شريف محيي الدين إبراهيم - شارع العَزَب"... حين غيّرت الطريق

حين كتبت شارع العَزَب، لم أكن أكتب رواية فحسب. كنت أستعيد الوجوه التي مرّت بي، تلك التي ضحكت في وجهي، وتلك التي صفعتني بصمت.
كتبت من قلب الشارع لا عنه، من بين صرخات نسوة الشارع وصخب الأطفال ، ورائحة الخبز في الصباحات المبتلة بماء البحر ،
لم أكن أختلق، بل كنت أستحضر، أستلّ من ذاكرتي وجعًا قديمًا، وأجعل منه حبرًا.

لم أكتب سيرة أحد، لكنّ كل من قرأ، وجد نفسه.
كتبتهم جميعًا.

كتبت بصدق، وفي الصدق شيء من الفضيحة، وشيء من البراءة.

ظننت أن الحب وحده يكفي.
أن من يعرفني سيعذرني،
أن من شاركني الخبز والعرق والدعابة سيمنحني حقّ أن أحوّله إلى سطر في كتاب.
لكنني كنت واهمًا...
فالناس تطلب أن تُكتب، لكنها لا تحتمل أن تُرى.

بعد صدور الرواية، لم يكن الاحتفاء هو ما انتظرني.
انقسمت العائلة، كما تنقسم المرآة عند أول حجر:

منهم من رأى أنني منحتهم حياةً لا تموت،
أنني أنقذتهم من النسيان، ورفعت صورهم إلى سماء الأدب.
ومنهم من شعر أنه وُضع عاريًا تحت ضوءٍ قاسٍ، لا يرحم،
وقال لي: “كيف فعلت هذا؟!”

تلقّيت تهديدات، بعضها صريح، وبعضها مضمَّن في العتاب.
سُئلت عن نيّتي،
اتهموني أنني
كتبت كي أُرضي القرّاء لا القُربى،
حتى ندوة الاحتفاء بالعمل طُلب تأجيلها… ثم إلغاؤها.

بعض الأصدقاء الذين كنت أظنهم أقرب من الدم،
لم يحتملوا حتى المزاح،
تبدّلوا، وهاجموا، كأنهم لم يكونوا يومًا أصدقاء.
كنت أظن أن الرواية عمل أدبي، فإذا بها محكمة ضمير،
وأنني الراوي، فإذا بي المتهم.

فعلًا، تراجعت... أو هكذا خُيّل إليهم.
لم أُكمل الجزء الثاني، رغم أن الشوارع كانت ما تزال تناديني،
وأن البيوت التي كتبتها، ما زالت تضج بالحكايات،
والشجرة التي في آخر الشارع، كانت تلوّح لي كل مساء،
تسألني:
لماذا سكتَّ؟

خشيت أن تؤذي الكتابة من أحب.
خشيت أن أخسر الناس، وأنا أبحث عن المعنى.
لكنني، في الحقيقة، لم أصمت...
بل بدّلت الطريق.

كتبت قصصًا قصيرة، بدت مستقلة،
لكنها لم تكن إلا شظايا من "شارع العَزَب" الكبير.

قصص مثل: جدار عم حبيب، رجل الحديقة، صديقي صلاح،كوب ماء للمدير...... إلخ
كلها امتدادات خفية للرواية،
شخصيات أعيدت للحياة بأسماء جديدة،
بصراعات لم تُكمل،
وبأسرار لم يُسمح لي أن أسميها،
فكتبتها بصوت خافت، هامشي، مراوغ.

لم أكتب "جزءًا ثانيًا"،
لكنني هرّبت النغمة في الهامش،
كتبت بالماء،
وخبأت القصة في فتات الكلام،
كأنني أخاطب من يفهم دون أن أُشير،
وأُراوغ الغضب بالمحبة،
وأُواصل الحكاية كما تُروى في المجالس لا في المجلدات.

الكاتب، في مجتمعاتنا، لا يُغفر له أن يرى،
ولا يُعذر إذا كتب،
ولا يُسامَح إن اقترب من الحقيقة أكثر مما ينبغي.

لكنني كنت أعرف، في داخلي،
أن ما كتبته لم يكن انتقامًا ولا فضحًا،
بل كان نداءً أخيرًا للذاكرة،
محاولة أن أُنقذ مَن أحببت من النسيان،
وأكتب الوجوه كما عرفتها، لا كما أرادوها أن تُعرض.

قد يُمنع الكاتب من أن يعلن،
لكن لا أحد يمنعه من أن يقول... بطريقته.

أنا لم أتوقف عن "شارع العَزَب"،
أنا فقط كتبتها كما لا يراها الغاضبون.
كتبتها كما أراها،
وكما يجب أن تُروى،
وكما لا يجرؤ آخرون على قولها.

وسأكتب،
ما دام في القلب شارع،
وفي الخيال جدار،
وفي الذاكرة وجهٌ لم يُحكَ بعد.

شريف محيي الدين إبراهيم
الإسكندرية، ٢٠٢٥


---

ملاحظات النشر:

الرواية نُشرت عن دار "إضافة"

وظهرت أيضًا كحلقات متسلسلة في "نادي القصة السعودي".

تضمنتها "أنطولوجيا السرد العربي"

كتب عنها عدد من النقاد البارزين،

وعقدت حولها ندوات وجلسات نقاش،

لكنها ظلت، كما أراد لها كاتبها:
قصة حقيقية متنكرة في ثوب الخيال

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى