د. أحمد الحطاب - روح العصر

ما أقصدُه، من خلال عنوان هذه المقالة، هو أن ما يطمح له البشرُ، بصفة عامة، هو أن يكونَ واقعُنا المعاش، أو إن شئنا، أن تكونَ حياتُنا اليومية، بجميع مظاهِرِها الاجتماعية، الفكرية، الثقافية، الاقتصادية، الحضارية… مُطابقةً لروح العصر، أي تتناسب مع الواقع وما يحدثُ فيه من تطوُّرٍ وتقدُّم.

علما أن ما أقصدُه ب"روح العصر"، هو ما هو سائدٌ، في عصرنا الحاضر، من طُرقٍ عقلانية ومنطقية في التفكير والثقافة، أي طرق تستجيب لِما تفرضُه العقول النَّيِّرة والمُيتنيرة من بُعد نظرٍ وتبصُّر وتمعُّنٍ وتفكُّر وفكرٍ نقدي. وبعبارة أخرى، "روح العصر" يمكن اختزالُها في الطريقة السائدة التي يُفكِّر بها الناس وتنعكِس على سلوكهم وتصرُّفاتِهم داخلَ المجتمعات.

وهنا، لا تفوتني الفرصة لأقول إن لكل فترة من تاريخ البشرية، زماناً ومكاناً، "روح عصرِها" السائد، فكرياً وثقافياً. ولهذا، لا يمكن، على الإطلاق، أن نُقارِنَ "روح عصر" الإنسان العاقل البِدائي ب"روح عصر" الأجيال الحاضرة. هناك فرق شاسع لا من حيث طريقة التَّفكير ولا من حيث طريقة التثقيف. التفكيرُ والتثقيفُ كانا، آنذاك، مُتطابقين مع ما يُحدِثه الإنسان العاقل البدائي من تغييرات في واقع عيشه اليومي. وهذه التغييرات كانت بسيطةً جدا، إذ كانت تنحصر في مواجهة الظواهر الطبيعية لضمان البقاء على قيد الحياة pour garantir sa survie وضمان قوته اليومي. أما الإنسان العاقل المُعاصر، فتفاعُلُه، فكريا وثقافيا، مع واقعه اليومي، مكَّنه من إدخال تغييراتٍ كثيرةٍ ومتنوِّعةٍ على هذا الواقع، وبالتالي، تجاوز مرحلَةَ البقاء la survie وانتقل إلى مرحلة إعمار المجتمعات le peuplement des sociétés.

بعد هذه التَّوضيحات التي ستُمهِّد لي الطريقَ للحديث عن "روح العصر" بتفصيل، السؤال الذي فرضَ نفسه علي، هو : "هل مُجتمعاتُنا الأمازيغية/العربية والإسلامية تبنَّت "روحَ العصر" وأصبحت لها طريقةُ تفكير جديدة، بعيدة كل البُعد عن الببغائية والتقليد الأعمى والاجترار والتِّكرار والتَّنميط…؟

الجواب على هذا السؤال، هو لا ثم لا ولا شيءَ غير لا! لماذا؟ لأن الأسبابَ التي تمنع المجتمعات الأمازيغية/العربية والإسلامية من تَبَنِّي "روح العصر"، لا تزال قائمَةً. من بين هذه الأسباب، أذكر على سبيل المثال، السبب الأول، وهو صعوبة تغيير عقليات المجتمع، والسبب الثاني، وهو ضُعفُ أداءِ المنظومة التَّربوية وبُعدُها عن المساهمة في بناء شخصية المُتعلِّمين، والسبب الثالث، وهو هيمنة التَّديُّن السطحي على العقول…

وفيما يلي، سأركِّز مقالتِي على السبب الأول، أي صعوبة تغيير عقليات المجتمع. وهنا، لا بدَّ من التذكير بأنه من المعروف أن المجتمعات، بصفة عامة، رغم تبنِّيها لمظاهر الحداثة المادية، دون استيعابها فكرياً، سياسياً، ديمقراطِياً وثقافياً، تضع نفسَها في وضْعَين متناقضين.

من جهةٍ، الوضع الأول يُبيِّن أن هذه المجتمعات تتبنَّى ظاهرياً كلَّ ما له علاقة بالحداثة، مادياً وليس فكرياً، ومن جهةٍ أخرى، الوضع الثاني يُبيِّن أن عقلياتِ نفس المجتمعات، تبقى مُحَافِظة conservatrices، رغم تبنِّيها لمظاهر الحداثة المادية. فما هي المُحافظة le conservatisme؟

وهنا، يتحتَّم علينا أن نُميِّزَ بين "المُحافظة" في مجال السياسة و"المحافظة" في مجال الدين.

في مجال السياسة، "المُحافظة" تتمثَّل في التَّشبُّثِ بالأعراف وبالقيم وبالمؤسسات التقليدية. بمعنى أن البنيات الاجتماعية les structures sociales والثقافة المُكتسبة la culture acquise لهما تأثير على محرى السياسة. وإذا اعتبرنا أن هذه الأخيرة هي الوسيلة التي تُدبَّر بها شؤونَ المجتمعات، فكل الجهات أو التيارات السياسية لها منظورٌ خاص بها، ومن مُنطلقِه، تدبِّر هذه الشؤون. ولهذا، فالتيار السياسي المحافظ يعطي أهميةً لما كان سائدا في الماضي من تدبير.

أما في مجال الدين، "المُحافظة" تتمثَّل في التشبث بالتُّراث الفقهي الإسلامي الذي أنتجه، منذ قرون مضت، علماءُ وفقهاءُ الدين القدامى. وهو تراثٌ يُجمِّد العقولَ ويمنعها من التَّفكير، والدين، في هذا التراث الفقهي، مبنيٌّ على التَّخويف والتَّرهيب والتَّرعيب. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارةُ إلى أن تديُّنَ الأغلبية الساحقة من المسلمين مستمدٌّ من هذا التراث. بل أغلبية هذه الأغلبية الساحقة تستمِدُّ تديُّنَها من توارث التَّديُّن وليس الدين، كما هو منصوصٌ عليه في القرآن الكريم. وبالتالي، فإن هذه الأغلبية لا تفقه في الدين إلا ما تم تقليدُه، بكيفية عمياء، من الأباء والأمهات.

ولهذا، فمن الصعب أن تتبنى، فكرياً، المجتمعاتُ الأمازيغية/العربية والإسلامية" "روحَ العصر". وأقول وأعِيد وأُكرِّرُ "أن تتبنى، فكريا". لماذا؟ لأن "المُحافظةَ"، لا في المجال السياسي ولا في المجال الديني، هي، أولاً وقبل كل شيءٍ، تيارٌ فكري un courant de pensée. وهذا التيار الفكري يُولِّد عند هذه المجتمعات نوعا من المقاومة لكل ما هو جديد أو مُخالِف لما تعوَّد عليه الناسُ. وبالتالي، فمجتمعاتُنا الأمازيغية/العربية والإسلامية تبقى سجينَةَ "محافظتِها". لماذا؟

لأنها ليست لها الجرأة الفكرية لمواجهة الجديد، ما دام تديُّنُها مبنياً على التَّخويف، أي أن جل أفراد هذه المجتمعات تخاف أن يضيع منها مقامها في الجنة. والله، سبحانه وتعالى، يقول في الآية رقم 69 من سورة المائدة : "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".

في هذه الآية الكريمة، اللهُ، سبحانه وتعالى، لا يُفرِّق بين المسلمينَ واليهود والمسيحيينَ والصابئين (مَن تركوا دينَهم الأصلي واعتنقوا الإسلامَ) على قدم المساواة من حيث جزائهم في الآخِرة. يكفي لهؤلاء الناس أن يؤمنوا بالله وباليوم الآخر ويقومون، في دنياهم، بالأعمال الصالحة، ليطمئنوا على مصيرهم يوم الحساب.

والأعمال الصالحة هي التي ينتفع بها شخصٌ ما وينفع بها غيرَه. والأعمال الصالحة مُتنوٍِعة وكثيرة. والله، سبحانه وتعالى، وهب العقلَ للإنسان ليتمكَّن من التَّمييز بين ما هو صالحٌ من الأعمال وبين ما هو طالحٌ منها.

وحتى يطمئن الناسُ على مصيرهم يومَ الحساب تكفيهم ثلاثة أشياء (...مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا…)، حيث، سبحانه وتعالى، لم يذكر لا الصلاةَ ولا الزكاةَ ولا الصيامَ ولا الحجَّ. والإيمان بالله ينطلق من العقل، أي أن يكونَ هذا الإيمان مُترسِّخا فكريا في نفس الإنسان. ومَن آمن بالله، فإنه، لا محالة، يؤمن باليوم الآخر. والإيمان بالله يحثُّ المؤمنَ على القيام بالأعمال الصالحة.

ونفسُ الشيء أشارَ إليه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 62 من سورة البقرة التي نصُّها : "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".

ولهذا، فكلُّ مؤمنٍ بالله وباليوم الآخِرِ، يكفيه أن يقومَ بعملٍ صالحٍ فيه نفعٌ للبشرية جمعاء، لينالَ أجراً عند الله، يوم الحساب، بل ليكون مطمئناً في نفس يوم الحساب.

والأعمال الصالحة، كما سبق الذكر، كثيرةٌ ومُتنوِّعة. غير أنه، في نظري، أن أهم هذه الاعمال، هي تلك التي تعود بالنفع على البشرية جمعاء. والأعمال التي عادت وتعود وستعود بالنفع على البشرية جمعاء، لا حصر لها، علما أنها كلها من إنتاج العقل البشري. والاختراعات والاكتشافات التي عرفتها البشريةُ في القرون الثلاثة الماضية وانتفعت بها ومنها، تدخل في نِطاق "الأعمال الصالحة". و"الأعمال الصالحة" تسعى كلها إلى تحسين ظروف عيش الناس.

هذه هي "روح العصر" التي تفيد ويُستفاد منها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى