د. علي زين العابدين الحسيني - نظم منهج الطلاب في سبعة آلاف بيت!

من ذخائر نظم الفقه الشافعي التي وقفت عليها نظم نفيس لمنهج شيخ الإسلام زكريا الأنصاري بعنوان: “عطية الوهاب في نظم منهج الطلاب” للعلامة الفقيه عبدالرحمن بن عبدالغفور البهمني العباسي، من كبار فقهاء عصره، ووجهاء العلماء في ديار فارس.

وقد طُبع هذا النظم طبعة أولى يتيمة في بيروت، تولّى إخراجها حفيده الشيخ محمد بن عبدالغفور بن عبد الرحمن، المعروف بـ محمد مكي، وهو الأخ الأكبر لأستاذنا الفاضل خالد، وقد أكرمني هذا الأخير بنسخة من تلك الطبعة.

غير أنها –مع ما فيها من حفظ لهذا التراث– تفتقر إلى الضبط والتحقيق، وتكثر فيها السقطات والأوهام، وقد حدّثني أستاذنا المفيد الشيخ نظام محمد صالح يعقوبي بعزمه على إعادة إخراج النظم في ثوب يليق بمقامه العلمي، مراجَعا ومدقَّق الأوزان، وقد استعان في ذلك بأحد المشايخ الشناقطة المعروفين بالضبط والإتقان، ولا يزال العمل فيه بحاجة إلى مزيد من التثبيت والمراجعة الدقيقة.

أما من جهة الإسناد فقد قرأتُ بعضه على حفيد الناظم الأستاذ خالد، وقرأ الشيخ نظام يعقوبي كذلك على أخيه الأكبر الشيخ محمد بن عبدالغفور، وسمع منه قطعة صالحة، والاثنان عن والدهما الشيخ عبدالغفور –وهو خال جدّة الشيخ نظام لأمه–، عن والده الناظم الشيخ عبدالرحمن البهمني العباسي، رحمه الله. وهذا إسناد عزيز، محفوظ في بيت علم، متصل بالمصنِّف.

وقد حدثني الشيخ نظام -وأحسبُ كذلك بحسب ما نظرت قديمًا- أن النظم يبلغ قرابة سبعة آلاف بيت، وهو نظم عذب، محكم السبك، سهل الألفاظ، سلس المعاني، لا تملّ مطالعته، ولا يشبع منه أهل الطلب، وهو يستحق أن يُعتنى به تحقيقًا وشرحًا.

هكذا وقع في نفسي حين طالعتُ النظم قبل أكثر من خمس عشرة سنة، أما اليوم فالنسخة بعيدة عني، ولا أدري: أيدوم هذا الإقبال ويثبت هذا الاتجاه، أم تتغير نظرتي إليه إذا ما عاودتُ النظر وأعدت القراءة؟!

غير أن امتداد النظم إلى نحو سبعة آلاف بيت يجعل الاستفادة منه عسيرة في زمنٍ ضعفت فيه الهمم، وخفَّ الإقبال على الفقه، لا سيما على طرائق المتقدمين في الطلب والتحصيل. ولعلّ الله أن يقيّض له شارحًا بصيرًا، يبعثه من عزلته، ويستنقذه من الضياع.

ومؤلفه –رحمه الله– من أقارب أجداد الشيخ نظام لأمه، وله في قلبه موضع علمٍ، وظل رحمٍ، وصلةٌ تجمع بين وشي الفقه والنسب.

ولا يفوتني أن أشير هنا إلى عناية شافعية إيران بمتن "منهج الطلاب"، إذ حدّثني شيخنا، شيخ شافعية عصرنا، العلامة محمد علي سلطان العلماء أن والده العلامة عبد الرحمن سلطان العلماء الخالدي له شرح كبير على المنهج، يقع في خمس مجلدات، وهو محفوظ ضمن مكتبته الخاصة في داره بإيران. ولم يُتَح لشيخنا أن يحمل مكتبته معه عند خروجه منها واستقراره في دولة الإمارات، فظلت حبيسة الجدران هناك، تنتظر من يُخرجها إلى النور ويبعث فيها الحياة.

وقد سألتُ مؤخرًا الدكتور محمد عبّد الرحيم سلطان العلماء بحضرة الشيخ نظام يعقوبي عن هذا الشرح وغيره من تراث أبيه وجده وأعمامه، فأخبرني بأنهم يسعون جاهدين في نقل تلك المكتبة إلى بيتهم العريق بالإمارات، نسأل الله أن يعينهم ويكتب لهم التوفيق.

وإني لأتمنى أن تُكتب دراسة جادة عن المدارس العلمية التي ما تزال تدرّس "منهج الطلاب" وعن شروحه ومنظوماته، ولا تقتصر على ما دُوِّن في فهارس ومراجع متكررة، وإنما تُبنى على دراسة ميدانية، وروايات حيّة، تُؤخذ من أفواه المشايخ، فذلك وحده الكفيل بأن لا تضيع الجهود، ولا تُهدر مصنفات شافعية كهذه في زوايا الإهمال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى