لطيفة زهرة المخلوفي - النساء والتضامن مع المعتقلين: من الألم إلى الأفق السياسي.

في خضم موجة الاعتقالات الواسعة التي طالت آلاف الشباب في المغرب، خاصة بعد تصاعد الاحتجاجات الرقمية والميدانية المطالبة بالعدالة الاجتماعية وحرية التعبير، برزت النساء، وعلى رأسهن الأمهات، كفاعلات أساسيات في مشهد تضامني جديد. لم يكن هذا الحضور مجرد امتداد لعاطفة أمومية، بل تحوّل تدريجيًا إلى ممارسة سياسية غير مؤطرة، تتحدى الأشكال التقليدية للتنظيم، وتعيد تعريف السياسة من موقع التجربة الحية. فهل نحن أمام لحظة تأسيسية لسياسة من نوع جديد؟
في البداية، بدا حضور النساء أمام مخافر الشرطة والمحاكم طيفًا من الانتظار الصامت. لكن هذا الانتظار، الذي قد يُقرأ عادة كفعل سلبي، انقلب إلى طاقة أخلاقية تتراكم في الفضاءات العامة والرقمية. هنا، يتحول الجسد المنتظر إلى موقع مقاومة، وتصبح العاطفة الأمومية مدخلاً لتسييس التجربة اليومية. إن ما نراه ليس مجرد رد فعل على القمع، بل فعل تأسيسي لسياسة جديدة تنبني على الرعاية كقيمة سياسية، لا على الخطاب كأداة هيمنة؛ على الحميمية كأفق، لا على السيطرة كغاية.
ما يميز هذه اللحظة هو تشكّل شبكة تضامنية نسائية تتجاوز الانتماءات التنظيمية التقليدية. الأم العاملة، الطالبة، ربة البيت، الجارة، المعطلة...الخ. جميعهن يلتقين في تجربة الانتظار، ويتحول هذا اللقاء إلى نواة لبنية اجتماعية جديدة. إنها شبكة عاطفية/اجتماعية تتأسس على "الخبرة المشتركة"، لا على الأيديولوجيا، وتعيد وصل ما فرقته عقود من السياسات النيوليبرالية.
إن التصورات النظرية حول التضامن القاعدي المبني على التجربة، ليس مجرد تنظير أكاديمي، بل تجسد عمليا في السياق المغربي، حيث يمكن استحضار مفهوم التضامن كما طورته وأعادت تعريفه شاندرا موهانتي وقد سبق وأسهبنا في بسط وتفكيك خطوط أطروحتها، ونوجزها في تأكيد أن التضامن النسوي لا ينبني على التشابه أو التماثل، بل على الاعتراف بالاختلاف والتجربة المشتركة في مواجهة أنظمة القهر. إنه تضامن يتجاوز حدود التمثيل ويمنح التابع صوتًا، هذا الأخير الذي يخلق تضامنًا مبنيًا على الفعل الجماعي والتعلم المتبادل، وعلى إنتاج معرفة بديلة من الجنوب العالمي. ولعل تجربة نساء إيميضر، والنساء السلاليات ومعركة عاملات سيكوم سيكوميك صور حية لكيف يهندس الألم مواقع المقاومة.
لا يقتصر مفهوم التضامن على البعد الأخلاقي أو العاطفي، بل يتأسس، كما أشارت موهانتي، على ما تسميه "التحالفات المعرفية"(epistemic alliances)، أي تلك الروابط التي تنشأ من تبادل الخبرات والمعارف بين نساء يعشن أشكالًا مختلفة من القمع، لكنهن يطوّرن أدوات مشتركة للفهم والمقاومة. هذه التحالفات لا تقوم على التماثل، بل على الاعتراف بالاختلاف كقوة بنائية، وتُعيد تعريف السياسة من موقع التجربة، لا من موقع الخطاب الرسمي.
إلى جانب موهانتي، برزت أعمال "جوان ترونتو"، إحدى أبرز منظّرات أخلاقيات الرعاية في الفكر السياسي النسوي. دعت "ترونتو" إلى اعتبار الرعاية ممارسة سياسية مركزية، لا مجرد شأن خاص أو عاطفة نسائية. وأكدت أن الرعاية تمر بخمس مراحل: الاهتمام، تحمل المسؤولية، تقديم الرعاية، استقبالها، وأخيرًا "الرعاية معًا" كقيمة ديمقراطية جماعية. هذا النموذج يتحدى الثنائية الكلاسيكية بين العام والخاص، ويُعيد تعريف الفضاء السياسي من منظور نسوي جذري.
بالنسبة لترونتو، الرعاية تعني الحفاظ على العالم وإصلاحه حتى يتمكن الناس من العيش فيه بأفضل شكل ممكن. وهذا ما تفعله النساء في سياق الاعتقال: يعتنين بالمعتقلين، بالفضاء العام، وببعضهن البعض، ويحوّلن الهشاشة إلى قوة تنظيمية.
إن حضور أم ناصر الزفزافي، أمام الكاميرات، ترجم ما سمته "ترونتو" "الرعاية كفعل ديمقراطي جماعي"، حيث يتحول الألم إلى أداة لإصلاح العالم.
هذا الإطار النظري يعزز فهمنا للتضامن النسوي القاعدي كفعل يومي يعيد بناء السياسة من الأسفل، ويمنح الرعاية موقعًا سياسيًا يعادل البيان والاحتجاج، بل يتفوق عليه في قدرته على الاستمرارية والتجذر.
الحقيقة أن هذا التحول ليس جديدًا تماما، بل له جذور تاريخية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين تأسست حركة عائلات المعتقلين السياسيين سنة 1972، إثر الاعتقالات التي طالت مناضلي منظمة إلى الأمام، 23 مارس، لنخدم الشعب. وتشكلت نواتها من النساء اللواتي واجهن القمع أمام السجون والمحاكم، فتحوّلن إلى مشتبكات بقوة وصلابة. وقد وثقت الكاتبة والمناضلة "حليمة زين العابدين" هذه التجربة في روايتها "هاجس العودة"، والتي تُعد سيرة جماعية لحركة النساء، وتؤرخ بأسلوب أدبي لتجربة الصمود والتضامن، حيث تقول: "لم يكن همي أن أكتب عن نفسي بقدر ما كان همي أن أكتب عن تجربة جماعية، وانصهار الجماعة التي شكلت منه أنا واحدة."
من الريف إلى سوس، ومن فاس إلى الدار البيضاء، تتعدد وجوه التضامن النسائي، لكنها تلتقي في جوهرها: تحويل الألم إلى فعل، والعزلة إلى شبكة.
تتيح هذه الشبكة إمكانات غير مسبوقة للعبور الطبقي داخل النضال النسوي. فحين تلتقي الأم العاملة التي تناضل من أجل ابنها، مع الطالبة التي تكتشف أن حريتها مرهونة بحرية غيرها، يتشكل وعي طبقي جديد، لا يقوم على الخطاب، بل على التجربة. هذا العبور يعيد تعريف النسوية من موقع التضامن الحي، لا من موقع النخبة أو التنظير المجرد؛ من موقع الندية، لا الزعامة.
في هذا السياق، برزت شهادات الأمهات والزوجات كأدوات مقاومة ومعرفة. حيث نُقل عن أم عمر الراضي، خلال إحدى الوقفات التضامنية سنة 2020، أنها قالت: "نحن لا نطلب سوى العدالة، ابني ليس مجرمًا، بل صحافي يطالب بالكرامة."
أما في حالة حراك الريف، فقد شكّلت أم ناصر الزفزافي نموذجا صارخًا لهذا التحول. ظهرت في مقاطع مصورة وهي تبكي بحرقة، مطالبةً بالكشف عن مصير ابنها بعد اختفائه عقب اقتحام منزلها من طرف قوات القمع. صرخت أمام الكاميرات: "فين ولدي؟ واش حي ولا ميت؟"، في لحظة جسّدت فيها العاطفة الأمومية كقوة سياسية، لا كضعف. لم يكن حضورها مجرد تعبير عن الحزن، بل فعلًا احتجاجيًا يطالب بالحق في الحياة والكرامة. وبعد صدور الحكم القاسي بالسجن عشرين سنة على ناصر الزفزافي، وصفت أم ناصر الحكم بـ"الظالم" و"الانتقامي"، معتبرةً أن الدولة أرادت أن تجعل من ابنها وغيره من المعتقلين عبرة لكل من يطالب بالعدالة. وكان تصريحها صرخة مقاومة لا توسل واستجداء:
"المحكمة ظالمة، ظلمت ولادنا. ولادنا خرجو على ملف مطلبي ماشي نهبو ولا قتلو باش يحكمو عليهم. الاحكام قاسية. ولدي وجميع المعتقلين رجال وأبطال كانفتخرو بهم. ما خلاو ما لصقو ليهم ولينا انفصاليين وغيرو. حنا مغاربة، بغينا لحقوق ديالنا، كلمة الحق تساوي 20 عام ديال الحبس".
هذه الشهادة وغيرها تختزل التحول من الألم الفردي إلى الفعل الجماعي، من الخوف إلى الجرأة، ومن الانتظار إلى السياسة. فالأمهات يتكلمن عن أبنائهن بصيغة الجمع، لأن المصير مشترك والتجربة واحدة.
تحولت أم ناصر إلى زعامة جماعية غير رسمية في ملف معتقلي الريف، بُنيت على الألم المشترك، لا على الخطاب السياسي، وصارت رمزًا للأمهات المناضلات في الريف، حاضرة في الوقفات، صامدة في وجه القمع، وواضعة علم الحداد على سطح منزلها في كل عيد. كأنها تحفظ ذاكرة ابنها وغيرها من معتقلي الريف، وتصرخ بشكل ضمني أن الفرح مؤجل الى حين اندمال جراح العقاب الذي جاء بعد حراك الريف. لأجل كل هذا مثّلت صوتًا جمعيّا لأمهات المعتقلين.
وبعد وفاة زوجها أحمد الزفزافي سنة 2025، الذي كان بدوره صوتًا قويًا في الدفاع عن ابنه، ازدادت مناشداتها من أجل حرية ناصر، خاصة بعد تدهور حالتها الصحية.
تلك اللحظة لم تكن فقط لحظة حزن عائلي، بل لحظة سياسية بامتياز، جسّدت فيها الأم حضورها كفاعل سياسي، لا كضحية.
أما في حالة أم "أشرف أمزيل"، أحد المعتقلين الشباب في احتجاجات جيل زيد، فقد ظهرت ضمن وقفات جماعية رفعت فيها الأمهات شعارات مثل: "أبناؤنا ليسوا مجرمين، بل شباب يطالبون بالكرامة." وإن لم تُنسب هذه العبارة إليها مباشرة، فإن حضورها في الفعل الجماعي يجسد ما تسميه موهانتي بـ"التحالفات المعرفية"، حيث تُبنى السياسة من التجربة المشتركة، لا من التنظير المجرد.
هذه الشهادات، وإن كانت غير موثقة رسميًا، تُعد مصادر حية للمعرفة السياسية البديلة، وتستدعي إنشاء أرشيف نسوي للتجربة، يوثق هذه اللحظات ويمنحها شرعية تاريخية. فالرعاية هنا ليست فعلًا خاصا، بل ممارسة مقاومة تعيد بناء السياسة من الأسفل، وتمنح التضامن موقعًا مركزيًا في تصور جديد للحرية.
لكن هذا الفعل التضامني، رغم قوته الأخلاقية، يواجه تحديات تنظيمية ملموسة: الأوضاع الاجتماعية الهشة للأسر التي أفقدها الاعتقال أو الاستشهاد معيلها الوحيد، الرقابة القمعية، التشتت بين المبادرات، وصعوبة التنسيق بين الأجيال. الطابع اللحظي الذي يسم تعامل الشارع الاحتجاجي مع الاعتقالات. حيث لا تتحول إلى محفزات بناء فعل بل كوابح للفعل. مما يفتح المجال نحو مزيد من توغل وتغول نسق القمع والسجون.
هذه العقبات من الضروري فتحها لتكون مساحات للتفكير الجماعي، وبحث آليات للتوثيق والتراكم؛ فالمهام الآنية لا تقتصر على الدعم، بل تشمل بناء أرشيف نسوي للتجربة، تطوير خطاب سياسي بديل، وتأسيس شبكات مستقلة وأدوات تنظيمية قاعدية، قادرة على الاستمرار خارج منطق الأزمة.
من بين المقترحات الممكنة: إنشاء منصة رقمية مفتوحة مثل "أرشيف النساء في المقاومة"، تجمع شهادات بالصوت والصورة وتُبنى على مبدأ حفظ الذاكرة والمشاركة الجماعية. كما يمكن التعبئة لتنظيم لقاءات نسوية قاعدية في الأحياء الشعبية خاصة بين عائلات وأمهات المعتقلين، ودعم هذه النواة النضالية بحشد تجمعات داعمة، حيث تُبنى الثقة وتُصاغ اللغة المشتركة. ومن المهم التفكير في إمكانيات تطوير أدوات بيداغوجية لتعليم شعبي موازي يعلم التضامن السياسي من منظور نسوي، مثل كتيبات مصورة، ورشات تفاعلية، ومناهج بديلة تُدرس في الفضاءات غير الرسمية.
لقد امتلك "جيل زيد" أدوات رقمية حادة وقدرة على الانتشار، لكنه افتقر أحيانًا إلى العمق التاريخي. في المقابل، تحمل الأمهات ذاكرة الصبر والمراكمة، وهي ذاكرة نضالية صقلتها سنوات من الوقوف أمام أبواب السجون، كما فعلت نساء حركة 1972، اللواتي تحولن إلى مناضلات محترفات، وكرّسن حياتهن للنضال ضد عنف الدولة. حين يلتقي الطرفان، يتشكل تحالف عضوي بين السرعة والعمق، بين الغضب اللحظي والقدرة على الاستمرارية. هذا التحالف قد يكون لحظة تأسيس لسياسة جديدة، لا تُبنى على الزعامة، بل على التضامن كفعل سياسي.
لقد تحولت المنصات الرقمية إلى فضاءات بديلة للتنظيم والتوثيق، حيث تنسج النساء سردياتهن، وتبنين أرشيفًا حيًا للمقاومة اليومية، من خلال التدوين، والبث المباشر، والمجموعات المغلقة التي تحولت إلى خلايا دعم وتنسيق. هذه الفضاءات لا تعوض الشارع ولا يمكن اعتبارها متجردة من الرقابة والتحكم، لكنها مع ذلك توسع إمكانيات الفعل وتمنح التضامن امتدادا غير مرئي لكنه فعّال.
إن ما نطمح لتشكله اليوم ليس مجرد حركة دعم للمعتقلين، بل مدرسة سياسية جديدة. فكل لقاء بين أم وأخرى، بين زوجة عامل وطالبة، هو لحظة تربية سياسية، حيث يتحول الحزن إلى وعي، والوعي إلى فعل. في هذا السياق، يغدو التضامن نفسه أداة لإعادة تعريف السياسة، لا كصراع على السلطة، بل إعادة تعريفها خارج حدود القمع والاستبداد، لتغدو جسرا لصناعة المصير المشترك بملامح اكثر عدالة وحرية.
النساء لا ينتظرن، بل ينسجن بصمت نواة الحياة القادمة. حياة تُبنى على الرعاية كقوة بنائية، لا السيطرة كأداة إخضاع؛ على مد الجسور كمساحات عبور، لا على القلاع كرموز عزل. إن ما يجب فتح الافاق الرحبة لتحفيز تشكله اليوم هو نواة لسياسة جديدة، تنبع من الجسد، من الألم، من التجربة، وتعيد للسياسة مادتها الأولى: الإنسان.
فهل يمكن لهذا التضامن أن يتحول إلى مشروع سياسي جماعي؟. وهل فسيفساء نضالنا قادرة على إعادة تعريف السياسة من موقع الألم، وتحويله إلى قوة بنائية؟
ربما لا تكمن الإجابة في التنظير وحده، بل في مزيد من تصلب قدرة النساء على تحويل الانتظار إلى فعل، والفعل إلى تنظيم، والتنظيم إلى أفق جديد للحرية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى