جبار الكواز - قراءة في نصوص الشاعر حامد خضير الشمري

يضع الشاعر (حامد خضير الشمري) نفسه في مختبر الشعرية الغامض الذي يفيض بكل ما هو غرائبي وآسر ملتبس في توقع واع تحكمه رؤيته الفكرية والمعرفية ورؤاه التي تنطلق من مشاهده الخاصة واكتشافه للواقع العاري ومحاولة بناء واقع ثان ٍ على أنقاضه . وهو يتوخى من خلال نصوصه اشتغالاً خطابياً يفعل حركة القارئ عبر جر النصوص إلى منطقة الفعل القرائي وإحداث جدل مراوغ بين الفهم والتأويل . وإذا كانت نصوصه وبتأثير غواياتها تغور لاستكناه البنى الداخلية للاشتغال قيد القراءة فتغدو عملية التأويل تمهيداً لانتقالة تفسيرية يتلقاها متلق ٍ تال ٍفتتجلى الكتابة فعلاً إجرائيا ينتقل من الذات إلى الموضوع . ويتحول الشاعر الشمري في نصوصه من الأنوية إلى الجمعية ، وتلك هي أمّ بؤرة نصوص الشمري التي بين يدي ، ومن خلال قراءتي لنصوص مختارة من شعره أتاحت قراءتي هذه لي أن أوزعها على محورين أساسيين يشكلان علامتين مميزتين في اشتغاله الشعري الذي ينطلق من الموضوع أولا ليؤثثه بتكوينه اللغوي وبمقدرته الفائقة على روح الإيقاع واسترجاعاته المشرقة للتاريخ الإنساني والإسلامي والعربي والأساطير التي دونت وروايات الشفاهية العربية عبر الأمثال المتداولة والمنقولة إضافة إلى وثائق برقية يعتمدها كركائز لفضح الواقع الذي يعيشه .

أولا : نصوص الاتصال الروحي بين الذات والجماعة وهي :
(ما رواه النجدي عن مملكة الأجلاف) و (سجادة إبليس)
و (أي لثام يخفي قرن الإرهابي ؟) و
ثانيا : نصوص الكشف الروحي بين الذات والذات بوصفها خلقاً ثانياً ومتكررا للذات الأولى وهي نصوص :
(أبهاء المرايا) و (نبضات) و (تداعيات أبي دنس) و
(تشاؤل) .
تشكل نصوص المجموعة الأولى الاتصالية نسقاً معلناً للمشهد العربي والعراقي اليومي وكشفاً مداناً لطبيعة هذا المشهد مستثمراً من خلال نصوصه التاريخ :
(هذا ما أسرد للتاريخ بحق لا محض حكاية
لكن من يضمن لي طهر التاريخ ..) "ما رواه النجدي"
يلاحظ في هذا النص أن (النجدي) كلي العلم والراوي المحيط بزوايا الحياة اليومية يظل لابطاً خلف الجملة في حركة دائمة يحاول فيها كشف الزيف الذي أحاط تاريخنا الدامي ، وهو بهذا يشكل العامل الموضوعي البديل لأفق دام ٍ و مظلم في آن واحد.
إن التاريخ في هذا النص يجري فوق الألفاظ ليؤكد معاني مسكوتاً عنها تشكل النسق المضمر لنصوص هذه المجموعة . وعلينا نحن الشاهدين والشهداء أن نصنع عبر هذه الرؤية الفاضحة حياة جديدة برؤى نابضة. ولهذا فالتاريخ ركيزته الواعظة والفاضحة في آن .
(فالسلطة حتما سوف تؤول
من كف معاوية بن أبي دولار
إلى كف يزيد ...)
وهو في (سجادة إبليس) يعتمد الأسلوب نفسه :
(فارتفعي
فوق المصاحف يا سيوف
و يا أسنة)
في إشارة إلى معركة صفين مثلاً .
ورق ورق
ورق أحد
....
....
لا مال بعدك يا بلد
لا مال بعدك يا بلد
يا عراق الله
يا أحلى بلد
فلتحترق سجادة الشيطان دونك للأبد)
وفيه استثمار قرآني مقدس كاشف لطبيعة العلاقات الزائفة التي تمور في واقعنا اليومي في إشارة الى خلود العراق رغم مؤامرات الشيطان الدائمة . وفي (أي لثام يخفي قرن الإرهابي ؟) يستهلها باستثمار تاريخي وديني من خلال سورة يوسف :
(يا أبتي قد كادوا لي
فعلام سأكتم رؤياي)
.....
و (يخشى عبد مناة وعبد اللات الثاني ...)
.......
و (بكل كلاب الحوأب
ومسوخ حروراء)
و ظاهر القول استثمار لمعركة الجمل ومعارك الخوارج . وهو يستثمر الأسطورة التي يخفي خلف ألفاظها انزياحات كاشفة وناقلة عبر جسر المعاني بين الماضي الموغل في الظلام والحاضر المدلهم بنار المفخخات وشظايا القنابل وأشلاء القتلى :
" فاحلم علك تنسى الحال الأقبح
لكن إياك وأن تجهر فالحلم جناية "
من هنا تأتي الأسطورة بوصفها حلماً ثانياً لبناء الواقع :
"فهنالك من ينصت للموتى
كي يوفي الجلاد بما يسمع" أو
"إن جاء الملكان
وباح الجسد المقموع بألف شكاية" ( ما رواه النجدي ...)
أو " عينان من حجر ودم
دلف الضياء إليهما وارتد يسبح بالضرم
ومسدس الجلاد محشو بدم
كم جذ أعناق الأريج وكم التهم "
وهنا صورة أسطورية لكلب الجحيم
أو
" يا سحر هاروت وماروت
و يا إرث الأمم
في أي ديجور ستنكفئ اللحود وتستفيق بها الرمم ؟ "
وهنالك كثرة كاثرة من الاستشهادات الأسطورية التي تأتي عبر اسم علم أو إشارة لحادثة أو مستند وثائقي . والغاية من ذلك كله بناء واقع ثان على أنقاض الواقع المأساوي الذي يعيشه العراق بعامة .
ويعتمد في ذلك البناء أيضا على التهكم لاستشراق صورة المأساة وهو تهكم من نوع خاص قائم على فضائحية معلنة تشد عبر مكانها وزمانها الراهن إلى وقائع لا إنسانية عاشها العراقي في رحلته السرمدية مع ظالميه من مثل :
(وضباع الزنديقاوي
وأسامة بن لا دنيا أو دين)
أو
(يتقدمهم فيل تتأرجح لحيته فوق الخرطوم)
أو
(جبته الموطوءة "دوعار"
وعمامته "الشيقل"
والليرة بنت ريال)
أو
(هذا من فتوى "العرس" بقتل الترس)
وكل ذاك يصب في الهدف الذي وصفه الشاعر الشمري لإيصال رسالته الفاضحة للواقع الى قارئه لتشكل زخماً مضافاً لتمتين أواصر الوحدة بين مجاهدي كشف الرزايا عن العراق .
وقصائد المجموعة الأولى أيضا تنبئ عن خيبة أمل وحلم مضاع في نسقها المضمر فيبدو الشاعر وكأنه في خضم هذه المصائب في دأب خالد لدرء الوصايا السود التي وأدت الحلم العراقي بعد نيسان 2003 . ولهذا فهو يحاول أن يرسم صورة جديدة للمشهد العراقي بإعلانه الرائع :
(شيعياً كان رسول الله
وعليّ سنياً كان)
وهو اختصار لحل مشرق لإشكالية الفصل العنصري والقتل على الهوية ومسارب الحرب الطائفية التي كادت تودي بالوطن ، وما زالت براثنها تكشف عن لؤم هنا وهناك . إن خيبته وضياع حلمه تأتي بلسان صريح مفعم بالأمل الجديد :
(صهلت رمالك يا فرات وحمحمت
وعذوق نخلك راعفة
ملحا تساقط ساخناً
فوق الفسائل والطيور الراجفة
لن يذبحوك فإن في صلب العراق يمور نسل العاصفة)
فمن الموت والذبح على الهوية والقتل العشوائي سيشرق العراق من اللهيب خالداً أبداً .
ولو جئنا الى قصائد القسم الثاني : نصوص الكشف الروحي بين الذات والذات بوصفها خلقاً ثانياً ومتكرراً للذات الأولى نجد أن نسق الخطاب الشعري فيها يعتمد على الشفرات المسببة للحزن . هذه الشفرات تدفعنا إلى مدلولات الاحتجاج بهتاف عالٍ وخلق مبررات كشف روحي لا يهدأ إزاء عاصفة الرزايا إلا أن المعالجة الشعرية لهذه النصوص تعتمد لسان الدلالة عبر شفرات الكمد خلف كل مفردة وأمام كل عبارة وهذا لا يعني تخلي الشمري عن طبيعة شكل نصه المتميز به إلا أنه يعتمدهما آلية جديدة في صياغة شعرية قادرة عبر الانزياح على تأجيج رؤاها المخفية خلف رماد الألفاظ. إنه هنا يناجي ذاته بذاته متواصلاً بين الضفتين لخلق ذات مغتربة عن واقعها لكنه اغتراب انتماء لا اغتراب انقطاع . وعلى هذا فهو يمزج بين ذواته المتشظاة من ذاته ليشكل رمزية الذات العراقية الجديدة. ويشكل نص (ثلاثة) استثماراً مميزاً لما قلت آنفاً فهو نص عاج بالإدانة / يكشف عري الواقع / يعتمد المفارقة المضمونية الكلية / يمتح من بئر الخيبة / ويشكل قيماً أصيلة عبر إغراق القيم الزائفة . والنص أنقله كاملاً ليكون واضحاً للقارئ:
(وصاحباي
أظرف صاحبين
كأنهما خارجان من تخوم الخرافة
فلم يحفظا جدول الضرب
أو سورة الفاتحة
وكانا يصران
على أن المفعول به
مرفوع بالإضافة
وكانا يخفان للكرخ خلف الظباء
ويقتسمان الكأس
عند جسر الرصافة
وكنت أنكبُّ على الدرس
كل النهار
وأقنت لله
في الليل فرط المخافة
وكانا يسخران مني
ومن كل شيء
وكانا على حق
فبعد عقود من الزمان التقينا
إذا بي أرتق جوعي بطيف رغيف
وأحثو التراب على راسي
وابكي على كومة من عظام
لبرعم غاله الوحش بكل صلافة
هكذا كنت
وكان صاحباي
يقيمان جنب الأمير
بقصر الخلافة .)
يعاضد هنا النص نصوصه القصيرة في ( نبضات ) :
1- نزاهة ( لم يبع ضميره / فقد كان إيجاره مجزياً )
2- كفاءة ( ما أقصر حبل الكذب / لكنه كافٍ للالتفاف على رقاب عدة)
3- طبيب ( لم يفلح إلا في استئصال الرحمة من قلبه )
هذه النصوص مع ( ثلاثة) تقوم على ركائز الكشف الروحي / النسق المعلن / بناء واقع ثان / واقعية سحرية / أنسنة للطبيعة / ارتداد إلى المستقبل / وعودة إلى الغد .
أما نص ( أبهاء المرايا ) الذي ما زالت روح الشمري ماكثة في كل زواياه فأنه اشتغال خارج نسق النصوص التي بين يدي ، خارج في لغته وعلاقاتها المتشابكة والملتبسة :
( تصهل الريح وتلقي في المتاهات السروج
والمرايا مزجت قيعانها خوف التشظي
فلماذا ينثر الصمت بذور الأسئلة )
هذا المفتتح ينقلنا إلى علاقات جديدة تشكل صياغة استثنائية تنبي عن شعرية مرهفة ومصنوعة وفق خبرة لغوية ومعرفية ومخيالية :
( يربض البحر على خاصرتي عند الأفول
ويمد البحر لي سجادة فوق السديم
فأرى الناسخ والمنسوخ والنسخ أمامي
وأرى المسخ القديم )
والمسخ القديم هو ألدّ أعداء الشمري في أوبته الشمولية لتاريخنا المزيف والاستبدادي ولواقعنا المظلم :
( فانشزي يا ريح في الفجر عظامي
وأريني في المدى أي بصيص
فأنا النابض في ملحودة الغدر
وما لي من محيص )
إن نص ( أبهاء المرايا ) محاولة ناجحة لكسر التوقع الذي يجلبه العنوان بوضع المرايا بأبهائها الى رؤيا جديدة لمرايا لا تقول ما تعكس وإنما تقول ما تحس وما يمور في لججها.
وإذا كان الشمري قد ختم نصوصه بنص ( تشاؤل ) فأنه يشير إلى إحساسه الحقيقي الذي يعيشه عبر المأساة ، فالتشاؤل وسط بين التشاؤم والتفاؤل . والشعوب التي مرت في ظروف أخف من ظروف وطننا عاشت حالة التشاؤل هذه حالة من يقول نصف القدح ماء ولا يقول نصف القدح خال من الماء:
( ضحكت
كان الدمع ينهمر من شفتي
وحين بكيت
سمعت قهقهة أجفاني )
هذا المفتتح يختصر الحالة التشاؤلية التي نعيشها جميعاً . فالشمري هنا صار الجسر الذي ربط ذاته بذاته لخلق ذات جديدة حيوية ومكررة هي بمثابة العود الأبدي الذي يرى في الموجودات دورة حياتية لا تتكرر إلا عبر الإحياء والتجديد والخلق وقتلا للجمود والتحجر والببغاوية :
( هرب الميت من جثته
فطارده الحراس
وأطلقوا النار عليه
حتى أردوه حياً . )
ملحق
ولو ألقينا نظرة تحليلية شاملة لمجمل النصوص التي بين يديّ لتوصلنا إلى سمات فنية عامة لها فهي نصوص قراءة تأويلية لا تلقينية استماعية تعتمد الدلالة متجاورة في نسقها اللابط فيها مع ركيزة غنائية توفر للجملة وللنص أفقاً من التقبل النغمي الرصين خاصة باعتماد الشاعر على القافية أو السجع من خلال لغة عالية التقنية تحمل إحساسها الحي بأواصر الموضوع الذي تبحثه باختياره لمفردات جزلة وفخمة تذكرنا بديباجة النص العربي القديم والمحدث الذي يعتمد الأصول مع شبكة من العلاقات الحداثوية التي تؤجج شعرية خاضعة لاشتراطات الإدراك والانطلاق المشرق منذ الخطوة الأولى في استيلاد المضامين تحت خيمة من بناء شكلي رصين وخيال واسع ومخيال ركائزه الأفق الأسطوري والديني والتاريخي والواقعي ..
إن هذه النصوص تؤكد دائماً إن شاعرها يخطط لها مسبقاً ويفكر فيها كثيراً ويراجعها قبل أن يعلنها للملأ وتلك هي صفة الشعر الحقيقي الذي ينطلق من مرجعياته المتنوعة لا الشعر لذي يكتب عفو الخاطر فيكون كهبة ريح سرعان ما تأكلها الآفاق ..
إن شعر حامد الشمري شعر فيه أصالة وحداثة وتجدد . وهو بهذا مسك جذوة الفعل الشعري الحقيقي .
وسيبقى حراس بوابة الجحيم العراقي مع كلابهم التي تهرّ كل حين وهي تجلد المارين في شوارعهم الى البيوت في نظرة شرر منها، ستظل تطاردنا دائما نحن الذين سرقنا شعلة الإبداع من بروميثيوس لإيقاظ صمت العالم الفاني عبر الكلمة الخالدة . وسنبقى في قتال مع كلاب الوهم والجحيم و الحوأب وسربروس لنحقق معاني الحياة الجميلة عبر حمامات الدم والعذاب ولقد قالها الشمري :
( أو تدرون بان الشيعي يصلي خمسا أيضاً
ويصوم كذلك في رمضان
ويحج ... ويزكي
ويجاهد فرط الإيمان
فلماذا حللتم ذبحه
ولماذا حرمتم أكل التمرة في بستان؟! )
تحية للشمري في سعيه الإبداعي الأصيل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى