كاظم حسن سعيد - الصيادون يعودون لشط العرب

في ظاهرة تسترعي الانتباه، يعود الصيادون إلى شط العرب ليعيدوا له أهم سِمةٍ ميزته عبر القرون.

على طول جسر التنومة، يقفون بصفوف منتظمة يرمون بلودهم وصناراتهم نحو الأعماق؛ وقوفٌ قسري فرضه تصميم الجسر الذي افتقر لأيّة فسحةٍ للاستراحة أو الجلوس، لكنه لم يثنِ أجسادهم عن ممارسة شغفها. لقد اختاروا الجسر تحديداً لأنه يمنحهم العمق المثالي الممتد لترصد الأسماك الكبيرة—أو ما يُعرف محلياً بـ (الأمهات) حجماً، و(الشقرة) تحبباً.

وعلى امتداد الضفتين، يكتمل المشهد؛ بين ممسكٍ بقصبة، أو مشدودٍ بخيط صيد، فيما تستعيد الزوارق حضورها فوق الصفحة المائية، يرسل بعضها الشباك الشاسعة، بينما يتفرغ آخرون لرمي السليّات أو إرسال بلود الصيد للعمق.

تأتي هذه العودة الكثيفة للصيادين بعد انسحابٍ قسري دام عاماً كاملاً جراء التمدد القاتل للسان الملحي. عودةٌ تدين بالفضل للتدفقات المائية الأخيرة التي أطلقتها تركيا عقب مذكرة التفاهم بين البلدين؛ وهي خطوة تفتح ملفاً شائكاً لعدم التزام دول الجوار بالمعاهدات الدولية المنظمة للحقوق المائية بين الدول المتشاطئة، وفي مقدمتها إيران التي أغلقت نهر الكارون جنوب شط العرب، وتركيا التي تحكمت طوال السنوات الماضية بشرايين دجلة والفرات.

وتحت سعير آب الذي يلف البصرة هذا العام، تحول وقت الصيد عند الكثيرين إلى طقسٍ ليلي؛ حيث يقصدون الشط مع مغيب الشمس ولا يغادرونه إلا مع التباشير الأولى للشروق. وهناك، وعلى الرغم من تحسن المياه، يواجه الصياد تحدياً بيئياً آخر؛ إذ تزاحم أسماك البلطي الفتاكة أسماك "السمتي" المحلية على طعوم الصيد التي يلقيها الصيادون. أسماك غازية استوطنت المياه بعد السقوط لأسباب يتشعب تفسيرها، حتى غدت جزءاً قسرياً من البيئة المائية يتعذر الخلاص منه.

ومع ذلك، وعلى تلك الضفاف وفي متون الزوارق المتهادية، سيّان أكان الصيد وفيراً أم نادراً متعذراً؛ تظل متعة الصيد عالية المنسوب. هناك ينساب حوار دافئ بين الصيادين ينأى بهم عن صخب الأزمات الاجتماعية والسياسية، ويُسليهم عن الضغوط التي تفرضها درجات الحرارة التي تتجاوز الـ 54 مئوية، حين تتزامن مع رياح "الشرجي" الخانقة. في تلك المساحة الاستثنائية، يستعرض كل منهم "غزواته" البحرية، والنهرية ويتداولون حكاياتهم عن أوقات اقتناص الأسماك وأحجامها وكيفية ظفرهم بها، ليتحول الشط إلى ملاذٍ يعيد للروح سكينتها وللأجساد جلادتها.

الصياد

آب
٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى