كاهنة عباس - الرؤية الحسية



كيف حرّك النغم فيّ كل ذلك الانفعال، كيف جعلني أستعيد الأجواء القديمة، فأستحضر غرفتي وشرفتي المطلة على الشارع الرئيسي ونزول المطر وانتظاري الطويل؟
هل للجملة الموسيقية مفعول سحري بإمكانها بعث الرؤية الحسية، هل الإحساس هو من يرسم العالم أم أننا من نشيده حسب ما نشعر به من رغبات؟
لا أظن أن الرؤية الحسية مخلوق لغوي خالص، ابتدع ليؤدي دور الاستعارة أو التشبيه في جملة ما ،ولا أعتقد أن استعمال الرمز وتذكر النصوص القديمة كفيل بتعريفها، إذ لا بد من الرجوع الى العناصر التي أوجدتها ألا وهي في صورة الحال: الجملة الموسيقية، الانفعال، الذاكرة وعودة الأجواء القديمة، للإحاطة بها.
طبعا مثل هذه التجربة رغم انتشارها، تثبت يقينا أن للقلب القدرة على الاستبصار والرؤية واستعادتها واستحضارها أو نسيانها، فرؤية القلب ليست في جوهرها سوى تجربة ملموسة ،لا تقتصر على ما تحدثه الجملة الموسيقية من أثر في النفس، بل تتجاوزها الى تجارب مختلفة أخرى.
فالقلب هو مصدر المشاعر: تلك الخيوط التي تلامس العالم كي تنشأ الرؤية الحسية، فهو من يبعث الفرح حين يستقبل الفجر أو يلاقي المحبوب وهو الذي يهرع حين يواجه خطرا يحدق به وهو الذي يحزن حين يفقد صديقا أو قريبا وقد تتخذ هذه الاحاسيس ألوانا متعددة حمراء صفراء خضراء سوداء بيضاء لرسم العالم.
وما يراه القلب تعجز العين عن رؤيته، فالعين لا ترى من الغير إلا ما يبديه، أما باطنه فيغيب عنها لأنها ليست قادرة على سبر أغواره، لذلك لا تتبين لا المحبة ولا الغضب ولا الحزن المكتوم لديه، بينما يشعر بها القلب أثناء تقبله لرسائلها
.
لان القلب قطب ومركز ،لا للتأويل والفهم مثل العقل، بل للتقبل والاستيعاب والتواصل ،فهو منغمس في ذاته لكنه منفلت عنها الى حد ما، في مد وجزر متواصلان لا يهدئان، ينسج خيوطه ليرسم ما يحيط به شعوريا، مثل تلك الرسوم التي تعكسها لوحات الرسام الهولندي فون قوق.
إذ تحدث الرؤية الحسية تقاطعا بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، يتحول بدوره إما الى اصطدام أو انسجام أو انعراج أو استفهام أو اندماج أو فتور وابتعاد أو غربة أو انهيار بين الذات والعالم.
فتسجل الذاكرة ذلك الحدث الباطني الذي يجول داخل النفس بكل حركاته وسكناته.
وقد يرغب القلب في تحقيق رغبة ما، دون أن يكترث بها العالم أو يستجيب، وقد ينشرح عند خوضه مغامرة أو عند رؤية البحر، وقد تزوره الطمأنينة والسكينة أثناء صلاة عابرة يؤديها، وقد يتشنج إثر خيبة يحياها تحرمه النوم.
وطبعا ما يلتقطه القلب باعتباره قطبا ومركزا ليس حقيقة الكائنات ولا جوهرها، بل بعض من صفاتها أو انفعالاتها، هي وجه من وجوه حقيقته، تنكشف له عند مواجهته العالم بتركيبته المعقدة والمتنوعة ،لذلك فالقلب حجاب وغشاء ومرآة وانعكاس، هو هذا وذاك في نفس الوقت، هو الرؤية وما يحجبها، هو من يعكس الصورة ومن يسدي عليها شيئا من الضبابية والغموض.
إذ تنبع الرؤية الحسية من ذلك المزيج الغريب الذي يجمع أطراف ثلاث هي: الانا الغير والعالم، بتحديد موقع كل طرف منها مع اختيار ما يتحلى به من لون وصفات.
وإن كنت قد ذكرت الجملة الموسيقية في بداية هذا النص، فلإن لقائها بالقلب له ميزاته وخصائصه، إنه حافظها حال انبعاثها وكأنه عارفها، عالم بمفرداتها، فالجملة الموسيقية رغم خضوعها الى نظام رياضي وتركيبة زمنية دقيقة، إلا أنها قادرة على النفاذ الى المشاعر واستقطابها وشدها الى حد الالتحام والوحدة، لتعيد صياغة العالم من وجهة نظرها، ثم ترسيخها في الذاكرة الى الابد.
إذ يكمن السر كل السر ، في أننا قد نجهل قواعد الموسيقى ،لكننا قادرون على ترديد ألحانها والتغني بها وتذكرها .
فهل تكون الرؤية الحسية عدسة تسعى الى تخليد لحظة نحياه ملء جوارحنا، هل تكون أداة لنحت ما هو حسي في ركن ما من الزمن، القلب هو من يؤلفها؟
عرفان القلب وإن كان ذاتيا هو أول عرفان به أمكن للرضيع خلال الأشهر الأولى من حياته إدراك العالم من خلال تواصله الحسي العاطفي مع أمه، وهو ليس مقتصرا على المتصوفة ولا هو معرفة أنثوية يعتريها النقصان والاندفاع وتحركها الغرائز والاهواء، كما يكتب ويقال لتمجيد العقل وذكر تفوقه وأفضليته وتهميش ما هو عاطفي، كأن العقل لا يحركه في الأصل الوجدان، كأنهما ملكتان منفصلتان، في حين أن القلب غالبا ما يكون المحرك الأصلي للعقل لانه هو مصدر الحياة في مظاهرها المتعددة.
فإن كتب للقلب الصفاء من مشاعر الحقد والبغض والعنف والعدوانية والنقمة والشجع والخوف والانانية والخيبة والحزن والانكسار، لا تملؤه سوى المحبة والرضا دون امتزاجها باي إحساس سلبي، ستنبعث منه رؤية حسية أي مشاعر ترى ما لا يرى وتدرك ما لا يدرك، إذ يتميز اللقاء بين الذات والعالم بما هو جامع بينهما منذ الازل: المحبة، قد تكون الجملة الموسيقية في الأصل إحدى حروفها السرية التي تبدو في هيئة لحن ونغم وهي في الحقيقة مفتاح لائتلاف القلوب و إيقاع مرتبط بشعور ما.
ففي كتابه " خواطر " كتب الفيلسوف الفرنسي بليز بسكال مقولة ما انفكت تحيرني، لأنني قرأتها خارج سياقها اللاهوتي أي بشيء من التجرد والتعميم وهي الاتية: أن للقلب عقلانيته تلك التي يجهلها العقل .
ذلك لان الرؤية الحسية لا تعتمد لا العلاقة السببية بين عناصر متعددة ومختلفة ولا التحليل أو الاستنتاج بل مدى تواصلها الوجداني مع ما يحيط بها ،لذلك غالبا ما تكون مرتبطة بالحدس، وغالبا ما تكون مصدرا للإبداع الفني بأصنافه.
أما إذا أردنا معرفة عمق الرؤية الحسية وقيمتها، فما علينا إلا الاحتكام الى الذكاء الاصطناعي الذي يمتلك إمكانيات والمعارف تفوق طاقة الانسان، إلا أنه يفتقد الى جوهر ذكائه وإشعاعه، ألا وهو تلك الرؤية الحسية الثاقبة والمتجاوزة لكل معرفة رغم انحرافاتها وارتباطها الشديد بذاتيتنا وأهوائنا ومخاوفنا.

كاهنة عباس


[HR][/HR]
[U1]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى