خلت الساحة الأدبية قديمًا من كثير من الكتب التي تتحدث عن "القراءة" أو "الكتابة" بوصفها موضوعًا مستقلاً. ذلك أن هذه الأفعال كانت تُمارَس بالفطرة، وتنتقل بالتقليد، وتنمو من خلال المعايشة والمخالطة؛ فالطفل يرى والده ممسكًا بكتاب، أو يجد معلمه في المعلم يقتبس من النصوص في حديثه، فيتشرب هذا السلوك دون أن يُقال له: "هكذا تقرأ". كانت القراءة أقرب إلى الحرفة التي تُصقل بالصحبة والتجربة، لا إلى المهارة التي تُكتسب من دليل أو كتيّب إرشادي.
أما اليوم ومع تسارع وسائل المعرفة وتنوع مصادرها، فقد تسللت إلى أذهان بعض الناس فكرة أن كل شيء يحتاج إلى "شرح" و"دليل استخدام". لم يعد كافيًا عند هؤلاء المنظرين أن تمسك بكتاب وتفتحه، بل صار بعضهم يتساءل: "كيف أبدأ؟ ماذا أقرأ؟ كم صفحة في اليوم؟ هل أدوّن ملاحظاتي أم أكتفي بالقراءة؟". وهذه الأسئلة مشروعة من حيث الدافع، لكنّها أحيانًا تشير إلى خلط بين الفعل وبين التنظير له؛ كأن القارئ لم يعد يجرؤ على قراءة كتاب إلا إذا سبقه إليه "خبير" وأخبره بكيفية استخدامه.
لكن الحقيقة التي تُدركها بفطرتك السليمة قبل أي تنظير، أن القراءة لا تحتاج إلى فلسفة أو رؤى كثيرة؛ لأنها عادة تبدأ بفعل بسيط يتكرر، ثم يتعمق مع الوقت. إن أولى خطوات القارئ الحقيقي ليست في اختيار المنهج، وإنما في اختيار الرفقة: أن تنظر في سير أولئك الذين عاشوا بالكتاب وللكتاب؛ فإن شئت أن تتعلم كيف يقرأ الناس بحق، فاقرأ عن العقاد حين كان يتقشف ليشتري الكتب، أو عن الجاحظ الذي كان ينام في الدكاكين ليقرأ كتب الورّاقين، أو عن ابن الجوزي الذي كان يقول: "ما أشبع من مطالعة الكتب... وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعت على كنز!".
وليس المقصود هنا أن تُقلدهم حرفيًا، وإنما أن تستلهم من حبهم للمعرفة، ومن حرصهم على الوقت، ومن شغفهم الذي جعل القراءة جزءًا من تكوينهم النفسي واليومي. هؤلاء الصفوة من تاريخنا لم يطلبوا من أحد أن يعلمهم كيف يقرؤون؛ لأن القراءة عندهم لم تكن فعلًا آليًا، وإنما هي شغفيّ وجوديّ.
ولهذا فإن خير من يكتب في شأن القراءة لمن أراد هو من يجمع سير كبار القرّاء، لا من يؤلف في "كيفية القراءة" كأنه يصنع وصفة طبخ. هو من يتتبع طريقتهم في بناء المكتبة، وتنظيم وقت المطالعة، وموازنة القراءة الحرة بالدرس الممنهج. هو من يتأمل طريقتهم في اختيار العناوين، ومزجهم بين القديم والحديث، وبين الأدب والعلم، وبين المتعة والفائدة.
إننا بحاجة إلى أن نعيد للقراءة طابعها الفطري الجميل، أن نعيدها إلى الناس عادةً لا موضوعًا للنقاش، ورفيقًا لا مشروعًا مؤجلًا، ونافذة على الحياة لا تحديًا مؤقتًا. لن تزدهر القراءة في المجتمع بكثرة المنظرين لها، بل حين يصبح في البيت ركن للكتب، وفي القلب ميل صادق إليها، وفي الوقت متسع يَسَعُ صفحةً واحدة كل يوم على الأقل.
ليس عليك أن تكون عبقريًا لتقرأ، ولا ناقدًا لتفهم، يكفي أن تبدأ، وأن تحب ما تقرأ، ثم ستتعلم الباقي كما يتعلم الطفل لغته الأولى: بالسماع، والتكرار، والممارسة. وكما قيل قديمًا: "خير الجليس في الزمان كتاب"، فهو الذي لا يُملي عليك كيف تبدأ، وإنّما يكفيك أن تفتحه، وسينفتح بك.
أما اليوم ومع تسارع وسائل المعرفة وتنوع مصادرها، فقد تسللت إلى أذهان بعض الناس فكرة أن كل شيء يحتاج إلى "شرح" و"دليل استخدام". لم يعد كافيًا عند هؤلاء المنظرين أن تمسك بكتاب وتفتحه، بل صار بعضهم يتساءل: "كيف أبدأ؟ ماذا أقرأ؟ كم صفحة في اليوم؟ هل أدوّن ملاحظاتي أم أكتفي بالقراءة؟". وهذه الأسئلة مشروعة من حيث الدافع، لكنّها أحيانًا تشير إلى خلط بين الفعل وبين التنظير له؛ كأن القارئ لم يعد يجرؤ على قراءة كتاب إلا إذا سبقه إليه "خبير" وأخبره بكيفية استخدامه.
لكن الحقيقة التي تُدركها بفطرتك السليمة قبل أي تنظير، أن القراءة لا تحتاج إلى فلسفة أو رؤى كثيرة؛ لأنها عادة تبدأ بفعل بسيط يتكرر، ثم يتعمق مع الوقت. إن أولى خطوات القارئ الحقيقي ليست في اختيار المنهج، وإنما في اختيار الرفقة: أن تنظر في سير أولئك الذين عاشوا بالكتاب وللكتاب؛ فإن شئت أن تتعلم كيف يقرأ الناس بحق، فاقرأ عن العقاد حين كان يتقشف ليشتري الكتب، أو عن الجاحظ الذي كان ينام في الدكاكين ليقرأ كتب الورّاقين، أو عن ابن الجوزي الذي كان يقول: "ما أشبع من مطالعة الكتب... وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعت على كنز!".
وليس المقصود هنا أن تُقلدهم حرفيًا، وإنما أن تستلهم من حبهم للمعرفة، ومن حرصهم على الوقت، ومن شغفهم الذي جعل القراءة جزءًا من تكوينهم النفسي واليومي. هؤلاء الصفوة من تاريخنا لم يطلبوا من أحد أن يعلمهم كيف يقرؤون؛ لأن القراءة عندهم لم تكن فعلًا آليًا، وإنما هي شغفيّ وجوديّ.
ولهذا فإن خير من يكتب في شأن القراءة لمن أراد هو من يجمع سير كبار القرّاء، لا من يؤلف في "كيفية القراءة" كأنه يصنع وصفة طبخ. هو من يتتبع طريقتهم في بناء المكتبة، وتنظيم وقت المطالعة، وموازنة القراءة الحرة بالدرس الممنهج. هو من يتأمل طريقتهم في اختيار العناوين، ومزجهم بين القديم والحديث، وبين الأدب والعلم، وبين المتعة والفائدة.
إننا بحاجة إلى أن نعيد للقراءة طابعها الفطري الجميل، أن نعيدها إلى الناس عادةً لا موضوعًا للنقاش، ورفيقًا لا مشروعًا مؤجلًا، ونافذة على الحياة لا تحديًا مؤقتًا. لن تزدهر القراءة في المجتمع بكثرة المنظرين لها، بل حين يصبح في البيت ركن للكتب، وفي القلب ميل صادق إليها، وفي الوقت متسع يَسَعُ صفحةً واحدة كل يوم على الأقل.
ليس عليك أن تكون عبقريًا لتقرأ، ولا ناقدًا لتفهم، يكفي أن تبدأ، وأن تحب ما تقرأ، ثم ستتعلم الباقي كما يتعلم الطفل لغته الأولى: بالسماع، والتكرار، والممارسة. وكما قيل قديمًا: "خير الجليس في الزمان كتاب"، فهو الذي لا يُملي عليك كيف تبدأ، وإنّما يكفيك أن تفتحه، وسينفتح بك.