إبراهيم محمود - الدمية والسيارة تثبيت الأنثى وتحريك الذكَر

1751612470790.png
الأنثى- الدمية


تنكفىء الصغيرة على دميتها، تحملها بين ذراعيها، تضمها إلى صدرها، تنيمها، تلفها بقماش أو ببطانية صغيرها، وتسلّمها لمخدة من نوعها، وتضطجع بجوارها، وعيناها عليها، وهي تمسّد عليها بحنوّ.


1751612534261.png
لوحة فتاة شقراء مع دمية – للفنان التعبيري الألماني أغسطس ماكي" 1887-1914 "

ينطلق الصغير إلى سيارته، بيده، أو بكلتا يديه " حسب الحجم " يحركها، وهو يصدر صوتاً " من نوع التشفيط " إشعاراً بأن هناك من يحرك السيارة، ويتحرك معها، دائراً بها، منطلقاً معها، يتحكم بها، إن وجِد جهاز تحكّم خاص بها، تبتعد عنه، وترتد إليه، يحركها ويوقفها، وملء عينيه إعجاب، وهو في مقام السائق الصغير.
نحن إزاء مجهول " داخل البيت " وحتى خارجه، معلوم بسواه، ومعلوم "خارج البيت "، وحتى داخله حيث يعرَف هذا به طبعاً، كائن معلوم باسمه !
مشهدان صارخان، ليس فيهما أي بلاغة، من النوع الواعد بالمفرِح والمحفّز على التفكير، لأن ذاكرة تنميطية تتولى مثل هذه" القسمة " التليدة والمتداولة والمصانة، مشهدان يتقاسمان ثقافتنا، بأكثر من معنى، من خلال هذا الكم الهائل واللافت، والموظف في الصميم، في خدمة " أعط ما للذكر للذكر، وثبّتْ ما للأنثى للأنثى "!
والأنثى التي تحيل إلى محتواها ومعناها المرأة التي سيقت منمطة تاريخاً وثقافة، حيث الدمية ترجمتها . والذكر الذي ينظَر في أمره، وتتم متابعته في حركته التي تؤمّن له مساحة تحرك تليق بنوعه، حيث السيارة كنموذج أكثر من كونها مجرد سلعة معفاة من أي تعليق جانبي، لأنها هي التي تعلّق داخلها وخارجها، حدوداً مرسومة بأتقان، ومعلومة باتفاق معتبَر، للتأكيد على موجز شديد" ميكروسكوبي لمفهوم العالَم مجتمعياً .
لا براءة في طرح مثل هذه المسماة بأ" الألعاب " وفي محلات خاصة، أو في واجهتها، بصيغ شتى، يسهل تصنيفها، وهي في الجوهر مصنَّفة جنسانياً، من خلال اسم كل منها، وكيف ينبني الجسد تربية ومقام ذِكْر .
الدمية التي تظهر غالباً في إهاب عروس، من أبسطها تكوينها " مجوفة " بسيطة، بلاستيكية، رخيصة، إلى أكثرها تعقيداً، في مادتها، ووزنها، ولونها، وما تزدان به لبْساً وزخرفة أو زينة،مرسوم الجسد الأنثوي غداً.
لا شيء يخرج عن السيطرة، لحظة التدقيق في الحدود الفاصلة، في الهوة العميقة التي تقابلهما ببعضهما بعضاً، في دلالتهما: الدمية- السيارة، أو السيارة- الدمية. يسهل رؤيتهما متجاورتين، لكن القيمة مغايرة.
مجتمع كامل، مقرَّر مسبقاً، في وضعية كهذه، بما يجب أن يكون، جهة الحدود القائمة، وحظْر تجاوزها( ربما يأتي تعليق من هذا النوع( لكن هناك المرأة التي تقود السيارة بالمقابل، وهذا يظهر خطل هذا التصنيف!) سطوع الحجة والرهان في المعمول به واقعاً، في الجسد المعطى صلاحية التحرك، في السفر وحيداً، في خوض غمار المغامرات بعيداً عن الأهل، وبدءاً مما يخصَّص باسمه في البيت، كهندسة جسدية مفصَّلة، في الحضور والغياب.
في أس العلاقة القائمة، تلخص الدمية، وجملة التصورات المحيطة بها، وكيفية ترسيخها، ما يمكن للجسد الأنثوي، جسد الفتاة التي تكبر، جسد المرأة المنجبة، وأدوارها مجتمعياً، والنظرة إليها. ثمة قيم تقسّم المدينة بكل تكويناتها المكانية والذين يشغلونها، في الثبات والحركة .
في مكوّن الدمية، ما يجرّد الصغيرة " النموذج المستقبلي، المحدَّد دوراً وقيمة ومصيراً إلى ما وراء الحياة كذلك، حيث الثبات يكون للمرأة، وما يسبغ عليها قيمة يكون من لدن الذكر: الرجل، الممثل في سيارة، القادرة على قطْع المسافات. الدمية ثابتة، وهي منزوعة الحياة، لا يُعتدُّ بها، كونها دمية/ لعبة، إنما تمثيل له تاريخه زماناً ومكاناً، ثقافة وعقيدة، محتوى وشكلاً: الدمية/ العروس لافتة بزخرفتها، السيارة لافتة بطبيعتها وهي في حركتها، حيث يكون الذكر: الصبي، الفتى، الشاب، الرجل. ربما تكون المرأة لافتة، فتكون " مسترجلة "؟!
الدمية تكتسب معناها من خارجها، لا جسد فعلياً لها، ما يهيء الجسد هنا للحركة، أو التحرك، ونوعية الحركة، ووجهتها، وأين وكيف تقف، مبرمجة، ثمة إيعاز من الخارج. لدينا نقاط علّام لكل وضعية .
السيارة خارجية، تسمّي صاحبها، سائقها، الذي يقبل من جهة ما، ليخرك الدمية: العروس، شاداً إياها من يدها، من بيت أهلها، إلى بيته الذي هو صاحبه، أو المعلوم باسم ذكَري إجمالاً، تكون مضافة إليه، هويتها حيث يكون رجلها، ولي أمرها، المعني بأمرها. نحن إزاء فقه صارم لشبكة العلاقات المختلفة .
تشير الدمية إلى تاريخ طويل، إلى مشهد يقرّب نوعية العلاقة البينية: تكون هي في انتظاره" الذكر ". حتى في بنية الجنة المرسوم،يكون الجنتي موعوداً بجملة مدهشة من الحور العين، حيث يكونن في استقبال من يكون زوجهن الدنيوي، وهن يرحّبن به مرددات:طوبى لنا ونحن زوجات هذا " ..." فيعرَفن به .
كما لو أن الحور العين، بكامل أوصافهن، وملذاتهن الجسدية،جرى صوغهن، وبناءهن من الداخل، تجاوباً مع تلك الإحداثيات الثقافية المقرَّرة، والجاري الالتزام الحرْفي بها خارجاً. الحور العين، معنى، توصيفٌ،.بينما الجنتي " الذكَر " فثمة اسم يجلوه، وثمة اسم يدخل به ومعه الجنة، وثمة مقام يكتسب قيمة ومكانة من خلاله .
لا أسترسل في بنية العلاقة هذه، جهة الفرز الجنساني، والتباين الفالقي بينهما، وقد وضعتُ في هذا السياق العديد من الكتب، وكماً كبيراً من المقالات والدراسات المنفصلة، وهي في مجموعها تتبلور، حول الجسد: الدمية، والجسد المتعالي عليها، الجسد الحي المفعم بالحياة، ومن هذا الجسد، وبفضله أي بـ" آلائه " يتم طرْح الجسد الأنثوي خارجاً، في ظله، كما لو أن ولادة كل امرأة، وهي بمفهوم متوارث، امرأة مركّبة بمقاييس، تعيد بقدّر ما تستعيد ما هو مأثور في الذاكرة ذات السيمياء الدينية، ودنيوياً: الضلع " الضلع الأعوج حرفياً ". نعم، كأن كل أنثى، كما هي بلاغة " سفر التكوين " التوراتي الهدّارة، نموذج مؤبَّد للمرأة الجسد هبة الذكر الرجل: ضلعه، الذي يكستب كمال مظهره الحيوي" لحماً، عظماً ونبض قلب " مطوَّباً باسمه .
لهذا، لهذا تحديداً، تتحدد المسافات، وتسمَّى الجهات، وتحمل الجهات أسماءها الخاصة، استناداً إلى ما هو ثابت، أو ما جرى ويجري تثبيته دميوياً" في الداخل المراقَب ، بيتاً " وفي " الداخل المراقب: مجتمعاً "، وما جرى ويجري الأخذ به علماً ومعرفة وسلطة ووجاهة، معلوماً ومجهولاً، في المتحرك.
يا لها من مفارقة لا يُخفى دويُّها،وإنا أختتم مقالي هذا، عندما أستدعي إلى ذاكرتي اسميْ آدم وحواء " والديْنا الأبديين سماوياً "، حيث قيل في آدم معنىً، أنه يسمّي التراب " جبلة طينية " أو وجه التربة..، بينما " أمنا " حواء: الضلع، فتعني الحياة " حواء، صيغة مبالغة من الحياة ".
كيف يُنظَر في العلاقة القائمة بين كل من الذكر / السيارة، والأنثى/ الدمية اعتباراً ومحل إعراب ثقافة قائمة وقيمومية بزبدتها، حيث يبرز الذكر الميثولوجي: الديني، ممثل الثبات: الدمية، بينما الأنثى الميثولوجية: الدينية، ممثلة الحركة: السيارة؟ ثمة سطو على السيارة، مقيَّد ضد مجهول " معلوم "؟؟!!

ملاحظة: اللوحة الفنية من وضعي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى