه، فإنه مُطالبٌ بأن لا يستعمل إلا الكلام الطيب الذي يُقنِع ولا يجرح. وبمعنى آخر، الله، سبحانه وتعالى، يأمر رسولَه (ص) أن يتجنَّبَ العنف اللفظي. فهل رسالة الإسلام توصي بمُمارسة العنف؟
والدليل ألآخرُ الذي يؤكِّد أن رسالةَ الإسلام لم يُنزلها، سبحانه وتعالى، لتُفرضَ على الناس ولم توصِ بمُمارسة العنف، لفظياً كان أو مادياً، اثناءَ نشرِها، ما قاله، عزَّ وجلَّ، لرسوله (ص)، في الآية رقم 99 من سورة يونس : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ". إن هذه الآية الكريمة تنفي نفيا قاطعا اللجوءَ إلى العنف كيفما كان. لماذا؟ لأن اللهَ، عزَّ وجلَّ، لم يُحدِّد، في نفس الآية، نوعيةَ الإكراه.
ويستمر، سبحانه وتعالى، في النهي عن اللجوء إلى العنف، وحتى لو تعلَّق الأمر بالكفر بآياته والاستهزاء بها ونُكرانها حيث يظهر هذا النَّهيُ واضحاً وجلياً في الآية رقم 140 من سورة النساء : "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا". في هذه الآية، كلامُ الله، سبحانه وتعالى، موجَّه للمؤمنين الذين آمنوا برسالة الإسلام. وعوض أن يغضبَ هؤلاء المؤمنون ويتحوَّل غضبُهم إلى عنف مادي أو إلى قتلٍ، ما أوصى به، سبحانه وتعالى، هو أن لا يحضروا مجالِسَهم حتى يكون موضوعُ الحديث في هذه المجالس غير الكُفر. وإن جالسوهم وموضوع حديثِهم هو الكفرُ بآيات الله والاستهزاء بها، فأنتم مثلهم، أي تُسايِرونَهم في كفرِهم واستهزائهم. إنها قمَّة التسامح والنَّهي عن العنف مهما كانت أسبابُه.
ومأ أثار انتباهي ويؤكِّد تأكيداً واضِحاً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يريد الخيرَ لعباده، هو ما جاء في الآية رقم 108 من سورة الأنعام التي نصها : "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ". وما أثار انتباهي هو أن السَّبَّ، أي الشَّتم، هو نوع من العنف اللفظي الذي منع الله، عزَّ وجلَّ، المؤمنين من اللجوء إليه حتى في حق المشركين والكافرين والمنافقين المُنكِرين لآيات الله والمُستهزئين بها. لماذا؟
لأن اللجوءَ إلى سبِّهم قد يدفعهم إلى سبِّ الله بغير علمٍ، أي دون أن يطَّلعوا على صفاتِه وقدرته اللامُتناهية. وبالطبع، الله، سبحانه وتعالى، غنٍيٌّ عن هذا السَّبِّ. وهنا، أريد أن أفتحَ قوساً لأُبيِّن فيه أن الله يريد، بما ليس فيه شك، الخيرَ لعباده. فلماذا الله، عزَّ وجل، لا يريد أن لا يسبَّه المشركون أو الكافرون؟ لأنه لا يريدهم أن يرتكبوا المعاصي والذنوب، فيُحاسبهم عليها يوم الحساب (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"). أليس النهيُ الذي جاءت به هذه الآية الكريمة، عبارة عن قمة في التسامح واجتناب العنف؟
وآخِرُ ما أستشهد به بأن رسالةَ الإسلام لم توصِ بالعنف، كيفما كان، هما الآيتان رقم 106 و 107 من سورة الأنعام : "اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" (107). في الآية الأولى (106)، اللهٌ، سبحانه وتعالى، يوصي رسولَه الكريم (ص) بأن يتَّبعَ بالحرف ما يوحى له من وحيٍ إلهي ولا يبالي بالمشركين ولو تجرَّئوا وألحقوا به الضررَ لفظيا. أليس هذا الإعراض عن المشركين وعدم المبالاة بهم، هو نهيُ عن إلحاق الضرر بهم، أي عدم اللجوء إلى العنف، كيفما كان، في التَّعامل معهم؟ أما في الآية الثانية (107)، فالله، سبحانه وتعالى، يوصي رسولَه الكريم (ص) بأنه لا يمكن أن يمنعهم من الشرك لأن هذا الشِّرك هو من اختيارهم (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا). كما نبَّهَ رسولَه الكريم (ص) بأنه ليس هو مَن سيغيِّر إرادتَهم ما دام الشركُ من اختيارهم (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ).
ما أختِم به هذه المقالة، بعد كل هذه التوضيحات، هو أن رسالة الإسلام لم توصِ، على الإطلاق، بمُمارسة العنف، لا اللفظي ولا المادي، علما أن التراثَ الفِقهي الذي أنتجه علماء وفقهاء الدين القدامى وأيَّدَه الحاليون، حافل بالعنف بشقَّيه اللفظي والمادي. فيما يخصُُ العنف اللفظي، التَّكفير وتقديم الدين للناس بكيفيةٍ تخويفية، مُرعِبة ومُرهِبة، وجهان لعُملةٍ واحدة. أما العنف المادي الذي يحفَل به التراث الفقهي، فحدِّثْ ولاحرج. وأول شيءٍ يتربَّع، في هذا الصدد، على عرش التراث الفقهي، هو القتل. فهناك قتل المرتد وتارك الصلاة والرجم حتى الموت… وقطع يد السارق… فإذا كانت رسالة الإسلام مبنيةً على القِيم الإنسانية السامية، كالتَّسامح والتعايش والتسامح والموعظة الحسنة واللياقة، كما بيَّنتُ ذلك أعلاه وبالدليل من القرآن الكريم، فهل يُعقلُ أن توصي نقس الرسالة بالعنف؟
أما العُنف la violence، فيمكن تعريفُه بالمُيول لممارسة العُدوانية l'agressivité تُجاه شخص من الأشخاص. والععنف يمكن أن يكون لفظياً أو مادِّياً.
والعُنفُ اللفظي يتمثَّل في النُّطق بكلامٍ يجرح العواطف أو يمسُّ كرامةَ الناسِ أو يُقلِّل الحياءَ تُجاهَهم. أما العنفُ المادي، قيتمثَّل في استعمال الأيدي لضربِ الناس أو دفعهم أو إسقاطهم أرضاً أو خطف ما يمسكونه في أيديهم. وقد يُمارسُ العنفُ المادي باللحوء إلى استعمال وسائل، هي الأخرى مادية، كالعِصِيِّ وقضبان الحديد والسيوف والسلاح الأبيض والسلاح الحربي والرجم بالحجارة… إلى غير ذلك من الوسائل التي تُحدِث أضراراً في الأجسام وفي المُمتلكات. والعنف، بشقَّيه، اللفظي والمادي، يمكن أن يصدرَ عن شخص واحدٍ أو عن جماعة من الأشخاص بل قد يصدر عن حُكَّام بلدٍ بأكمله.
وكمثالٍ حيٍّ للعنف اللفظي، أذكرُ ما يقوله بعض علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، المُتطرِّفون منهم، عندما يريدون تقريبَ الدين من الناس، فيُقرِّبونه منهم بجرعةٍ عاليةٍ من التَّخويف والتَّرهيب والتَّرعيب… أو حينما يُصدِّقون أحاديث منسوبة، افتِراءً، للرسول (ص) وهو بريء منها.
أما أحسن مثالٍ للعنف المادي الذي تُستَعملُ فيه اليدان، أذكر ما يقوم به بعض الشباب من خطفٍ للهواتف المحمولة والحقائب، وخصوصا، الحقائب النسوية.
أما العُنف المادي الذي يُمارَس بوسائل مادية، فبتمثَّل، في هذا الصدد، في العنفُ الذي يمارسه بلدٌ مسلم بأكملِه على بلدٍ مسلم آخرَ بأكملِه. وخير مثال يمكن سياقُه هنا، هي الغزو الذي شنَّه صدام حسين واحتلَّ، من خلاله، الكويت.
وقبل الجواب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أريد أن أثيرَ الانتباهَ أن هذا العنفَ، كظاهرة اجتماعية comme un phénomène social، كان موجودا في المجتمعات البشرية منذ عصور غابرة. لماذا؟
لأن سلوكَ البشر يتأرجح بين الخير والشر. بمعنى أن الحالةَ النفسيةَ للناس مُتقلِّبة، أي تتغير حسب الظروف، الاجتماعية والثقافية، على الخصوص، المحيطة بالإنسان وحسب، كذلك، ما يجد في هذه الظروف من منفعة وانتفاع. وقد نقول إن هذا التَّأرجحَ بين الخير والشر ملازِم للإنسان أينما حل وارتحل.
ولهذا، فالإنسان البدائي لم يسلم من ظاهرة العنف، إذ كان هذا الأخيرُ واحدا من العوامل التي يلجأ لها لضمان بقائه pour garantir sa survie. وبصفة عامة، العنف كان يستعمل للانتقام la vengeance والدفاع عن الشرف défense de l'honneur وللحِفاظ على ما بملكه الناس من أشياء ثمينة…
أما اليوم، فالأسباب التي، من الممكِن أن تقود الناسَ، أفرادا وجماعاتٍ وبلدانا بأكملها، إلى اللجوء إلى العنف، كثيرة. بمكن أن تكون هذه الأسباب اجتماعيةً، ثقافيةً، دينيةً، سياسيةً واقتصاديةً. ولعل أهمَّ مظاهر العنف، في عصرنا الحاضر، هي الحروب.
ومن أبرز مظاهر العنف، في عالم اليوم، العنفُ الممارس ضد النساء والأطفال. وقد أعطى كثيرٌ من علماء وفقهاء الدين، في عالمِنا الإسلامي، شرعيةً دينيةً لهذا العُنف الذي أصبح واحدا من الوسائل التَّأديبية التي يمارسها عددٌ كبيرٌ من الرحال ضد المرأة والأطفال.
بعد هذه التَّوضيحات، سأُجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "هل رسالة الإسلام أوصَت وتوصِي بممارسة العُنف؟ فيما يلي، إليكم بعض عناصر هذه الإجابة :
عندما نقرأ القرآنَ الكريمَ، من أول سورة إلى آخِرِ سورة منه، نلاحظ أن رسالةَ الإسلام التي أنزلها اللهُ، سبحانه وتعالى، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص)، جاءت لتُسعدَ الناسَ، قاطبةً، ولتُسهِّلَ تساكنَهم وتعايُشَهم داخلَ المجتمعات. وهذه الرسالة لم يفرضها الله، عزَّ وجلَّ، على الناس. بل بيَّن لهم طريقَ الخير وطريق الشر، وترك لهم حرِّيةَ اختيار الطريقَ الذي يناسب تفكيرَهم. أليست رسالةُ الإسلام رسالةَ أمنٍ وأمانٍ؟ والأمن والأمان، داخلَ المجتمعات، لا بمكن أن يتحقَّقا إلا إذا كانت هذه المجتمعاتُ خاليةً من العنف، أي رسالة تنبذ العنفَ كيفما كان؟
ولهذا قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 256 من سورة البقرة : "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ". بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، بإنزاله رسالةَ الإسلام على النبي والرسول، محمد (ص) ليس ليفرِضها هذا الأخير على الناس (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، لكن ليُبيِّن لهم طريق الخير وطريق الشر (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). واللهُ، سبحانه وتعالى، خلق الإنسان وكرَّمه وفضَّله على كثيرٍ من مخلوقاته بالعقل وسخَّر له كل ما في الكون… ليُسعِدَه في الدنيا قبل الآخرة. فهل يُعقَل أن يظلمَه بفرض الدين عليه؟ لا يمكن أن يتناقض الله مع نفسه لأنه عدلُ ومُقْسِطٌ.
والدليل على أن رسالةَ الإسلام لم يُنزلها، سبحانه وتعالى، لتُفرضَ على الناس ولم توصِ باستعمال العنف اثناءَ نشرِها، هو ما قاله، عزَّ وحلَّ، لرسوله الكريم (ص) في الآية رقم 125 من سورة النحل : "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ". أهناك وضوحٌ أكثر من هذا الذي أتت به هذه الآية الكريمة؟ في هذه الآية، الله، سبحانه وتعالى، يأمر رسولَه (ص)، المأمور بنشر رسالة الإسلام، أن يتعامل مع الكفار والمشركين بكلام لطيف، ليِّن وحكيم. وحتى إن تجادلوا معه، فإنه مُطالبٌ بأن لا يستعمل إلا الكلام الطيب الذي يُقنِع ولا يجرح. وبمعنى آخر، الله، سبحانه وتعالى، يأمر رسولَه (ص) أن يتجنَّبَ العنف اللفظي. فهل رسالة الإسلام توصي بمُمارسة العنف؟
والدليل ألآخرُ الذي يؤكِّد أن رسالةَ الإسلام لم يُنزلها، سبحانه وتعالى، لتُفرضَ على الناس ولم توصِ بمُمارسة العنف، لفظياً كان أو مادياً، اثناءَ نشرِها، ما قاله، عزَّ وجلَّ، لرسوله (ص)، في الآية رقم 99 من سورة يونس : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ". إن هذه الآية الكريمة تنفي نفيا قاطعا اللجوءَ إلى العنف كيفما كان. لماذا؟ لأن اللهَ، عزَّ وجلَّ، لم يُحدِّد، في نفس الآية، نوعيةَ الإكراه.
ويستمر، سبحانه وتعالى، في النهي عن اللجوء إلى العنف، وحتى لو تعلَّق الأمر بالكفر بآياته والاستهزاء بها ونُكرانها حيث يظهر هذا النَّهيُ واضحاً وجلياً في الآية رقم 140 من سورة النساء : "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا". في هذه الآية، كلامُ الله، سبحانه وتعالى، موجَّه للمؤمنين الذين آمنوا برسالة الإسلام. وعوض أن يغضبَ هؤلاء المؤمنون ويتحوَّل غضبُهم إلى عنف مادي أو إلى قتلٍ، ما أوصى به، سبحانه وتعالى، هو أن لا يحضروا مجالِسَهم حتى يكون موضوعُ الحديث في هذه المجالس غير الكُفر. وإن جالسوهم وموضوع حديثِهم هو الكفرُ بآيات الله والاستهزاء بها، فأنتم مثلهم، أي تُسايِرونَهم في كفرِهم واستهزائهم. إنها قمَّة التسامح والنَّهي عن العنف مهما كانت أسبابُه.
ومأ أثار انتباهي ويؤكِّد تأكيداً واضِحاً أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يريد الخيرَ لعباده، هو ما جاء في الآية رقم 108 من سورة الأنعام التي نصها : "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ". وما أثار انتباهي هو أن السَّبَّ، أي الشَّتم، هو نوع من العنف اللفظي الذي منع الله، عزَّ وجلَّ، المؤمنين من اللجوء إليه حتى في حق المشركين والكافرين والمنافقين المُنكِرين لآيات الله والمُستهزئين بها. لماذا؟
لأن اللجوءَ إلى سبِّهم قد يدفعهم إلى سبِّ الله بغير علمٍ، أي دون أن يطَّلعوا على صفاتِه وقدرته اللامُتناهية. وبالطبع، الله، سبحانه وتعالى، غنٍيٌّ عن هذا السَّبِّ. وهنا، أريد أن أفتحَ قوساً لأُبيِّن فيه أن الله يريد، بما ليس فيه شك، الخيرَ لعباده. فلماذا الله، عزَّ وجل، لا يريد أن لا يسبَّه المشركون أو الكافرون؟ لأنه لا يريدهم أن يرتكبوا المعاصي والذنوب، فيُحاسبهم عليها يوم الحساب (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"). أليس النهيُ الذي جاءت به هذه الآية الكريمة، عبارة عن قمة في التسامح واجتناب العنف؟
وآخِرُ ما أستشهد به بأن رسالةَ الإسلام لم توصِ بالعنف، كيفما كان، هما الآيتان رقم 106 و 107 من سورة الأنعام : "اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" (107). في الآية الأولى (106)، اللهٌ، سبحانه وتعالى، يوصي رسولَه الكريم (ص) بأن يتَّبعَ بالحرف ما يوحى له من وحيٍ إلهي ولا يبالي بالمشركين ولو تجرَّئوا وألحقوا به الضررَ لفظيا. أليس هذا الإعراض عن المشركين وعدم المبالاة بهم، هو نهيُ عن إلحاق الضرر بهم، أي عدم اللجوء إلى العنف، كيفما كان، في التَّعامل معهم؟ أما في الآية الثانية (107)، فالله، سبحانه وتعالى، يوصي رسولَه الكريم (ص) بأنه لا يمكن أن يمنعهم من الشرك لأن هذا الشِّرك هو من اختيارهم (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا). كما نبَّهَ رسولَه الكريم (ص) بأنه ليس هو مَن سيغيِّر إرادتَهم ما دام الشركُ من اختيارهم (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ).
ما أختِم به هذه المقالة، بعد كل هذه التوضيحات، هو أن رسالة الإسلام لم توصِ، على الإطلاق، بمُمارسة العنف، لا اللفظي ولا المادي، علما أن التراثَ الفِقهي الذي أنتجه علماء وفقهاء الدين القدامى وأيَّدَه الحاليون، حافل بالعنف بشقَّيه اللفظي والمادي. فيما يخصُُ العنف اللفظي، التَّكفير وتقديم الدين للناس بكيفيةٍ تخويفية، مُرعِبة ومُرهِبة، وجهان لعُملةٍ واحدة. أما العنف المادي الذي يحفَل به التراث الفقهي، فحدِّثْ ولاحرج. وأول شيءٍ يتربَّع، في هذا الصدد، على عرش التراث الفقهي، هو القتل. فهناك قتل المرتد وتارك الصلاة والرجم حتى الموت… وقطع يد السارق… فإذا كانت رسالة الإسلام مبنيةً على القِيم الإنسانية السامية، كالتَّسامح والتعايش والتسامح والموعظة الحسنة واللياقة، كما بيَّنتُ ذلك أعلاه وبالدليل من القرآن الكريم، فهل يُعقلُ أن توصي نقس الرسالة بالعنف؟