د. محمد الشرقاوي - ترمب: قيصر الحروب أم نبي السلام؟

تتوالى المؤشرات على أن إيران وإسرائيل تتجهان نحو وقف إطلاق النار وفق إعلان الرئيس ترمب ليلة أمس. وقد نجحت الوساطة القطرية في إقناع طهران بهذا الخيار، وأعادت الدوحة فتح مجالها الجوي بعد كابوس أمني مهول يوم الإثنين.
يبدي وزير خارجية إيران عباس عراقجي بعض التحفظ في المسائل التفصيلية دون رفض عرض ترمب كلية، إذ يقول: "إذا أوقفت إسرائيل عدوانها غير القانوني بموعد أقصاه الرابعة صباحا فلن يكون لدينا أي نية لمواصلة ردنا."
في المقابل، أوصى رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو وزراء حكومته بعدم التعليق على عرض ترمب بهدف استكمال اتفاق وقف إطلاق التي تدعو الحاجة الماسة لإسرائيل، أكثر من بقية الأطراف، للتوصل إليه عاجلا وليس آجلا.
من المؤشرات الأخرى أن كلا من الأطراف الثلاثة يستطيع الادعاء بأنه حقق "النصر" وعزز كرامته القومية في هذه الحرب المركبة:
* تلوّح طهران بأنها "ردت" الصاع بالصاع على الرشقات الصاروخية الإسرائيلية وضربت تل أبيب وحيفا في عمق إسرائيل؛
* يعتدّ نتنياهو بأنه "قضى" على الطموحات النووية لدى إيران،
* يتباهى ترمب بأنه "قوض" دعائم البرنامج النووي الإيراني و "أضعف" استراتجية طهران إقليميًا ودوليا.
لا تكمن المفارقة العظمى في أن يتحول ترمب من #قائد_عسكري يأمر بقنبلة المواقع النووية الثلاثة داخل إيران إلى #خطيب_سلام يفتي بالتي هي أحسن فحسب، بل وأيضا أن ينقلب من محرض على #تغيير_النظام في طهران إلى الاقتباس يمن القساوسة والأئمة والحاخامات أدعية بأن يارك الله إيران
يتجاوز هذا الانقلاب المزاجي لدى ترمب الحدود المفترضة لانفصام الشخصية، ويثير فضولَ علماء النفس السياسي للبحث في ما هو أبعد من الحربائية والنرجسية وتضخم الأنا وفرض الواقع المتخيل على الواقع الحقيقي وبقية النزعات الترمبية التي تكتسح وسائل الإعلام. ويتنافس ترمب مع نفسه في أن موضوع الأخبار وموضوع الجدل وموضوع متاهة كل من التفسير والتأويل. وأقرّ بأن تصريحات ترمب وقرارته خلال الأيام العشرة الماضية تنسف كل منطق بشري يعتمده التحليل أو الاستشراف.
كنت من المتمسكين بأنه لن يجازف بضرب أراضي إيران لعدة اعتبارات: ١. مناداته المتكررة بمقولة "أمريكا أولا"، وعدم الإتفاق العسكري على حروب في مناطق بعيدة عن أراضي الولايات المتحدة، ٢. تعهده المتواصل منذ 2016 بأنه "رجل سلام"، ومهندس صفقات السلام خلال أربع وعشرين ساعة (وعوده بشأن حرب اوكرانيا وحرب غزة)، و ٣. اهتمامه الرئيسي بالصفقات المالية والاستثمارات الأجنبية في أمريكا.
تبين الآن أن لكل قاعدة استثناء في العقل الترمبي، وأن "إسرائيل أولا" تسبق "أمريكا أولا". ولولا حاجة إسرائيل للسلام الآن، ولولا حاجة نتنياهو لمخرج من المطب الحالي، اما غير ترمي لهجته إزاء الإيرانيين.
العبرة الرئيسية من كل هذه الأمزجة المتنافرة والمتداخلة في رأس ترمب تكمن في السؤال التالي: هل تقتنع العواصم العربية، وخاصة حامية مشروع التطبيع من القاهرة وعمان، ومن أبو ظبي والمنامة إلى الخرطوم والرباط، بأن مزاج ترمب أكثر تقلبا من طقس لندن؟ وقد حان الوقت لتحيين القراءات الإماراتية والبحرينية والسودانية والمغربية بأن الرجل لا عهد له ولا ثبات له على أي مبدأ. ولا غرابة في أنه إذا قام نيكولو مكيافيلي من قبره اليوم، لرمى كل أوراقه ونسف كافة أفكاره، ليبدأ من جديد في كتابة مؤلف أهم بعنوان "الترمبية والميكيافيلية: تأصيل جديد في الأصل والفرع".!







تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى