كان الأدب – ولايزال - فيما أعرف صناعة من ذاكرة الكلمات، تعنى في سمتها الأول بالكشف الثقافي عن ملامح الجماعة والذات ، إسهام الشعر غالبا نابع من طبيعته ، ينمي ثقافة تجمع بين القبض والبسط ، بين الكشف والإرجاء ، تثير الأسئلة والنداء، وتبني الصور في نبر موسيقي ما ، تتبع المخاوف والاضطرابات والتقدم والعثرات، تلتمس حركة الفكر العامة بلغتها الخاصة ، وكشفها عن جوهر الأشياء. في هذا المقال محاولة للاقتراب من لغة الشعر المعاصر، قراءة في ديوان حاتم الأطير الأول مسجد على القمر، الصادر عن روافد في طبعته الأولى، القاهرة 2017.
يا أمي
أريد حبرًا أخضرَ
وقطعة صغيرة من جلدِ ماعز.
وكآبة مقمرة
ويدًا رملية رطبة
سأكتب أني أحبك
وأني مريض بالضوء والأبدية
بعض الشعر الحديث تطلع إلى نوع من المعرفة الصعبة ، تطلع إلى النور، إلى الضوء والرغبة في فهم العالم على نحو لا يخلو من سكينة مصطنعة ، قديما كان الشعر العربي عودا إلى الطبيعة ؛ فلقد نودي طلل، ونودي صاحب ، أو صاحبان ، رغبة في البكاء لا رغبة في المداد المخضر المثمر .
في هذه التوطئة مهاد لشعر قادم ، لتجربة جديرة بالفهم، لا تخلو من إقامة حوارية مع روح الشعر العربي، فنداء الأم ، القريبة بالإسناد البعيدة بالنداء ، عندي استحضار لروح الشعر، أليست الأم أصلا ومرجعا ؟ أليست الأم جوهرا ، ورحما ودودا ، لم لا تكون إذن رحم الشعر الأول؟ أو حنينا إلى بدويته المختلطة بشيء من التصوف والتجرد؟ ولتنظر فيما تحمله قطعة صغيرة من جلد الماعز من معنى ، النظرة العجلى تقول أننا أمام دعوة للتجرد وافتراش الأرض على نحو يخلو من جميل الفرش ، لكن فقه الكلمات حين يربط بين الحبر الأخضر وجلد الماعز يرى رغبة في حب البقاء، وطموحا للإنبات أو الإثمار معا ، قديما استعمل جلد الماعز في الكتابة لقدرته على الاحتفاظ بالمداد لفترات تطول ، ثمة رغبة إذن في شعر يبقى ، يثمر ، تجربة تشع نورا، وتحن إلى السكون ( الأبدية) ؛ فلقد امتزج هنا نداء الأم بالحنين إلى كآبة مقمرة ، بالحنين إلى عرافة الرمل ، تستنطق الغيب الصموت ، في صورة يد رملية رطبة تكتب وتمد بالمسكوت عنه، لقد قال صلاح عبد الصبورفي أحلام الفارس القديم فاتحا الباب لشعرنا المعاصر:
تعلق في حبل الصمت المبرم
ينبوع القول العميق
لكن الكف صغيره
من بين الوسطى والسبابة والإبهام
يتسرب في الرمل كلام.
لا تخلو لغة الشعر من الرغبة في التبشير بمعرفة من نوع خاص فريد يحتاجها الإنسان المعاصر سماها الشاعر إراداة ، إرادة في الكتابة عن الحب ، الحب الإنساني في جلال ووقار، عن الحب في إشراقاته ، وصفائه عن حب الشعر ومعرفته، وإن أسماه الشاعر أما ، لقد مثلت لي تلك التوطئة طموح (حاتم الأطير) وشغفه المباح إلى ملامسة شعريته حياة تمزج الديني بالمعاش تحليقا في الأفق الرحب للخيال ، وإعادة خلق الأشياء أو إعادتها إلى شيء من بدوية جديدة ، بدوية الحياة المعاشة :
يا شاعرية
أي الكوثرين أنا
تأويل ريحانة
أم ريح تأويل
.............
أنت البداوة
ريح النخل
بسملة الغزلان
ساق ندى تحت الخلاخيل
أنا
الرصيف
صنوج العرقسوس
صفافير الإشارة
آهات النراجيل
الشاعر
انهزمت صحراء دهشته
أم مسه عبقر
من " زر محمول" ؟
لا أريد أن أذهب بعيدا لكنه حق يجب أن يقال ؛ لغة الشعر في ديوان مسجد على القمر، الآن تبني معرفتها الخاصة ، لكنَ شيئا من التراث في لغة الشعر يبقى حاضرا، يحاوره الشاعر ويحاوره.
يمكنني أن أرى لغة الشعر في الديوان تصك الديني صكا جديدا، تأخذ من اليومي المستعمل إلى حضن الجزل الفصيح لتبني رؤيتاها الخاصة ، تحتضن العالم الفسيح لتعيد إلى الأذهان فطريتها الأولى عن الدين والأشياء ، تبني شعريتها من الرصيف وصفافير الإشارة وآهات النراجيل ، من المعاش اليومي ، وتتساءل في وجل حفيف عن مصير شعرية موروثة ، شعرية البداوة ، حياة الصحراء، التي كانت الرحم الأول للشعر العربي ، وكأني بالشاعر يقول لي حياتي ولغتي التى أصنع منها بدويتي ، لقد مسته الحداثة بعبقرها ممثلا في امتلاك الحياة عن طريق زر محمول ، لكن ثمة حنين إلى فطرية الحياة وبساطتها، بساطة مستخلصة من تركيب الحياة الثري .
هذه البساطة تجعل من كعكة محشوة باللوز ناولها الإله لعالمٍ جوعانة أخلاقه رمزا للديني ، ولست الكعكة إلا طعاما روحيا فالجوع ليس جوع بطون ، الجوع هنا جوع أخلاق ، وكذلك الورد حين يتصدق من شذاه لصحة الفقراء يحقق مفهوم الإسلام في صحيحه ، ويصبح البيانو خبيرا بصحيح الإسلام حين يأمر القلوب بالمعروف، والقمر حين يترك للشمس مجالا في النهار يحب لها ما يحب لنفسه، وتلك من كوامل اللإيمان الحق ، لغة لا تخلو من التعريض بالتدين الشكلي ، تعريض مبتكر ، لا بالاستفهام الموروث، لكن بالاعتماد على الإثبات والنفي ، بالاعتماد على صورتين للأنثى ، انظر معي كلمتي ( كعكة / فخذ شاة ) تلكما شهوتان ، شهوة الروح ، وشهوة الجسد .
" الدين عندي .. كعكة محشوة باللوز
ناولها الإله لعالم جوعانة أخلاقه
لا فخذ شاة للطويلة ذقتهم
فالورد أصلاً مسلم
ولكم تصدق من شذاه لصحة الفقراء مثلي
والباينو مسلم مازال يأمر قلب مستمعيه بالمعروف
والقمر المسامر مسلم
قد صام طول نهاره عن ضوئه وأحب للشمس الشقيقة ما أحب لنفسه "
شعرية النص عندي خروج عن المعهود إلى المعهود ، ميلاد وبعث جديد للكلمات والأشياء، شعرية النص حجاجية المتخيل لإعادة بناء الواقع المعاش ، مزاوجة بين الإثبات والنفي ، شعرية النص قدر يغلي ، وإحساس مرهف بالكلمات؛ كما علمنا مصطفى ناصف ، سؤال يعقبه حوار ، لم قال حاتم : " ناولها " ؟ أليس من الأولى أن يقول ألقاها ؟ أليس الله عاليا متعاليا ؟ الإلقاء انفصال، الإلقاء إعلام . قال تعالى : " إنما المسيح ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " (سورة النساء)، قال الطبري: " أي أعلمها وأخبرها كما يقال : ألقيت إليك كلمة حسنة " بمعنى أخبرتك بها" ، وذلك – فيما أفهم - أبلغ في هذا المقام ، لكنَ فقه الشاعر بالكلمات هنا يقول بالمناولة ، فالمناولة قرب ولقاء ، المناولة اتصال يحدث الإشباع الروحي.
ثم تعيد كلمة أصلا في ذاكرتي شاعرية امرئ القيس حين قال معا في بيته المشهور:
مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من علِ
كلمة (أصلًا) كلمة مفتاح لشعرية الديوان فيما يبدو لي ، فالشاعر شغوف بالبحث عن جوهر الأشياء لا سمتها الخارجي ، عن أصل الدين كمفهوم للمحبة والتعايش لا الإقصاء ، الدين كما يرى الشاعر قدرة على العطاء ، الدين هو ذلك القمر المسامر في الليل الموحش ، هو ذلك المحب المتحلي بفضيلة اللإيثار .
أريد أن أعطي رمزية القمر مزيدا من الفهم ؛ إن شيئا ما في الرمز يختلف عن الاستعارة ؛ لأنه يقاوم النقل المنطقي ، فالقمر هنا مسامر ، يصوم ، يؤثر الغير على نفسه ، وفي التوطئة كان الشاعر باحثا عن كآبة مقمرة ، وعتبة الديوان الأولى مسجد على القمر ، وللقمر في المخيلة العربية إرث كبير ، فثمة سورة قرآنية كريمة تحمل اسم القمر ، فيها من الآيات الدالة على صدق الرسالة المحمدية ، وحث النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يتولى عن المعارضين المعاندين يوم يدعي الداعي إلى شيء نكر، وفيها استحضار لنبي الله نوح وتكذيب قومه وكذلك تكذيب عاد وثمود ، وتكرار الإشارة إلى تيسير القرآن للذكر، القمر في النص الأعظم رمز الهداية وظهور الحق مسامرة للمتقين وعلامة على الحق ، انبلاج النور في ظلمة الليل ، ورد ذكره في القرآن سبع وعشرين مرة ، القمر فيها أمارة الهداية والحسبان ، دليل كوني على قدرة الخالق ، وصدق الرسالة المحمدية.
والقمر كما يرى الغزالي إشارة إلى النفس الناطقة بالحق في كل فلك، وعند ابن عربي مشهد برزخي مثالي يضبطه الخيال ، وعند ابن الفارض كناية عن العارفين بالله ، وعند حاتم الأطير أصل من أصول الإسلام . الفمهم البلاغي المدرسي القديم عند قراءة الصورة البلاغية " القمر المسامر مسلم ، قد صام طول نهاره ..وأحب للشمس" تقول أن الشاعر جعل من القمر إنسانا ، حذف الإنسان وكنى عنه بالمسامرة والصوم والحب ، لكن أليس من حقنا أن نفهم الصورة بطريقة مغايرة أكثر عمقا ، فنقول أن القمر هنا على خلاف الفهم السابق هو المانح للإنسان معنى العطاء والإيثار ، فمن حقنا أن نفهم الكلمات فهما يقوم على التفاعل لا على الاستبدال.
لقد قال الشاعر في توطئته أنه مريض بالضوء والأبدية ، المرض هنا شغف ، المرض قرين استعذاب الضوء ، والضوء حاضر في الديوان بصورة لافتة ، الضوء نور ، والنور هداية ، النور عطاء رباني للراحة والسكون ، لكن لمن رنا ، ولترى البخاري في شعرية الأطير :
كلما بان ضوء عليم رنا
أو بدت خطوة للحبيب اقتفى
من هنا يطلع الحق يا صاحبي
من ضمير منير
فكن منصفا
عادة ماتبوح السما
للبصير الجميل
الذي عاش مستكشفا.
هذا درس في المعرفة يُنسج من كلمات ، ليُحرر البخاري من فرديته و يصبح نموذجا يُقتدى به ، ضروري أن تعرف أن تنظر نظرة البصير الجميل ، أن تعيش مستكشفا ، فلقد فقدت معرفتنا في ضوء ما أسماه بعضنا حداثة أصلا من أصول معرفتنا العربية الحقة، إن المعرفة تبصر واستكشاف ، لاحفظ وتناقل للمأثور المنقول ، وهيام بالصرامة والوضوح ، وكل تبصر في حاجة إلى البحث عن روابط وثيقة بين السماوي والترابي. فقليل من يعرف للنور وجها إنساني. ولامعرفة بلا روح .
ألف الله بين السما والإمام الترابي
سبحان من ألفا..
النور رمز معرفة ورمز إنسانية غائبة ، يتودد الشاعر لخصمه حين يسميه صاحبي في المقطع السالف ، لكنه لا يتوقف عن محاججته ، فيطلق للنور مثلا آخر، مثلا لمعرفة تساوي بين صنوف البشر ولا تفرق ، مثلا لنور الدعوة المحمدية في مهده الأول في المدينة ، لثورية الإسلام الهادئة ، وتحولاته الراشدة ، التي تجعل الليل يسطع ، هذه جملة تحتاج أن تتأملها في سياقها الشعري ، يقول حاتم :
أرني المدينة فالهلال هناك ألمع
والضمير هناك مسقي بضوء الآدمية
والبيوت الخضر حبلى بالرجال
هناك ينتصر الصراط على السياط
ويضحك الريحان للناس السليمة
والقلوب تفر من أقفالها
الليل يسطع يا حمامة
والبلال الحر يرضع باسما
في عينيه السوداء نيل ناصع
لايفوتك عند قراءة هذا النص البديع أن الاسم الظاهر قد يحتمل المتكلم والمخاطب والغائب ويخصصه السياق ؛ فقد صح عن العرب قولهم " يا تميم كلهم " و " يا تميم كلكم " ، أريد فهم الأبيات انطلاقا من كلمة هناك ، اسم الإشارة إلى البعيد يستحضر القريب ، الحديث عن المدينة مهد الإسلام الأول يستحضر واقعا غيره الإسلام آنذاك ، ويستحضر زمنيتنا المعاصرة ، ما أبعد الواقع الآن عن أثر ضوء الإسلام الأول في حياة البشر ، عن أثر الإسلام في أصحاب الفطرة النقية ، قام الإسلام بالعدل الإنساني والمساوة بين البشر ، انتصار الصراط معناه تحقيق العدل وإقامته ، والليل يسطع ياحمامة إشارة يفهم منها بالفحوى تمكين النور وتحقيقه ، والنداء على الحمامة عود إلى رمزية المسالمة ، وإدخال المتلقي في التجربة ، فالبلال الحر رمز إنساني لكل حر أعزه الإسلام فبدا باسما ، لقد أفادت أداة التعريف ( ال ) للمٌعرَف (بلال) هنا تحريرا لا أقول تنكرا ، نعم حُرر بلال من فرديته إلى جماعية متمناة، ترى في رياحين الإسلام سعادتها. رأت الدين في يسره وأثره البهيج. رأت في الإسلام تمر الجياع وخيمة العابرين .
فى صوته اشتعل المصير
ولعلع الدين اليسير
وأبصر العشاق ربا واسعا
سميه تمرا للجياع ، وخيمة للعابرين ،
وثورة للكاظمين شروقهم
سميه حبا يا جميلة
واتركيه على السطوح مؤذنا
كي تستريح الأرض من أثقالها.
لقد تواضع النحاة أن النداء مما له الصدارة قي الجملة العربية ، لكن الشاعر المعاصر يجد في المرأة رفيقا جميلا يدعوها أن تسمي بلالا /الدين حبا ، وأن تختزله في أذان يترك على السطوح كي تستريح الأرض، وفي ذلك تضمين لقول النبي : " أرحنا بها يا بلال " ، بلغة مرسلة تتحرر من التزام القافية، لقد بدت أمامي تلك الجميلة استحضارا لفكرة الأنوثة التي تلطف من خشونة الاختلافات ، هذه لعبة التخلي عن الشكل ، لعبة تورية وتعربض غير مكشوف، نداء الجميلة تعريض بالمغالين من المتدينين. أريد أن أعيد النص إلى صورة معيارية " ياجميلة سميه حبا واتركيه على السطوح مؤذنا كي تستريح الأرض من أثقالها" هذه الصورة تخفي الأنوثة وتعطي المركزية للأفعال سميه واتركيه ، لكن شعرية النص تجعل من الأنوثة مركز الثقل بين الأفعال ، والأنوثة هنا توسم بالجمال قال الشاعر ياجميلة ولم يقل ياحبيبة ، وصف الجمال تحرر من الامتلاك ، وصف الجمال قرين البحث عن الراحة والسكينة الغائبة عن أبدية أراد الشاعر أن يكتب عنها قاصدا إليها كل سبيل.
تبدو أمامي لغويات حاتم الأطير هنا ذات نبرة داعية إلى البناء والحشد لقوة تمتلك التفاوض الناعم ، أو التقريب بين الكر والفر ، فلغة الشعر عنده تقوم أمام القاريء المتمهل على إزالة العوائق دون محو أو استبعاد ، تستحضر الأنثى بشكل ملفت ارتكازا على طاقات لغوية ، انظر عتبة النص " البعث " وتأمل ؛ أليس البعث عودا إلى الحياة بعد الموت ، لكن البعث في تجربة الشاعر بحث عن وحدة مجتمعية وحدة دينية ، عن وحدة الأصحاب ؛ يقول حاتم:
ربابةٌ حليمةٌ , وليلةٌ بتولٌ
شربت من سلامها المذابْ
وصحت : ياصحابْ
تحاببوا وكسروا نبالكم
فكلنا على صوابْ
وكلنا مهدد بأن يصير نملة
على سفينة الغيابْ
وكلنا مذيل بجرحه الرسولْ
يسعى الشاعر إلى البحث عن علاقات بين المختلفين من أصحابه ، يسعى إلى البحث عن بعث روح الوفاق والاتفاق ، عن أصل واحد للإنسان والأديان ، يمثل الشاعر هنا بنفسه ذاك الأصل المرجو ، فقد شرب من نبعين : (ربابة، وليلة ) وإن بدوا مختلفين لكنها يعودان إلى أصل واحد، يعودان إلى سلام مذاب ، الربابة قرينة صوت طربي شعبي ، كان مغني الربابة جوالا في الطرقات ، والليلة قرينة السكون ، الليل وضوح للنجوم والأقمار ، تجلي السماء ، حامل ألوية الهداية ، لكن الربابة حليمة ، حليمة من الحلم تشير لتحكيم العقل والصبر رزينة متسامحة، والليلة بتول ، البتول قد قيل عنها بيت الله ، وقيل منقطعة عن الرجال والأولاد ، الربابة والليلة كلتاهما تحملان صورة التكرار في تركيب حروفها، في الليلة والربابة حضور للأنثى ، الأنثى رمز الميلاد والرعاية والاحتضان، حليمة اسم علم في الأصل حليمة السعدية مرضعة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وحاضنته في بادية بني سعد في الحديبية ثم المدينة ، والبتول اسم علم للسيدة مريم أم المسيح عيسى عليه السلام وحاملة كلمة الله تعالى ، أصل الديانة رعاية واحتضان سلام في سلام مذاب ، جرح رسول ، جهاد من أجل تحقيق الإخاء ، مشكاة نور واحدة تخرج النور للناس .
هذه حقائق تصنعها الكلمات تولدها في العقل دون أن تشير على نحو واضح وصريح ، فالكلمات مفاتيح ، شامات لتوليد الأفكار ، والشاعر القدير يحكم اللعبة في التكنية والتلميح ، لقد نونَ كلمة حليمة ليحررها من علميتها ، لتصبح والبتول مرضغته ، أو صانعة كأسه.
في شعرية حاتم الأطير صناعة للكلمات تبعث في العقل والقلب أثرا عزيز المنال الآن ، القصيدة عنده مشغولة بالإضاءة وبناء الذات ، تطرح كثيرا من الشعر على الأسماع وتحمل فلسفة جديدة للأشياء ، لا تعتبر التثقيف شيئا من التزيين ، بل تأخذك إلى عالمها فأنت واحد من الصحاب . تسهم تجربة حاتم الشعرية في هذا الديوان بالإسهام في الحفاظ على حيوية الحساسية وإثارة الخيال والتحرر من الغايات المسبقة ، وتنادي بالإصغاء إلى الكلمات .
يا أمي
أريد حبرًا أخضرَ
وقطعة صغيرة من جلدِ ماعز.
وكآبة مقمرة
ويدًا رملية رطبة
سأكتب أني أحبك
وأني مريض بالضوء والأبدية
بعض الشعر الحديث تطلع إلى نوع من المعرفة الصعبة ، تطلع إلى النور، إلى الضوء والرغبة في فهم العالم على نحو لا يخلو من سكينة مصطنعة ، قديما كان الشعر العربي عودا إلى الطبيعة ؛ فلقد نودي طلل، ونودي صاحب ، أو صاحبان ، رغبة في البكاء لا رغبة في المداد المخضر المثمر .
في هذه التوطئة مهاد لشعر قادم ، لتجربة جديرة بالفهم، لا تخلو من إقامة حوارية مع روح الشعر العربي، فنداء الأم ، القريبة بالإسناد البعيدة بالنداء ، عندي استحضار لروح الشعر، أليست الأم أصلا ومرجعا ؟ أليست الأم جوهرا ، ورحما ودودا ، لم لا تكون إذن رحم الشعر الأول؟ أو حنينا إلى بدويته المختلطة بشيء من التصوف والتجرد؟ ولتنظر فيما تحمله قطعة صغيرة من جلد الماعز من معنى ، النظرة العجلى تقول أننا أمام دعوة للتجرد وافتراش الأرض على نحو يخلو من جميل الفرش ، لكن فقه الكلمات حين يربط بين الحبر الأخضر وجلد الماعز يرى رغبة في حب البقاء، وطموحا للإنبات أو الإثمار معا ، قديما استعمل جلد الماعز في الكتابة لقدرته على الاحتفاظ بالمداد لفترات تطول ، ثمة رغبة إذن في شعر يبقى ، يثمر ، تجربة تشع نورا، وتحن إلى السكون ( الأبدية) ؛ فلقد امتزج هنا نداء الأم بالحنين إلى كآبة مقمرة ، بالحنين إلى عرافة الرمل ، تستنطق الغيب الصموت ، في صورة يد رملية رطبة تكتب وتمد بالمسكوت عنه، لقد قال صلاح عبد الصبورفي أحلام الفارس القديم فاتحا الباب لشعرنا المعاصر:
تعلق في حبل الصمت المبرم
ينبوع القول العميق
لكن الكف صغيره
من بين الوسطى والسبابة والإبهام
يتسرب في الرمل كلام.
لا تخلو لغة الشعر من الرغبة في التبشير بمعرفة من نوع خاص فريد يحتاجها الإنسان المعاصر سماها الشاعر إراداة ، إرادة في الكتابة عن الحب ، الحب الإنساني في جلال ووقار، عن الحب في إشراقاته ، وصفائه عن حب الشعر ومعرفته، وإن أسماه الشاعر أما ، لقد مثلت لي تلك التوطئة طموح (حاتم الأطير) وشغفه المباح إلى ملامسة شعريته حياة تمزج الديني بالمعاش تحليقا في الأفق الرحب للخيال ، وإعادة خلق الأشياء أو إعادتها إلى شيء من بدوية جديدة ، بدوية الحياة المعاشة :
يا شاعرية
أي الكوثرين أنا
تأويل ريحانة
أم ريح تأويل
.............
أنت البداوة
ريح النخل
بسملة الغزلان
ساق ندى تحت الخلاخيل
أنا
الرصيف
صنوج العرقسوس
صفافير الإشارة
آهات النراجيل
الشاعر
انهزمت صحراء دهشته
أم مسه عبقر
من " زر محمول" ؟
لا أريد أن أذهب بعيدا لكنه حق يجب أن يقال ؛ لغة الشعر في ديوان مسجد على القمر، الآن تبني معرفتها الخاصة ، لكنَ شيئا من التراث في لغة الشعر يبقى حاضرا، يحاوره الشاعر ويحاوره.
يمكنني أن أرى لغة الشعر في الديوان تصك الديني صكا جديدا، تأخذ من اليومي المستعمل إلى حضن الجزل الفصيح لتبني رؤيتاها الخاصة ، تحتضن العالم الفسيح لتعيد إلى الأذهان فطريتها الأولى عن الدين والأشياء ، تبني شعريتها من الرصيف وصفافير الإشارة وآهات النراجيل ، من المعاش اليومي ، وتتساءل في وجل حفيف عن مصير شعرية موروثة ، شعرية البداوة ، حياة الصحراء، التي كانت الرحم الأول للشعر العربي ، وكأني بالشاعر يقول لي حياتي ولغتي التى أصنع منها بدويتي ، لقد مسته الحداثة بعبقرها ممثلا في امتلاك الحياة عن طريق زر محمول ، لكن ثمة حنين إلى فطرية الحياة وبساطتها، بساطة مستخلصة من تركيب الحياة الثري .
هذه البساطة تجعل من كعكة محشوة باللوز ناولها الإله لعالمٍ جوعانة أخلاقه رمزا للديني ، ولست الكعكة إلا طعاما روحيا فالجوع ليس جوع بطون ، الجوع هنا جوع أخلاق ، وكذلك الورد حين يتصدق من شذاه لصحة الفقراء يحقق مفهوم الإسلام في صحيحه ، ويصبح البيانو خبيرا بصحيح الإسلام حين يأمر القلوب بالمعروف، والقمر حين يترك للشمس مجالا في النهار يحب لها ما يحب لنفسه، وتلك من كوامل اللإيمان الحق ، لغة لا تخلو من التعريض بالتدين الشكلي ، تعريض مبتكر ، لا بالاستفهام الموروث، لكن بالاعتماد على الإثبات والنفي ، بالاعتماد على صورتين للأنثى ، انظر معي كلمتي ( كعكة / فخذ شاة ) تلكما شهوتان ، شهوة الروح ، وشهوة الجسد .
" الدين عندي .. كعكة محشوة باللوز
ناولها الإله لعالم جوعانة أخلاقه
لا فخذ شاة للطويلة ذقتهم
فالورد أصلاً مسلم
ولكم تصدق من شذاه لصحة الفقراء مثلي
والباينو مسلم مازال يأمر قلب مستمعيه بالمعروف
والقمر المسامر مسلم
قد صام طول نهاره عن ضوئه وأحب للشمس الشقيقة ما أحب لنفسه "
شعرية النص عندي خروج عن المعهود إلى المعهود ، ميلاد وبعث جديد للكلمات والأشياء، شعرية النص حجاجية المتخيل لإعادة بناء الواقع المعاش ، مزاوجة بين الإثبات والنفي ، شعرية النص قدر يغلي ، وإحساس مرهف بالكلمات؛ كما علمنا مصطفى ناصف ، سؤال يعقبه حوار ، لم قال حاتم : " ناولها " ؟ أليس من الأولى أن يقول ألقاها ؟ أليس الله عاليا متعاليا ؟ الإلقاء انفصال، الإلقاء إعلام . قال تعالى : " إنما المسيح ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " (سورة النساء)، قال الطبري: " أي أعلمها وأخبرها كما يقال : ألقيت إليك كلمة حسنة " بمعنى أخبرتك بها" ، وذلك – فيما أفهم - أبلغ في هذا المقام ، لكنَ فقه الشاعر بالكلمات هنا يقول بالمناولة ، فالمناولة قرب ولقاء ، المناولة اتصال يحدث الإشباع الروحي.
ثم تعيد كلمة أصلا في ذاكرتي شاعرية امرئ القيس حين قال معا في بيته المشهور:
مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من علِ
كلمة (أصلًا) كلمة مفتاح لشعرية الديوان فيما يبدو لي ، فالشاعر شغوف بالبحث عن جوهر الأشياء لا سمتها الخارجي ، عن أصل الدين كمفهوم للمحبة والتعايش لا الإقصاء ، الدين كما يرى الشاعر قدرة على العطاء ، الدين هو ذلك القمر المسامر في الليل الموحش ، هو ذلك المحب المتحلي بفضيلة اللإيثار .
أريد أن أعطي رمزية القمر مزيدا من الفهم ؛ إن شيئا ما في الرمز يختلف عن الاستعارة ؛ لأنه يقاوم النقل المنطقي ، فالقمر هنا مسامر ، يصوم ، يؤثر الغير على نفسه ، وفي التوطئة كان الشاعر باحثا عن كآبة مقمرة ، وعتبة الديوان الأولى مسجد على القمر ، وللقمر في المخيلة العربية إرث كبير ، فثمة سورة قرآنية كريمة تحمل اسم القمر ، فيها من الآيات الدالة على صدق الرسالة المحمدية ، وحث النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يتولى عن المعارضين المعاندين يوم يدعي الداعي إلى شيء نكر، وفيها استحضار لنبي الله نوح وتكذيب قومه وكذلك تكذيب عاد وثمود ، وتكرار الإشارة إلى تيسير القرآن للذكر، القمر في النص الأعظم رمز الهداية وظهور الحق مسامرة للمتقين وعلامة على الحق ، انبلاج النور في ظلمة الليل ، ورد ذكره في القرآن سبع وعشرين مرة ، القمر فيها أمارة الهداية والحسبان ، دليل كوني على قدرة الخالق ، وصدق الرسالة المحمدية.
والقمر كما يرى الغزالي إشارة إلى النفس الناطقة بالحق في كل فلك، وعند ابن عربي مشهد برزخي مثالي يضبطه الخيال ، وعند ابن الفارض كناية عن العارفين بالله ، وعند حاتم الأطير أصل من أصول الإسلام . الفمهم البلاغي المدرسي القديم عند قراءة الصورة البلاغية " القمر المسامر مسلم ، قد صام طول نهاره ..وأحب للشمس" تقول أن الشاعر جعل من القمر إنسانا ، حذف الإنسان وكنى عنه بالمسامرة والصوم والحب ، لكن أليس من حقنا أن نفهم الصورة بطريقة مغايرة أكثر عمقا ، فنقول أن القمر هنا على خلاف الفهم السابق هو المانح للإنسان معنى العطاء والإيثار ، فمن حقنا أن نفهم الكلمات فهما يقوم على التفاعل لا على الاستبدال.
لقد قال الشاعر في توطئته أنه مريض بالضوء والأبدية ، المرض هنا شغف ، المرض قرين استعذاب الضوء ، والضوء حاضر في الديوان بصورة لافتة ، الضوء نور ، والنور هداية ، النور عطاء رباني للراحة والسكون ، لكن لمن رنا ، ولترى البخاري في شعرية الأطير :
كلما بان ضوء عليم رنا
أو بدت خطوة للحبيب اقتفى
من هنا يطلع الحق يا صاحبي
من ضمير منير
فكن منصفا
عادة ماتبوح السما
للبصير الجميل
الذي عاش مستكشفا.
هذا درس في المعرفة يُنسج من كلمات ، ليُحرر البخاري من فرديته و يصبح نموذجا يُقتدى به ، ضروري أن تعرف أن تنظر نظرة البصير الجميل ، أن تعيش مستكشفا ، فلقد فقدت معرفتنا في ضوء ما أسماه بعضنا حداثة أصلا من أصول معرفتنا العربية الحقة، إن المعرفة تبصر واستكشاف ، لاحفظ وتناقل للمأثور المنقول ، وهيام بالصرامة والوضوح ، وكل تبصر في حاجة إلى البحث عن روابط وثيقة بين السماوي والترابي. فقليل من يعرف للنور وجها إنساني. ولامعرفة بلا روح .
ألف الله بين السما والإمام الترابي
سبحان من ألفا..
النور رمز معرفة ورمز إنسانية غائبة ، يتودد الشاعر لخصمه حين يسميه صاحبي في المقطع السالف ، لكنه لا يتوقف عن محاججته ، فيطلق للنور مثلا آخر، مثلا لمعرفة تساوي بين صنوف البشر ولا تفرق ، مثلا لنور الدعوة المحمدية في مهده الأول في المدينة ، لثورية الإسلام الهادئة ، وتحولاته الراشدة ، التي تجعل الليل يسطع ، هذه جملة تحتاج أن تتأملها في سياقها الشعري ، يقول حاتم :
أرني المدينة فالهلال هناك ألمع
والضمير هناك مسقي بضوء الآدمية
والبيوت الخضر حبلى بالرجال
هناك ينتصر الصراط على السياط
ويضحك الريحان للناس السليمة
والقلوب تفر من أقفالها
الليل يسطع يا حمامة
والبلال الحر يرضع باسما
في عينيه السوداء نيل ناصع
لايفوتك عند قراءة هذا النص البديع أن الاسم الظاهر قد يحتمل المتكلم والمخاطب والغائب ويخصصه السياق ؛ فقد صح عن العرب قولهم " يا تميم كلهم " و " يا تميم كلكم " ، أريد فهم الأبيات انطلاقا من كلمة هناك ، اسم الإشارة إلى البعيد يستحضر القريب ، الحديث عن المدينة مهد الإسلام الأول يستحضر واقعا غيره الإسلام آنذاك ، ويستحضر زمنيتنا المعاصرة ، ما أبعد الواقع الآن عن أثر ضوء الإسلام الأول في حياة البشر ، عن أثر الإسلام في أصحاب الفطرة النقية ، قام الإسلام بالعدل الإنساني والمساوة بين البشر ، انتصار الصراط معناه تحقيق العدل وإقامته ، والليل يسطع ياحمامة إشارة يفهم منها بالفحوى تمكين النور وتحقيقه ، والنداء على الحمامة عود إلى رمزية المسالمة ، وإدخال المتلقي في التجربة ، فالبلال الحر رمز إنساني لكل حر أعزه الإسلام فبدا باسما ، لقد أفادت أداة التعريف ( ال ) للمٌعرَف (بلال) هنا تحريرا لا أقول تنكرا ، نعم حُرر بلال من فرديته إلى جماعية متمناة، ترى في رياحين الإسلام سعادتها. رأت الدين في يسره وأثره البهيج. رأت في الإسلام تمر الجياع وخيمة العابرين .
فى صوته اشتعل المصير
ولعلع الدين اليسير
وأبصر العشاق ربا واسعا
سميه تمرا للجياع ، وخيمة للعابرين ،
وثورة للكاظمين شروقهم
سميه حبا يا جميلة
واتركيه على السطوح مؤذنا
كي تستريح الأرض من أثقالها.
لقد تواضع النحاة أن النداء مما له الصدارة قي الجملة العربية ، لكن الشاعر المعاصر يجد في المرأة رفيقا جميلا يدعوها أن تسمي بلالا /الدين حبا ، وأن تختزله في أذان يترك على السطوح كي تستريح الأرض، وفي ذلك تضمين لقول النبي : " أرحنا بها يا بلال " ، بلغة مرسلة تتحرر من التزام القافية، لقد بدت أمامي تلك الجميلة استحضارا لفكرة الأنوثة التي تلطف من خشونة الاختلافات ، هذه لعبة التخلي عن الشكل ، لعبة تورية وتعربض غير مكشوف، نداء الجميلة تعريض بالمغالين من المتدينين. أريد أن أعيد النص إلى صورة معيارية " ياجميلة سميه حبا واتركيه على السطوح مؤذنا كي تستريح الأرض من أثقالها" هذه الصورة تخفي الأنوثة وتعطي المركزية للأفعال سميه واتركيه ، لكن شعرية النص تجعل من الأنوثة مركز الثقل بين الأفعال ، والأنوثة هنا توسم بالجمال قال الشاعر ياجميلة ولم يقل ياحبيبة ، وصف الجمال تحرر من الامتلاك ، وصف الجمال قرين البحث عن الراحة والسكينة الغائبة عن أبدية أراد الشاعر أن يكتب عنها قاصدا إليها كل سبيل.
تبدو أمامي لغويات حاتم الأطير هنا ذات نبرة داعية إلى البناء والحشد لقوة تمتلك التفاوض الناعم ، أو التقريب بين الكر والفر ، فلغة الشعر عنده تقوم أمام القاريء المتمهل على إزالة العوائق دون محو أو استبعاد ، تستحضر الأنثى بشكل ملفت ارتكازا على طاقات لغوية ، انظر عتبة النص " البعث " وتأمل ؛ أليس البعث عودا إلى الحياة بعد الموت ، لكن البعث في تجربة الشاعر بحث عن وحدة مجتمعية وحدة دينية ، عن وحدة الأصحاب ؛ يقول حاتم:
ربابةٌ حليمةٌ , وليلةٌ بتولٌ
شربت من سلامها المذابْ
وصحت : ياصحابْ
تحاببوا وكسروا نبالكم
فكلنا على صوابْ
وكلنا مهدد بأن يصير نملة
على سفينة الغيابْ
وكلنا مذيل بجرحه الرسولْ
يسعى الشاعر إلى البحث عن علاقات بين المختلفين من أصحابه ، يسعى إلى البحث عن بعث روح الوفاق والاتفاق ، عن أصل واحد للإنسان والأديان ، يمثل الشاعر هنا بنفسه ذاك الأصل المرجو ، فقد شرب من نبعين : (ربابة، وليلة ) وإن بدوا مختلفين لكنها يعودان إلى أصل واحد، يعودان إلى سلام مذاب ، الربابة قرينة صوت طربي شعبي ، كان مغني الربابة جوالا في الطرقات ، والليلة قرينة السكون ، الليل وضوح للنجوم والأقمار ، تجلي السماء ، حامل ألوية الهداية ، لكن الربابة حليمة ، حليمة من الحلم تشير لتحكيم العقل والصبر رزينة متسامحة، والليلة بتول ، البتول قد قيل عنها بيت الله ، وقيل منقطعة عن الرجال والأولاد ، الربابة والليلة كلتاهما تحملان صورة التكرار في تركيب حروفها، في الليلة والربابة حضور للأنثى ، الأنثى رمز الميلاد والرعاية والاحتضان، حليمة اسم علم في الأصل حليمة السعدية مرضعة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وحاضنته في بادية بني سعد في الحديبية ثم المدينة ، والبتول اسم علم للسيدة مريم أم المسيح عيسى عليه السلام وحاملة كلمة الله تعالى ، أصل الديانة رعاية واحتضان سلام في سلام مذاب ، جرح رسول ، جهاد من أجل تحقيق الإخاء ، مشكاة نور واحدة تخرج النور للناس .
هذه حقائق تصنعها الكلمات تولدها في العقل دون أن تشير على نحو واضح وصريح ، فالكلمات مفاتيح ، شامات لتوليد الأفكار ، والشاعر القدير يحكم اللعبة في التكنية والتلميح ، لقد نونَ كلمة حليمة ليحررها من علميتها ، لتصبح والبتول مرضغته ، أو صانعة كأسه.
في شعرية حاتم الأطير صناعة للكلمات تبعث في العقل والقلب أثرا عزيز المنال الآن ، القصيدة عنده مشغولة بالإضاءة وبناء الذات ، تطرح كثيرا من الشعر على الأسماع وتحمل فلسفة جديدة للأشياء ، لا تعتبر التثقيف شيئا من التزيين ، بل تأخذك إلى عالمها فأنت واحد من الصحاب . تسهم تجربة حاتم الشعرية في هذا الديوان بالإسهام في الحفاظ على حيوية الحساسية وإثارة الخيال والتحرر من الغايات المسبقة ، وتنادي بالإصغاء إلى الكلمات .