بهاء المري - الوعد المنكسر...

شابٌ أحب فتاةً كانت زميلته في العمل، وارتبط بها ‏بخطبة شرعية، حتى إذا تورَّطت في توقيع ‎شهادة رسمية كانت ‏ستُدخلها السجن، ضحّى بنفسه من أجلها. اعترف بأنه دسَّها في ‏أوراقها ليحميها ‎من العقوبة. نال حُكمًا بالسجن، وودّعها على وعدٍ ‏منها: "سأنتظرك حتى تعود."
وبعد انقضاء مدة سَجنه، خرج يبحث عنها، مليئًا ‏بالشوق والأمل، لكنه فوجئ بأنها قد تزوجت ‎وأنكرت ما بينهما.
هذه الحكاية التي تنضح بالألم ليست مجرد قصة، بل مرآة ‏لأزمة أخلاقية عميقة في ميزان الوفاء ‎والضمير والإنسانية.
قال الله تعالى: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا". ‏‏"الإسراء: ‎‏34‏‎".
الوعد هنا لم يكن كلامًا عابرًا، بل عهدًا قُطع في لحظة من ‏لحظات الوفاء العاطفي والروحي، وهو ‎بذلك يدخل تحت ‏مسؤولية الخلق والدين. فالوفاء ليس حكرًا على الظروف المريحة، ‏بل يُختبر حين ‎تضيق السبل ويطول الانتظار.
من النادر في زماننا أن يضحي إنسان بحريته لينقذ غيره، ‏لكن هذا الشاب فعلها واعترف به لينقذ ‎من أحب، لأنه لم يحتمل ‏أن يراها وراء القضبان.
قال رسول الله ﷺ: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" ‏‏"رواه الترمذي".
هذه الشابة حين قررت الانفصال النفسي والروحي ‏عنه، لم تُجرم قانونًا، لكنها جرحت إنسانيًّا، ‎وأساءت أخلاقيًّا.
نُدرك أن تقلبات الحياة قد تغيّر الأولويات، وأن الإنسان ‏قد يُجبر على قرارات صعبة، لكن الصدق ‎يظل فريضة. فإن تبدّل ‏القلب، فلتُبلَّغ المشاعر بأمانة، لا أن يُترَك الطرف الآخر يتنفس على ‏وهم.
قال النبي ﷺ: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا ‏وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". "رواه ‎البخاري ومسلم".
فما أبعد الإنسان عن الإيمان حين يُخلف وعدًا قطعه في ‏أشد لحظات الحاجة.
الخذلان ليس فقط في الفعل، بل في الأسلوب. لم تودّعه، ‏لم تعتذر، لم تُظهر حتى امتنانًا، بل أنكرت ‎كل شيء.
لو أن كل علاقة انتهت بكرامة، لكانت الذكريات تحمل ‏طيفًا نقيًّا. لكن أن تُنسف التضحيات بلا ‎تقدير، فتلك قسوة تفتك ‏بالقلوب أكثر من الظلم نفسه.
قال ﷺ: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ‏‏"رواه الترمذي".
القوانين لا تحاسب على المشاعر، لكن الله يحاسب على ‏النوايا، والضمير يحاسب على الوفاء، ‎والمجتمع يحيا بالثقة قبل أن ‏يحيا بالتشريعات.
الوفاء لا يُشترى، ولا يُورّث، بل يُغرس في البيوت، ‏ويُعلَّم في الأزمات. وحين يخون الإنسان عهدًا ‎قطعه على نفسه، ‏فقد خان أولًا إنسانيته.
لا تَعِد إلا إذا كنت أهلًا للوعد، ولا توهم قلبًا لا تنوي ‏أن تصونه.
إن كانت الظروف أقوى من مشاعرك، فلتكن شفافًا. ‏فالله لا يُحب الناكثين، ولا الغادرين، ولا ‎المتلاعبين بالعواطف.
هذه القصة رسالة لنا جميعًا: لا تقطع وعودًا في لحظة ‏ضعف لا تنوي الوفاء بها، ولا تُعلّق قلبًا تعلم ‎أنك لن تصونه، ‏فالله سائل، والضمير شاهد، والحياة تدور.
وتذكر: القلوب لا تُكسَر بالرصاص، بل بكلمة، بوعدٍ ‏يُنقض، وبظهرٍ يُدار.
فالعلاقات تبنى على الثقة، فإذا انهارت الثقة، سقط البناء كله. ‏والإنسان المخلص لا ينسى من وقف ‎معه في محنته، ولا يتنكر ‏لمن ضحى من أجله.
وإنّ الخيانة لا تكون فقط بخيانة الجسد، بل بخيانة الكلمة، وخيانة الشعور، وخيانة الوفاء لمن بذل ‎الغالي والنفيس. فالحب ليس مجرد عاطفة مؤقتة، بل التزام طويل الأمد، يُختبر في العسر قبل ‎اليسر. وما أصدق القلوب التي لا تخون مهما طال الانتظار أو تغيّرت الظروف.
‎"فمن نكث فإنما ينكث على نفسه...". "الفتح: ‎‏10‏‎".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى