د. علي زين العابدين الحسيني - اختار الفقيه لا المذهب

استمعتُ بالأمس إلى لقاء ماتع لصديقنا العزيز العالم الفاضل الدكتور أحمد ممدوح، وقد استوقفني فيه قوله إنه كان يقرأ الفقه الحنفي على العلّامة الشهير أحمد فهمي أبو سُنة، مع أنه شافعي المذهب. وقد علّل ذلك بأنه لم يكن يتتبع الأحكام الفقهية لأخذها، وإنما كان يدرس عند الشيخ طريقته في الشرح وكيفية عرضه للمسائل وبنائه للأفكار.

وهذه لفتة ذكية تستحق الإشادة، فإن معرفة طرائق الكبار في التعليم هي السبيل الأقوم لإحياء البناء الفقهي كما كان، بناء يقوم على الفهم المتدرج، لا على الحفظ المجتزأ، وليست العبرة دائمًا في المعلومة ذاتها، فقد يكون الحصول عليها سهلًا، وإنما المهم في الطريقة التي تُبنى بها العقول، وتستخرج بها المسائل.

على أن الطريق إلى التفقه مرسوم المعالم استقرّ في طريقة الأساتذة العلمية: يبدأ من المتون المختصرة، ثم ينتقل إلى ما يناسب طلاب المرحلة المتوسطة، فإلى ما يُعدُّ للمتمكنين والمنتهين. وهذا المنهج هو الأساس، ولا يصح الخروج عليه إلا في حالات نادرة، حيث تُمنح بعض العقول ملكةً سريعة في الفهم، فتقطع ما يقطعه غيرها في سنين.

لكنّ هذه الندرة لا تُبنى عليها القواعد، ولا يُعوَّل عليها في التعليم، فالتدرج في طريقة التفقه جوهريّ؛ لأن العقل لا يثبت إلا إذا تدرب، ولا يحسن إلا إذا تدرّج، ولا ينتج إلا إذا تمرّس.

ومن كان مشتغلاً بالتدريس، وهو لم يشتدّ عوده في الطلب، سرعان ما ينكشف أمره؛ فإن الطلبة مع الزمن يميزون الفقيه من الدعيّ، ويعرفون من يتكلم عن علم، ومن يردد ما لا يفقه، فلا تخدعهم سطوة العبارات المنمقة.

والأصل أن يدل الرجل النبيه غيره على أهل الدراية والرسوخ، لا أن يتصدر قبل أوانه، أو يصنع حوله هالة زائفة، وإن ظن في نفسه الكفاءة؛ فالنفس لا تُزكِّي نفسها، وإنما يُعرف الفقيه بمواظبته الطويلة على أهل العلم، وبشهادة من خبر طريقته، لا بورقة إجازة مرقّعة من هنا وهناك؛ إذ ليست الإجازة في ذاتها معيارًا، ما لم يُصاحبها ملازمة حقيقية لشيخ فقيه، عرف بالتدريس، واشتهر بصبره على الطلبة، واستقامة منهجه في التعليم.

فمن جلس للتعليم بعد أن جالس العلماء وصبر على الطلب، وطوّل الملازمة، وتهذب في حضرة الشيوخ هان عليه التكلف، وثبت على الطريق، ومن قفز على السلم فتلك قفزة في الفراغ، سرعان ما تنكشف حقيقتها، ويظهر للناس أن تحت العمامة خواء، وتحت الحماية عجلة.

وقد قلتُ في غير موضع، وأكرّر القول: إن رسم العلم على نهج المتون ومراحله المتدرجة ليس إجراءً شكليًّا، وإنما هو مقصود لذاته، مقصودٌ في أثره النفسي والتربوي قبل أن يكون في محصوله المعرفي. فالعلم ليس جمعَ معلومات فحسب، وإنما هو امتحانُ صبر، وتربية خُلق، واختبارُ جدية. والمدة التي يقضيها الطالب في ملازمة المتون والمشايخ زمنٌ يُنضج النفس، ويُعلّم التواضع، ويصقل الذهن، ويُورّث احترام الدرس ومهابة الشيوخ.

وهذه الثمار لا تُرى في الطالب من أول يوم، لكنها تبدأ ملامحها في الظهور بعد وقت كاف من الملازمة والمرافقة، حين تتبدل اللغة، ويتغيّر المزاج العقلي، ويخبو طيش السؤال السريع، وتستقر في النفس هيبةُ العلم.

وقد كنا -من قبل- نأخذ على بعض الاتجاهات المعاصرة في التعليم أنها تهون من شأن هذا التدرج، وتستعجل القطف قبل النضج، وتتعامل مع العلم كخدمة سريعة لا كمسيرة عمر.

كنا ننتقدهم بمرارة، ونحذر من مغبّة هذه العجلة، واليوم، للأسف، نرى هذه الظاهرة قد تسربت إلى قلب البيت الأزهري، فصار التسرّع في التعليم شأنًا مألوفًا، وصار الجميع مشغولًا بالتدريس، ولو لم يشبع بعد من التلقي.

والمفارقة المؤلمة أن بعض من يُقبلون على التدريس الآن، لو عرضت عليهم هذه الحال قبل سنوات، لأنكروها كما أنكرناها، ولكن التجربة أثبتت أن العجلة مرضٌ إذا لم يُعالج في مهده، سرى حتى في أروقة الوقار، ونقض أصول ما بناه الأوائل.

كيف أنكرنا لسنوات هذا العبث العلمي، ثم وجدنا أنفسنا وقد وقعنا في أسره، بل وساهم بعضُنا فيه وهو لا يشعر؟!

كنا نرى العجلة في التعلُّم طيشًا، والتهوين من التدرج في الفقه خيانةً، وازدحام القاعات بأشباه المعلمين مهانةً لهيبة الدرس… فكنا ننكر، ونكتب، ونغضب، وندعو إلى إعادة الهيبة لطريق العلم.

لكن السنوات دارت، وبدأت العجلة تسري، حتى صارت مألوفة، وشيئًا فشيئًا خفَّ وقعُ الإنكار، وغلب منطق “الجميع يفعل”، فخفنا أن نتأخر في السبق، أو أن يُنسى اسمُنا في زحمة الأسماء، ففعلنا كما يفعلون.

ولم ننتبه أننا كنّا أولى الناس بأن نصبر، وأجدرهم بأن يتمسكوا بالمنهج الأزهري، وأحقهم بأن يصمدوا في وجه التيار، ولو قلّ السائرون معهم.

لقد كان الأزهري -قديمًا- من خلال كتب التراجم يُعرف بصبره على الطلب، وبامتناعه عن التصدر قبل الأوان، وبحرصه على ملازمة المشايخ حتى إذا جلس للدرس جلس على رُشد.

بهذا الإلهام، أشكر أخي العزيز، العالم النبيل الدكتور أحمد ممدوح الذي جاءت كلمته العابرة في ذلك اللقاء البهيّ باعثًا لهذه المعاني، فجزاه الله عن أهل العلم خير الجزاء، وأنصحُ كل طالب حريص ألا يفوّت الاستماع إلى هذا اللقاء، ففيه من الهَدْي الخفيّ، ما لا يُلقّنه إلا من صحب المشايخ عن قرب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى