مهدي نصير - قراءة في ديوان الشاعر محمد ابراهيم لافي الجديد " غيمٌ على قافية الوحيد"

" عرفتُ الشاعر محمد لافي في واسط سبعينيات القرن الماضي في أجواء ومناخات نادي أسرة القلم الذي أسَّسه عام 1974 – أي متزامناً مع تأسيس رابطة الكتاب الأردنيين – الشاعر الراحل سميح الشريف والشاعر محمد سمحان وعبد اللطيف القرشي وعطالله أبو زيَّاد , وأصبح منارةً ثقافيةً رائدةً احتضنت مثقفي الزرقاء وصنعت لهم منبراً ثقافياً عالياً , كنا صِغاراً في المرحلة الإعدادية في مدارس الزرقاء : صلاح أبو لاوي والدكتور زهير توفيق وخالد رشيد والمرحوم نائل بلعاوي والمرحوم الياس محمد سعيد وغيرنا الكثيرون , كنا نقرأ ونكتب الشعر واجتمعنا بهذا النادي العريق , الذي التقينا به بأسماءَ ثقافيةٍ كبيرةٍ وحاضرةٍ وتحمل مشاريعها الثقافية وتدافع عنها , التقينا الراحل عبد الله رضوان والراحل يحيى النميري ( أمجد ناصر ) والراحل محمد القيسي والراحل عاهد شاكر والراحل بدر عبد الحق وفخري قعوار وأحمد عبد الحق ويوسف ضمرة ومأمون الحسن وغيرهم الكثير من المثقفين والشعراء الذي شكَّلوا مكوِّناً زرقاوياً أصيلاً في الحركة الثقافية الأردنية , في هذا المناخ عرفنا وقرأنا " مواويل على دروب الغربة " و" الانحدار من كهف الرقيم " لمحمد لافي واستمعنا له ولصوته وحزنه العتيق وعرفنا به " صعلوكاً جاهلياً معاصراً " , بقيت هذه المناخات موجودةً حتى عصفت الأرزاءُ بالنادي وتم إغلاقه بقرار الحاكم العسكري عام 1983 وتفرَّقت بنا السُّبلُ , ما زلتُ حتى الآن عندما يُذكر محمد لافي أتذكَّرُ صوته وهو يقرأ من الانحدار من كهف الرقيم هذا المقطع النبوئي :
" يا خيلَ الهكسوس ارتدِّي
ارتدِّي يا خيل الهكسوس "
ولكن هذه الخيلَ الغازيةَ داستنا واستعبدتنا وما زالت .
بقيتُ أتابع مدارات وعذابات ونجاحات وخسارات وخيبات محمد لافي , وكنتُ ألتقيه أحياناً في بعض النشاطات الثقافية وبقيت صورته عندي صورة الشاعر الذي يكتب شِعراً ويبتعد قصداً عن كتابة القصيدة المغلقة – والقصيدةُ هنا بمعنى الهيكل والبناء المتعدِّد الطبقات والقراءات والأصوات - , ويعود ذلك لسيطرة صوت محمد لافي المنفرد والمفتوح على مفردات نصِّه الشعري , ويعود ذلكَ أيضاً إلى أن القصيدةَ قصدٌ وتخطيطٌ مسبقٌ يكوِّنُ الشِّعرُ متناً من متونهِ وتكوِّنُ الأصواتُ والعلائق بين مكوِّناته متناً موازياً وعميقاً يتخفَّى احياناً ويظهرُ عند القراءةِ المتأنية , وكأن مقطوعاتِ محمد لافي في هذه المجموعة – التي تحتاجُ لقراءةٍ متأنيةٍ - شكَّلت المتن الأول الشعري وشكَّلت المجموعة بكليتها القصيدة ببنائها وعلائقها وهيكلها , لذلك لم تكن القصيدةُ الواحدة المغلقة والمكتملة من ضمن مرامي وأغراض محمد لافي الشعرية في هذا الديوان , مع أن بعضَ مقطوعاته في هذه المجموعة شكَّلت أنويةً لقصائد منفردةٍ – نلاحظ هذا في كثير منٍ المقطوعات الشعرية للافي والتي تُحسُّ وأنتَ تقرؤها أن الشاعر يقول لنا أني أنا القصيدةُ ومفرداتي هي كلُّ هذا النصِّ بكلِّ جزئياته وليست هذه المقطوعات سوى لبناتٍ ومكوِّناتٍ لهذه القصيدة - .
في مجموعته الجديدة " غيمٌ على قافية الوحيد " والصادرة هذا العام 2024 عن الاتحاد العام للكتَّاب والأدباء الفلسطينيين , والوحيد هنا هو الشاعر الذي شكَّل قافيةً عميقةً لكلِّ هذه الومضات والمعزوفات المنفردة والوصايا والتيه والندم والحنين والتذكر والغضب والنزق والخيبة والثمالة على مدار 138 مقطوعةٍ شعريةٍ قصيرةٍ لا تتعدى في معظم المقطوعات الصفحة الواحدة , وكأنه كان يبني هذه المقطوعات على فكرةٍ أو ومضةٍ ذهنيةٍ أو عتبٍ أو غضبٍ على صديقٍ قريبٍ أو ذكرى وحنين لأيامٍ مضت ولإصدقاءٍ حفروا في قلبه ذكرياتٍ عزيزةً , لذلك أهدى كثيراً من مقطوعاته في هذه المجموعة لأصدقائه : صلاح أبو لاوي وأحمد أبو سليم ومحمود شقير ومراد السوداني وجميل وجولييت عواد وغيرهم , ولكن الشاعر العميق في محمد لافي يخرجُ في قصائد ثلاثٍ عن هذا النسق وهذا النزق والإحساس بالهزيمة والخسارة والخيبة , كانت هذه القصائد الثلاث هي " أنا بخير : رسالة طفلٍ غزيٍّ إلى المسؤولين العرب " ص167 و" خنجر : إلى أصدقائي اليمنيين " ص175 " الأطفال الشهداء " ص177 والتي منها نقرأ هذا الأمل الذي تجدَّد في روح الشاعر بعد طوفان الأقصى 7 اكتوبر 2023 :
" من غيمةٍ سيولدون
من زهرةٍ سيولدون
من ضوءِ نجمةٍ سيولدون
من نسمةٍ على الحقولِ يولدون
من خفقِ جنْحِ النسرِ فوق قبةِ السماءِ يولدون
في كلِّ كلْمةٍ من الأذان يولدون
في كلِّ دقَّةٍ من جرسٍ في كنيسةٍ هنا
هناك يولدون
من رغم أنفِ المستحيلِ يولدون
وأنتمو بكلِّ ما شيدتمو
على خرافةِ التوراةِ تهلكون
تهلكون
تهلكووووون " 2-11-2023
في هذا الديوان محمد لافي ينزف شِعراً وكأنه يكتبُ يوميات شاعر وخيباته وانكساراته وغضبه على كلِّ هذه الهزائم التي يعيشها والتي تعيشها أمته ووطنه فلسطين , لذلك نراه نزِقاً يقطع ويُقطِّعُ النصَّ في حالاتٍ كثيرةٍ قبل اكتماله وكأنه يريد أن يقول أن قصيدته الحقيقيةَ ما زالت تسعى لتتشكَّل , نقرأ نموذجاً على ذلك يتكرر في مقاطع كثيرة من هذا الديوان : " وجه " ص74 :
" الفتى القرويُّ الذي لم يملَّ طريقهْ
الفتى السندباد /
الفتى المترجلُ ما بين أحلامهِ والحقيقة
دائماً كان أغنيةً في صباحٍ مؤجل
التقيه مصادفةً في المساءاتِ
حيث على حافة الصمتِ يتركُ أقماره
وكثيراً من الصبواتِ على مقعدٍ في الحديقة
ثم ........ يرحلْ "
هكذا يُنهي ويترك محمد لافي أقماره على حافةِ الصمت ولا يكمل القصيدة .
كأن شِعرية محمد لافي في هذه المجموعة مناخاتٌ شعريةٌ تولدُ في لحظةٍ ما في عقلِ وقلبِ الشاعر ثمَّ ينتبه الشاعر المُتعب النزق ليقولَ لنا : لا لا لن تكتمل هذه القصيدة اتبعوا فتافيت الخبز فيها علَّكم تجدون القصيدة .
في هذا الديوان تنتمي قصيدة محمد لافي لقصيدة التفعيلة غير الصارمة فهناك خروجاتٌ وتلويناتٌ لا يتقنها إلا شاعرٌ عجنَ القصيدة وإيقاعاتها وتفاعيلها وساد عليها , كذلك هناك مقطوعاتٌ شعرية عموديةٌ على بحور الخليل , رصدتُ بحدود عشرة مقطوعات شعرية عمودية على بحور الطويل والبسيط والكامل والخفيف والوافر وهي مقطوعاتٌ رقيقةٌ وجميلةٌ ومُتقنة , نقرأ من البسيط " موال " ص 82 :
" والآن ماذا تبقَّى في خطوطِ يدي
غيرُ البياضِ الذي يسطو على الكبدِ
أيبتدي عازفُ الأحلامِ مدمَعَهُ
من غربةِ الروحِ أم من غربةِ الجسدِ "
ونقرأ من الخفيف " رحيل " ص179 :
" قمرٌ عاهرٌ وحلمٌ سرابُ
ودروبٌ دليلها الكذَّابُ
أيُّ عيشٍ هذا الذي تبتغيه
في بلادٍ لا تشتهيها الكلابُ "
بشكل عام تقوم قصائد هذا الديوان على إيقاع التفعيلة المتحور والمرن وعلى بعض بحور الخليل العمودية الصارمة مع التركيز والتفنن في القافية , حيث شكَّلت القافية في كلِّ هذه القصائد مكوِّناً إيقاعياً بارزاً , نقرأ نموذجاً على هذه القوافي المتراكبة والمتبدلة في نسقٍ عفويٍّ وجميل : " دفاع " ص88 :
" في اختلاط الدروبِ وتيهِ الدليلْ
سأدافعُ عنكَ كما ينبغي للخيولْ
أن تدافعَ عن حقِّها في الصهيلْ
سأدافعُ عنكَ وعن حُلُمِ القُبَّرةْ
بامتلاك الحقولْ
وأدافعُ عنكَ وعن حُلُمِ الشجرةْ
باخضرار الغصونِ إذا ما ترامى
على الأفْقِ جُدْبُ الفصولْ
وأدافعُ عنكَ وعن حُلْمِ سِربِ اليمامْ
بالهديلِ وعن حقِّهِ في السلامْ
سأدافعُ عنكَ ويصحبُني
في الطريقِ إلى شُرُفاتِكَ رعدٌ وبرقُ
لا لشيءٍ سوى أن قلبي .... دمشقُ "
شِعريةُ هذا الديوان شِعريةٌ غاضبةٌ نزقةٌ ملآى بالخيبات , لذلك كانت هذه المجموعة تحمل بصمة وروح وغضب وقهر وغربة وحُلم وخيبة محمد لافي , حتى أنه في مقاطع كثيرة كان يستخدم مصطلحاتٍ شعبيةً تدلُّ على هذا النزق ونستخدمها في حياتنا اليومية بسخريةٍ مريرةٍ عندما نصل لجدارٍ مُصمتٍ مسدود , نقرأ ذلك ص50 :
" من أينَ يجيءُ الحزنُ
وأنا أحيا " عال العال "
ولا مشكلةٌ لديَّ
في هذا الوطنِ العربيِّ سوى
أني أتراسلُ مع زمنٍ
فيهِ القوَّادُ نبيّْ "
ويواصل هذا الخطاب الشعبيَّ ونقرأ من " رأس المال " ص75 :
" يا خالْ
لا شيءَ يدومُ على حالْ
يا خالْ .. "
حتى يصل لقمة التوتر اليوميِّ ويستخدم مصطلحاً شعبياً غاضباً ونقرأ ذلك ص 102 في " افتراق " :
" كلُّ شيءٍ تغيَّرَ يا صاحبي ( حلَّ عني )
فلا شيءَ في هيئتي منكَ ظلَّ
ولا شيءَ منيَ ... فيك "
هنا نقرأ الجدل العميق الكامن في هذه المقطوعات القصيرة وبينها , فهذه المقطوعة كأنها ردٌّ على الفتى السندباد الذي شكَّل صورةً من صور الشاعر وتحولاته عبر الغربة ومفازاتها وخيباتها , وهنا يظهر هذا الجدل والترابط بين مقطوعات هذه المجموعة والتي شكَّلت بمجموعها هذه القصيدة ( الديوان ) .
هذه بعضُ ملامح شعرية محمد لافي في هذا الديوان والذي سأختم قراءتي هذه بمقطعٍ جميلٍ عذبٍ أظنه لحظةً من لحظات الصفاء والهدوء والتصالح المؤقت مع الذات ومع الواقع وكأنها شكَّلت محصلة الجدل بين القروي والسندباد والشاعر وتحولاته , نقرأ " بطاقة " ص 123 هذه الرقة والعذوبة :
" من أيِّ قافيةِ المواجعِ أبتدي
ليرقَّ قلبِكْ
وحياةِ عمرِكِ ليس لي عمرٌ
سوى .. أني أحبِكْ ! "
أبارك لصديقي الشاعر العربي الفلسطيني الأردني الكبير والجميل محمد ابراهيم لافي إصداره الجديد " غيم على قافية الوحيد " , ولسوفَ يُمطرُ هذا الغيم لتنمو بمائه قوافي النصر الفلسطيني القادم .

مهدي نصير

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى