أُسَيد الحوتري - الإنسان، الآلة، والرواية: من يكتب ماذا؟

يُعدّ الذكاء الاصطناعي ثورة معرفية في العصر الحديث، إذ توغّل في شتى مناحي الحياة دون استثناء، فاقتحم مجالات دقيقة كالطب بفروعه، والهندسة بتخصصاتها، والإدارة، والتسويق، حتى بلغ ميادين الإبداع الثقافي كالفن والأدب. ونظرًا إلى قدرته على تحليل البيانات والأنماط اللغوية المُدخلة إليه، بات الذكاء الاصطناعي قادرا على محاكاة أساليب الكتّاب، وإنتاج نصوص أدبية قد ترقى إلى مستوى الأعمال التي يبدعها البشر. مع ذلك، لا تزال تُثار أسئلة جوهرية حول إمكانياته وقدراته، من أبرزها: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب رواية تضاهي أو تتفوّق على ما يكتبه الإنسان؟ هذا السؤال يفتح باب النقاش حول أثر الذكاء الاصطناعي في الأدب عامة، وفي الرواية خاصة.

على الرغم من التقدم التقني المذهل الذي أظهره الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يزال عاجزا عن إنتاج رواية طويلة متكاملة، كنص يصل إلى عشرين ألف كلمة، دون تدخل بشري. فالذكاء الاصطناعي يعتمد على تحليل الأنماط اللغوية والبيانية التي زوّده بها مبرمجوه، ويُنتج نصوصا جديدة بناءً على التعليمات والأوامر التي يقدّمها له الكاتب. وهنا تكمن الإشكالية: إذ يحتاج النظام إلى من يُحدّد له عناصر الرواية الأساسية، مثل: المكان، والزمان، والشخصيات، والصراع، والأحداث المتشابكة، والذروة، والحل، والنهاية. صحيح أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يُنتج قصة قصيرة متواضعة تحتوي على هذه العناصر، لكنه لا يتمكّن من تطويرها إلى عمل سردي طويل ومتماسك دون توجيه بشري مستمر ومتتابع يرافق الذكاء الاصطناعي من بداية الرواية حتى نهايتها. وهكذا، يظلّ دور الكاتب محوريا في بناء الشخصيات، وصياغة الصراعات، وتصميم الحبكة، بما يُضفي على النص عمقًا وجاذبية.
كما أنّ الذكاء الاصطناعي عاجز عن تأليف رواية بمجرد تلقي أمر بذلك، أو حتى عبر مجموعة محدودة من الأوامر، لأنه يفتقر إلى القدرة على تخيّل عالم سردي كبير، غني بالأحداث، والتفاصيل، والعواطف، والانفعالات الإنسانية؛ وهي قدرات فريدة لا يمتلكها إلا الكاتب البشري. ومع ذلك، يظلّ الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة قيّمة، يُمكنُها دعم الكاتب في تنظيم أفكاره، وتوليد الاقتراحات، وتحسين الحبكة، وإبداء الملاحظات على النص، بما يشبه ما يقوم به أصدقاء الكاتب عند مراجعتهم لمسودة روايته. بل ويمكن أن يلعب الذكاء الاصطناعي دور المدقق اللغوي أو المحرر الأدبي أيضا.
ومن اللافت للنظر أن دور الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز الدور التقليدي للأصدقاء والمراجعين للنص، فهو لا يكتفي بإبداء ملاحظات أو اقتراح تعديلات عامة، بل يستطيع صياغة جمل وفقرات مكتملة، ما يتيح للكاتب حرية اعتمادها أو تعديلها بما يتناسب مع أسلوبه الأدبي. في هذا السياق، يُشْبِهُ الذكاء الاصطناعي "كاتب الظل" أو "الكاتب المأجور" الذي يكتب بتوجيه من الكاتب الأصلي/ "الكاتب المستأجِر". إلا أن الفرق الجوهري يبقى في أن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الوعي الذاتي والرؤية الإبداعية المستقلة، إذ يعتمد على الأنماط اللغوية التي زُوّد بها، ويُنتج النصوص وفقًا لما يُمليه عليه المستخدم من أوامر وتعليمات.
هل تنجح الروايات المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟
يعتمد نجاح الرواية، سواء أُنجزت بمساعدة الذكاء الاصطناعي أم لا، على مجموعة من العوامل الأساسية، أهمها: الحبكة المحكمة، وعمق الصراع، وتطوّر الشخصيات. فالمقروئية لا تقتصر على سلامة اللغة واتساقها، وهي مهارات يُتقنها الذكاء الاصطناعي، بل تعتمد في المقام الأول على جاذبية الفكرة، وثراء المحتوى، وقدرته على تحريك مشاعر في القارئ والتأثير فيه؛ وهي أمور تُعد من اختصاص الكاتب الإنسان. وهكذا، تبقى القصة القوية العنصر الأكثر تأثيرا في اجتذاب القرّاء. فالذكاء الاصطناعي يمكنه تنظيم الأحداث وتحسين الأسلوب، غير أن البصمة الإنسانية هي التي تمنح العمل الأدبي خصوصيته وفرادته.
يُشبه التعامل مع الذكاء الاصطناعي في هذا السياق قيادة مركبة ذكية: إذ لا يستطيع كل كاتب الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي إلا إذا امتلك مهارات القيادة: التوجيه والتحكم. ومن هذه المهارات: الصياغة الدقيقة للأوامر: يعتمد الذكاء الاصطناعي على وضوح التعليمات التي يتلقاها؛ فكلما كانت التوجيهات أكثر دقة، كانت النتائج أكثر اتساقا مع هدف الكاتب.
المراجعة: لا يمكن اعتماد مخرجات الذكاء الاصطناعي دون الحذف منها، والإضافة لها، وتعديل عليها، بل يجب مراجعة النصوص بعناية لتلائم رؤية الكاتب.
التحكم في الأسلوب السردي: يتعين على الكاتب تحديد الأسلوب الذي يرغب فيه، كأن يكون ساخرا في المواقف الكوميدية، أو سرياليًا في مشاهد الأحلام، وهكذا دواليك.
هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الروائيين؟
مع التطور المتسارع، قد يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج روايات كاملة بأوامر محدودة، وهو احتمال يثير قلقا مشروعًا بشأن تهميش دور الكاتب البشري ومن ثم إقصاءه. من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى وضع أطر قانونية تحمي حقوق الملكية الفكرية، وتحفّز الإبداع الإنساني، وتنظم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، بما يضمن بقاء الإنسان في موقع القيادة الإبداعية.
ومن المهم في هذا السياق تعزيز الشفافية في عملية التأليف، بحيث يكون للقارئ حقّ المعرفة بطبيعة مساهمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج العمل. ويمكن تحقيق ذلك من خلال وضع إشارات واضحة على غلاف الرواية، مثل: "كُتبت باستخدام الذكاء الاصطناعي"، أو "كُتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي"، أو "عمل أدبي خالٍ من تدخل الذكاء الاصطناعي". إن هذه الإشعارات تمنح القارئ حرية الاختيار، وتُكرّس احترام الذائقة الأدبية الفردية، سواء أكانت تميل نحو الأعمال البشرية الخالصة، أو النصوص المحسّنة تقنيا، أو الأعمال الناتجة بالكامل عن الذكاء الاصطناعي. وهذا ما تم اعتماده في مجموعة من دول العالم.
لا شكّ في أن الذكاء الاصطناعي يمثل تقدما تقنيا استثنائيا، إلا أن جوهر الإبداع الأدبي سيبقى حكرا على الإنسان، بخياله، ومشاعره، وتجربته، وقدرته على التعبير بأسلوب فريد. لذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الخوف من استبدال الذكاء الاصطناعي بالمبدع البشري، بل في كيفية توظيفه لخدمة الإبداع الإنساني، وتعزيزه، دون أن يلغيه ودون أن يحلّ محلّه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى