د. أحمد كرماني عبد الحميد - بوح صمت : قراءة تأويلية في قصيدة "أغنية إلى الصمت" للشاعر أحمد شلبي

في تجربة شعرية عميقة تتكئ على تأمل وجوديّ مكثف، حيث يتخذ الشاعر من "الصمت" محورًا دلاليًّا ينسج حوله شبكة من الرموز والصور التي تحيل إلى الحزن، الفقد، والانتظار الموجع لمعنى غائب أو خلاص مؤجل. لا ينطق الشاعر، بل يُصغي إلى صمتٍ يبدو أكبر من اللغة، ممتلئًا بما لا يُقال، وبما يخشاه الشاعر أن يُقال. إن الصمت هنا ليس فراغًا ولا توقفًا، بل حضورٌ ثقيل لمعانٍ لا تنجلي إلا عبر التلميح، حيث تصبح الترانيم الموحية مساءً آخر، ونغمة للحزن المقيم في الأعماق.
أيُّ سِرِّ لم تشـأْ أنْ تُبْـديَهْ
في ترانيم المسَاءِ المُوحِيَةْ؟
ذلك الحـزنُ الـذي يسكُننا
ما الذي تخشاه حتى تُخْفِيهْ؟
لم يَعُدْ إلا صدى أنفــاسِنا
وانكسارُ الضوءِ خلفَ الأمسيَةْ
ورياحُ الموتِ تعْوِي .. بعدما
بعثرتْ مِنّا بقايا الأُمــنيَةْ
فمعَ الليلِ تَـرنَّمْ ـ مــرةً ـ.
قبل أن نشْتَـمَّ ريحًا مُردِيَهْ
. * * * *
يطرح النص أسئلته بصيغة مناجاة، تقترب من الخطاب العرفاني حين تُخاطب الموجود الغائب، المتواري خلف الصمت. وهذا الخطاب يضفي على القصيدة هالة قدسية، كأن الشاعر في حضرة كيانٍ مطلقٍ، لا يُطال إلا عبر الشعر. فكل مقطع يحاول أن يخرق هذا الحجاب الرمزي، ليصل إلى جوهر يعجز عنه الإدراك المباشر. إن الحزن الذي "يسكننا" هو ذاته الذي يرفض أن يُفصح عن نفسه، وكأن اللغة، وهي أداة الكشف، تخون صاحبها في حضرة الألم.
وتتحول القصيدة في مقاطعها التالية إلى مرثاة وجودية؛ لا ترثي شخصًا محددًا، بل ترثي الزمن الضائع، والأمنيات المبعثرة، والعمر الذي "أفنيتَهُ / في سراديب السكون المضنية". هذا التعبير الكثيف يحمل طابعًا صوفيًا في وصف السير نحو المجهول، إذ تبدو السراديب كناية عن خلوات روحية أو تأملات في مسالك الوعي المعتمة. كما أن اقتران "السكون" بالإرهاق يعكس عمق التجربة، فالسكون هنا ليس سلامًا بل عبءًا، وثقلاً روحيًا ينهك الذات الباحثة عن صوت.
غَنِّ للعمر الــذي أفنـيتَهُ
في سراديبِ السكونِ المُضنيةْ
غَنِّ ... فالمذبوحُ في شِقْوَتهِ
ربما يُحيـيه هَمْـسُ الأغنيةْ
والعصافيرُ التي قد سَقطـت
من سماءِ الله فوق الأوْديَةْ
ربما عـادت إلى آفاقِــها
وإلى همسِك أمسَت مُصغْيِةْ
. * * * *
أيها الغـائبُ ـ في حضرته ـ
صمُتك المُغْـمَدُ فينا مَعْصِيةْ
أنت أفنيتَ زماني ـ صامتًا ـ
وأنا لم أستطع أن أحييَهْ
فابْكِ- إن شئتِ- عليه شاديا
أو فدعْني منك حتى أبْكيَهْ

في مقابل هذا السكون، تقترح القصيدة فعل "الغناء" بوصفه مقاومة رمزية للاندثار، "غنِّ للعمر" و"غنّ... فالمذبوحُ في شقوته / ربما يُحييه همسُ الأغنية"، وهذا الإيقاع البسيط العميق يكشف عن أمل خافت، يشبه رجع الصدى في فضاء موحش. وربما تعود العصافير التي "سقطت من سماء الله" إلى آفاقها، بفعل هذا الغناء نفسه، أو بفعل الحنين الغامض إلى النور.
يتصاعد النص نحو ذروة درامية حين يتحول الخطاب من تأمل داخلي إلى مواجهة مع الغائب الحاضر: "أيها الغائب ـ في حضرته ـ / صمتك المغمد فينا معصية". هنا يصبح الصمت جريمة رمزية، لأنه منع الحياة، وأفنى الزمن، وأغلق على الذات منافذ التعبير. ورغم هذا الاتهام، فإن القصيدة تنتهي على نغمة ناعمة من الاستسلام، أو القبول العاجز، حين يقول الشاعر: "فدعني منك حتى أبكيه". وهكذا، يُختتم النص بدمعة لا تشكل انكسارًا بل خلاصًا شعريًا، وكأن البكاء هو اللغة البديلة التي تستحق أن تُقال حين تفشل الكلمات في أداء المعنى.
إن جمالية النص تكمن في صوته الهادئ والمتأمل، الذي لا يستعرض بل يُصغي، ولا يعلن بل يلمّح. وهذا ما يجعل من "أغنية إلى الصمت" نموذجًا للقصيدة التأملية، التي تعبر عن تجربة وجودية قلقة بلغة موشّاة بالصور، والإيقاع الداخلي، والشحنة العاطفية التي لا تُغرق في البوح بل تكتفي بإشاراتها العميقة.
في لحظات النص الأخيرة، يتحول الحوار إلى مواجهة مع الغائب، الذي رغم كونه حاضراً في الصمت، يبدو كرمز للغياب الأسمى: زمن مفقود، كيان ميتافيزيقي، أو حضور مفقود لا يستطيع الشاعر الإحاطة به. الصمت هنا يصبح معصية كما يراه الشاعر، إذ أنه أفنى الزمن وأغلق منافذ الحياة. ويبدو صوت الذات حينها في حالة من الانكسار الحزين، يستسلم للبكاء كبديل عن الكلام، وهو بكاء يعبر عن لحظة من الصدق الشعري الذي لا يتطلب خطابًا مباشرًا بقدر ما يتطلب حضورًا شعريًا ناعمًا يفيض بالوجدان.

يتسم هذا الصوت الشاعري بتعدد الطبقات الدلالية والمشاعر المتشابكة، فهو صوت يعكس تداخل الحزن، والاحتجاج، والاستسلام، والتوسل، دون أن يفقد إحساسه بالرهبة من المجهول، أو قدرته على الاحتفاظ بالأمل داخل دائرة الألم. وهكذا، تعكس القصيدة تجربة ذاتية إنسانية شديدة الخصوصية، لكنها في الوقت نفسه كونية، إذ تلامس تجربة الصمت، الفقد، والبحث عن الذات في عالم متشابك من الغياب والحضور.
لا أتردد كثيرا في القول : إن القصيدة تؤسس لشعرية خاصة، تؤمن بقدرة اللغة على ملامسة الما وراء، لكنها تدرك أيضًا هشاشتها، فتعود إلى البكاء، لا كضعف، بل كفعل شعري نهائي يوازي الغناء ذاته.


د. أحمد كرماني عبد الحميد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى