في كتابه «في امتداح القارئ السيّئ» (2021)، ينصرف ماكسيم ديكو إلى إعادة نظر عميقة في وضع القارئ. لم يعد «القارئ السيّئ»، بالنسبة إليه، متعلّقا بحكم قدحي بتاتا، إنّما هو يُعيّن كيفية خاصّة في القراءة، انحرافا متعمّدا عمّا يُعتبر، تقليديا، نموذجا «للقراءة الجيّدة».
انحاز النقد الأدبي، لزمن مديد، إلى جانب هذه القراءة الأخيرة. فامبرتو إيكو يستحضر، بوجه خاص، صورة القارئ النموذجي، هذا المخاطَب الضمني الذي يتوجّه إليه المؤلف بنصّه في المقام الأوّل. ثمّة مفاهيم أخرى تندرج ضمن هذا الخطّ: القارئ المتفوّق، القارئ المفترض وكثير من الأوجه المثالية. من جانبه، يختار مكسيم ديكو أن يُسمع صوتًا نشازا: صوت القارئ السيّئ، الذي يرفض – أو لا يستطيع ــ الاندماج ضمن الصورة النمطية للقارئ المثالي.
لم يتوقّف التقليد الأدبي، في واقع الأمر، عن شجب صورة هذا القارئ المنحرف. تجسيدان أصبحا لهما مغزى في هذا الصدد: دون كيخوطي وإيما بوڨاري، قارئان شغوفان إلى حدّ العمى، جنى عليهما خيالهما إلى درجة فقدان العقل، إن لم تكن خسارة الحياة. وُلدت تعاستهما من تماهيهما التام مع الشخصيات التي يصادفانها أثناء القراءة. وبذلك يصير التّماهي أوّل شكل من أشكال القراءة السيّئة. وفي هذا الصّدد، يلاحظ ديكو ظهور «موجة من الروايات التي تدين القرّاء المستلبين، العاجزين عن التّمييز بين الخيال والواقع»، وهي موجة واسعة النطاق لدرجة أنّها يمكن أن تشكّل، في رأيه، «نوعًا أدبيًا قائمًا بذاته». ويستشهد، من بين روايات آخرى، برواية شارل سوريل (1602 ـ 1674) «الراعي المسرف Le berger extravagant »، ولكنّه لا يستشهد بمعاصره بول سكارون (1610 ـ 1660) الذي يقدّم في روايته «القصّة المضحكة Le roman comique» تحليلاً دقيقًا ومتقنا لهذه المشكلة. في هذا الكتاب، يعرض سكارون تصنيفًا للقرّاء: من ناحية، القارئ المنقاد - الساذج، وبالتالي القارئ السيّئ - ومن ناحية أخرى، القارئ المحتاط، الحذر، الماكر، المرتاب.
القراءة السيّئة، من زاوية نظر مكسيم ديكو، وتحديدا لأنّها شخصيّة، حميميّة، متحرّرة من المعايير، يمكنها أن تكون مثمرة بصورة مدهشة. حتى أنّ هذا القارئ غير المنضبط والمتمرّد يتفوّق على القارئ النموذجي من جهتي الاستمتاع أو الإبداع. تمكّنت هذه الشخصيّة الناقصة وغير المثالية، في القرن العشرين، أن تسمع صوتها. ليس التفسير الصارم والمنهجي هو دوما الكيفية الأكثر صوابا أو حيوية لاستيعاب نص ما. ربّما حتى القارئ السيّئ، من يقرأ بحساسية مفرطة مبالغ فيها، مع احتمال الوقوع في تأويل مضاعف، يخرج أكثر نموّا، مغتنيًا بهذا الانغماس الخطر في المغامرة الأدبية.
وفقًا للمؤلف، هناك عدّة مسارات تؤدّي إلى هذه القراءة السيّئة. هناك أوّلا «القراءة الغرامية»* والتي يتحوّل فيها المؤلّف إلى معبود وموضوع للتّبجيل يهيّئ شروط «قراءة سيّئة» مثالية. ثمّ هناك «القراءة المبغضة»، حين يُسقط القارئ أحكامه المسبّقة على العمل، ويُكرهه على تبنّي معتقداته الشخصية.
لتشجيع هذا التوجّه القرائي المبتدع وغير التقليدي، يقترح مكسيم ديكو «أن تقرأ وأنت تنظر إلى الأعلىlire le nez en l’air». يتعلّق الأمر بقراءة حثيثة، متقطّعة، شكل من أشكال حريّة مسؤولة يمكن تطبيقها على أعمال معيّنة. تساءل بارط «هل سبق لأحد أبدا أن قرأ بروست، بلزاك، الحرب والسّلام كلمة كلمة؟». تسمح هذه الممارسة بالقفز على وصف، على فقرة، بل على فصل برمتّه. تتحوّل صورة العمل حينئذ، ويمكن للقراءة المتشكّلة على هذا النّحو، أن تكون مميّزة بنفس قدر، إن لم يكن أكثر، تلك التي يقوم قارئ يحبّ أن يقرأ بطريقة نسقيّة.
يدعونا المؤلف أيضًا إلى ممارسة قراءة «في كلّ الاتّجاهات». قراءة متسكّعة، تقتضي التّطواف من صفحة إلى أخرى، من عمل إلى آخر، لمجرّد متعة البقاء بين الكلمات. كلّ صيغة من صيغ القراءة التي يطرحها مكسيم ديكو موضّحة بأمثلة محدّدة مقترضة من أعمال أدبية أو من تجارب كتّاب عظماء. تأخذ دراسته شكل مكتبة حيّة، تتردّد فيها الكثير من الإحالات.
تثير هذه القراءة، بالنسبة إليّ، عددًا من الاستفهامات. ما هي إذن «القراءة الجيدة»؟ يميّز أنطوان كومبانيون في كتابه «شيطان النظرية» بين من يراعون القراءة القصدية وبين من يرفضونها، أي «المناهضين للقراءة القصدية». هل تتمثل القراءة الجيّدة في البحث عن المعنى الذي قصده المؤلّف، أم بالأحرى إخراج كلّ الاحتمالات الكامنة في النص؟ هل ينبغي على القارئ أن يقصد المعنى أم المعاني؟
يمكن للقراءة السيّئة بالمعنى الذي أعطاه لها مكسيم ديكو، أن تكشف عن ثراء لا يتصوّر على الصعيدين الإيديولوجي والقيمي. بل إنّها قد تفتح منظورات للنص غير مطروقة. أفكّر هنا في القراءات المتعدّدة التي يمكن إجراؤها بصدد عمل مكتوب في مكان بعيد، في عصر فائت. غالبا ما يؤدّي اختلاف الزمان والمكان إلى انبثاق معان جديدة. فالقارئ المغربي، على سبيل المثال، لا يتوفّر على نفس أدوات التأويل ــ متاع ثقافي، أخلاقي، أدبي ــ كما القارئ الفرنسي أو الياباني. كلّ هؤلاء القرّاء «الغرباء» عن عالم المؤلّف يمكنهم لذلك أن ينتجوا «قراءات سيّئة» بارعة.
* (ملحق من وضع المترجم)
«لا يمكن اختزال القراءة السيّئة إلى مجرّد قراءة خائبة. إنّها قراءة تسلك مسالك منحرفة، لا تُعطى لها قيمة والتي، في غالب الأحيان، يتمّ التّقليل من شأن قدراتها الإبداعية. أحثّكم على اقتفاء أثر هذه القدرات. لأجل هذا من الملائم إدراك أنّكم أحيانا تستولدون في عمل ما، كما يشرح ذلك ميشيل شارل**، ضربا من نص شبح لم يكن، بادئ الأمر، مندرجا فيه، لكنّه كان حاضرا في حالة كمون، كإمكانية غير متحقّقة. هذا النص الثاني، والحالة هذه، يضاعف النص الأوّل الذي يتراجع إلى الخلف، إن لم يختف. إذا كان ميشيل شارل يجعل من هذه الظاهرة عدّة لفهم العمل، فإنّ هذه الآلية هي في الأصل أيضا من كلّ الانحرافات التي يُلحقها القارئ السيّئ بنص ما. يلزم إذن تتبّع هذه التمثّلات الذهنية التي هي النّصوص الأشباح. بحسب أنماط القراءة السيّئة، ستلاحظون كيف أنّ هذه الأطياف، المستترة عن أعين الجميع، تلاحق القارئ السيّئ وكيف يتعامل معها هذا الأخير كي يستولدها سواء استثمر قراءة شغوفة أو متحرّرة مطلقة العنان، سواء نخره الخوف أو الرغبة، أسرته الأحكام المسبّقة أو تخفّف من كلّ محظور. هذه الترسانة من النّزوات والنّزوعات هي الوحيدة القادرة على السّماح بانبثاق النّصوص الأشباح بهذه الصّفة. سترون عندئذ، وبشكل متبادل، كيف أنّ النص يُعدي القارئ السيّئ، وكيف أنّ القارئ السيّئ بدوره يُعدي النص.»
** Michel Charles, Introduction à l’étude des textes, Seuil, 1995
(من مقدمة كتاب Maxime Decout, Éloge du mauvais lecteur, Minuit, 2021 )
*** Yazid Daoud, Lectures dans Éloge du mauvais lecteur, Maroc Cultures, 26 mai 2025.
انحاز النقد الأدبي، لزمن مديد، إلى جانب هذه القراءة الأخيرة. فامبرتو إيكو يستحضر، بوجه خاص، صورة القارئ النموذجي، هذا المخاطَب الضمني الذي يتوجّه إليه المؤلف بنصّه في المقام الأوّل. ثمّة مفاهيم أخرى تندرج ضمن هذا الخطّ: القارئ المتفوّق، القارئ المفترض وكثير من الأوجه المثالية. من جانبه، يختار مكسيم ديكو أن يُسمع صوتًا نشازا: صوت القارئ السيّئ، الذي يرفض – أو لا يستطيع ــ الاندماج ضمن الصورة النمطية للقارئ المثالي.
لم يتوقّف التقليد الأدبي، في واقع الأمر، عن شجب صورة هذا القارئ المنحرف. تجسيدان أصبحا لهما مغزى في هذا الصدد: دون كيخوطي وإيما بوڨاري، قارئان شغوفان إلى حدّ العمى، جنى عليهما خيالهما إلى درجة فقدان العقل، إن لم تكن خسارة الحياة. وُلدت تعاستهما من تماهيهما التام مع الشخصيات التي يصادفانها أثناء القراءة. وبذلك يصير التّماهي أوّل شكل من أشكال القراءة السيّئة. وفي هذا الصّدد، يلاحظ ديكو ظهور «موجة من الروايات التي تدين القرّاء المستلبين، العاجزين عن التّمييز بين الخيال والواقع»، وهي موجة واسعة النطاق لدرجة أنّها يمكن أن تشكّل، في رأيه، «نوعًا أدبيًا قائمًا بذاته». ويستشهد، من بين روايات آخرى، برواية شارل سوريل (1602 ـ 1674) «الراعي المسرف Le berger extravagant »، ولكنّه لا يستشهد بمعاصره بول سكارون (1610 ـ 1660) الذي يقدّم في روايته «القصّة المضحكة Le roman comique» تحليلاً دقيقًا ومتقنا لهذه المشكلة. في هذا الكتاب، يعرض سكارون تصنيفًا للقرّاء: من ناحية، القارئ المنقاد - الساذج، وبالتالي القارئ السيّئ - ومن ناحية أخرى، القارئ المحتاط، الحذر، الماكر، المرتاب.
القراءة السيّئة، من زاوية نظر مكسيم ديكو، وتحديدا لأنّها شخصيّة، حميميّة، متحرّرة من المعايير، يمكنها أن تكون مثمرة بصورة مدهشة. حتى أنّ هذا القارئ غير المنضبط والمتمرّد يتفوّق على القارئ النموذجي من جهتي الاستمتاع أو الإبداع. تمكّنت هذه الشخصيّة الناقصة وغير المثالية، في القرن العشرين، أن تسمع صوتها. ليس التفسير الصارم والمنهجي هو دوما الكيفية الأكثر صوابا أو حيوية لاستيعاب نص ما. ربّما حتى القارئ السيّئ، من يقرأ بحساسية مفرطة مبالغ فيها، مع احتمال الوقوع في تأويل مضاعف، يخرج أكثر نموّا، مغتنيًا بهذا الانغماس الخطر في المغامرة الأدبية.
وفقًا للمؤلف، هناك عدّة مسارات تؤدّي إلى هذه القراءة السيّئة. هناك أوّلا «القراءة الغرامية»* والتي يتحوّل فيها المؤلّف إلى معبود وموضوع للتّبجيل يهيّئ شروط «قراءة سيّئة» مثالية. ثمّ هناك «القراءة المبغضة»، حين يُسقط القارئ أحكامه المسبّقة على العمل، ويُكرهه على تبنّي معتقداته الشخصية.
لتشجيع هذا التوجّه القرائي المبتدع وغير التقليدي، يقترح مكسيم ديكو «أن تقرأ وأنت تنظر إلى الأعلىlire le nez en l’air». يتعلّق الأمر بقراءة حثيثة، متقطّعة، شكل من أشكال حريّة مسؤولة يمكن تطبيقها على أعمال معيّنة. تساءل بارط «هل سبق لأحد أبدا أن قرأ بروست، بلزاك، الحرب والسّلام كلمة كلمة؟». تسمح هذه الممارسة بالقفز على وصف، على فقرة، بل على فصل برمتّه. تتحوّل صورة العمل حينئذ، ويمكن للقراءة المتشكّلة على هذا النّحو، أن تكون مميّزة بنفس قدر، إن لم يكن أكثر، تلك التي يقوم قارئ يحبّ أن يقرأ بطريقة نسقيّة.
يدعونا المؤلف أيضًا إلى ممارسة قراءة «في كلّ الاتّجاهات». قراءة متسكّعة، تقتضي التّطواف من صفحة إلى أخرى، من عمل إلى آخر، لمجرّد متعة البقاء بين الكلمات. كلّ صيغة من صيغ القراءة التي يطرحها مكسيم ديكو موضّحة بأمثلة محدّدة مقترضة من أعمال أدبية أو من تجارب كتّاب عظماء. تأخذ دراسته شكل مكتبة حيّة، تتردّد فيها الكثير من الإحالات.
تثير هذه القراءة، بالنسبة إليّ، عددًا من الاستفهامات. ما هي إذن «القراءة الجيدة»؟ يميّز أنطوان كومبانيون في كتابه «شيطان النظرية» بين من يراعون القراءة القصدية وبين من يرفضونها، أي «المناهضين للقراءة القصدية». هل تتمثل القراءة الجيّدة في البحث عن المعنى الذي قصده المؤلّف، أم بالأحرى إخراج كلّ الاحتمالات الكامنة في النص؟ هل ينبغي على القارئ أن يقصد المعنى أم المعاني؟
يمكن للقراءة السيّئة بالمعنى الذي أعطاه لها مكسيم ديكو، أن تكشف عن ثراء لا يتصوّر على الصعيدين الإيديولوجي والقيمي. بل إنّها قد تفتح منظورات للنص غير مطروقة. أفكّر هنا في القراءات المتعدّدة التي يمكن إجراؤها بصدد عمل مكتوب في مكان بعيد، في عصر فائت. غالبا ما يؤدّي اختلاف الزمان والمكان إلى انبثاق معان جديدة. فالقارئ المغربي، على سبيل المثال، لا يتوفّر على نفس أدوات التأويل ــ متاع ثقافي، أخلاقي، أدبي ــ كما القارئ الفرنسي أو الياباني. كلّ هؤلاء القرّاء «الغرباء» عن عالم المؤلّف يمكنهم لذلك أن ينتجوا «قراءات سيّئة» بارعة.
* (ملحق من وضع المترجم)
«لا يمكن اختزال القراءة السيّئة إلى مجرّد قراءة خائبة. إنّها قراءة تسلك مسالك منحرفة، لا تُعطى لها قيمة والتي، في غالب الأحيان، يتمّ التّقليل من شأن قدراتها الإبداعية. أحثّكم على اقتفاء أثر هذه القدرات. لأجل هذا من الملائم إدراك أنّكم أحيانا تستولدون في عمل ما، كما يشرح ذلك ميشيل شارل**، ضربا من نص شبح لم يكن، بادئ الأمر، مندرجا فيه، لكنّه كان حاضرا في حالة كمون، كإمكانية غير متحقّقة. هذا النص الثاني، والحالة هذه، يضاعف النص الأوّل الذي يتراجع إلى الخلف، إن لم يختف. إذا كان ميشيل شارل يجعل من هذه الظاهرة عدّة لفهم العمل، فإنّ هذه الآلية هي في الأصل أيضا من كلّ الانحرافات التي يُلحقها القارئ السيّئ بنص ما. يلزم إذن تتبّع هذه التمثّلات الذهنية التي هي النّصوص الأشباح. بحسب أنماط القراءة السيّئة، ستلاحظون كيف أنّ هذه الأطياف، المستترة عن أعين الجميع، تلاحق القارئ السيّئ وكيف يتعامل معها هذا الأخير كي يستولدها سواء استثمر قراءة شغوفة أو متحرّرة مطلقة العنان، سواء نخره الخوف أو الرغبة، أسرته الأحكام المسبّقة أو تخفّف من كلّ محظور. هذه الترسانة من النّزوات والنّزوعات هي الوحيدة القادرة على السّماح بانبثاق النّصوص الأشباح بهذه الصّفة. سترون عندئذ، وبشكل متبادل، كيف أنّ النص يُعدي القارئ السيّئ، وكيف أنّ القارئ السيّئ بدوره يُعدي النص.»
** Michel Charles, Introduction à l’étude des textes, Seuil, 1995
(من مقدمة كتاب Maxime Decout, Éloge du mauvais lecteur, Minuit, 2021 )
*** Yazid Daoud, Lectures dans Éloge du mauvais lecteur, Maroc Cultures, 26 mai 2025.