د. أحمد الحطاب - واقع الواقع والمجتمعات البشرية

قد يبدو عنوانُ هذه المقالة غريباً شيئاً ما أو صعبَ الإدراك. لماذا؟ لأن هذا العنوانَ يوحي بأن هناك واقعا غير الذي تعوَّدنا على إدراكه والعيش فيه. والحقيقة أن ظهورَ المعلوميات l'informatique أو الرقمَنَةِ la numérisation ومواقع التواصل الاجتماعي التي تعتمد، في اشتغالِها على هذه المعلوميات، فرضت علينا ما يُسمَّى ب"الواقع الافتراضي" la réalité virtuelle. و"الواقع الافتراضي" ليس، على الإطلاق، هو الواقع الملموس أو المحسوس الذي تعوَّدنا على لمسِه بواسطة الحواس المرتبطة بأدمِغتِنا. "الواقع الافتراضي" كلُّه اصطناعي، أي لا يوجد واقعياً أو تمَّ خلقُه بواسطة خوارزميات des algorithmes معيَّنة.

لكن مع ظهور الذكاء الاصطناعي l'intelligence artificielle، قد يصبح "الواقع الافتراضي" la réalité virtuelle، هو الواقع نفسُه. لماذا؟ لأن الذكاءَ الاصطناعي هو، في الحقيقة، تقليد للذكاء البشري، بواسطة خوارزميات des algorithmes، التي تفرض على الحواسيب les ordinateurs أن يفكِّروا أو أن يقلِّدوا العقولَ البشريةَ في التفكير، بل في اتخاذ القرارات la prise de décisions. وما هو مُفيدٌ، في هذا الشأن، هو أن التفكيرَ أو اتخاذ القرارات يتمَّأن بسرعةٍ قائقة، أحياناً، أقل من ثانية. بمعنى أنه، إذا تمَّ التفكيرُ بالطرق التَّقليدية، قد يتطلَّب اتخاذ القرار وقتاً طويلاً. السؤال الذي يفرض نفسَه علينا هنا، هو : "ما هي الخوارزمية"؟

الخوارزميةُ l'algorithme عبارة عن مجموعة من التَّعلِيمَات المُحدَّدة والواضحة les instructions définies et claires، الغرض منها هو إيجادُ حلٍّ لمشكلة من المشاكل أو القيام بمهمَّةٍ مُعيَّنة une tâche déterminée. السؤال الآخر الذي يفرض نفسَه علينا هنا، هو : "من أين تأتي التَّعلِيمات المُحدَّدة والواضحة أو من أين تأتي المشكلة المرادُ إيجاد حلٍّ لها"؟

سواءً تعلَّق الأمرُ بالتعليماتِ أو بالمشكلةِ، فكِلاهما مصدرهما الواقع المعاش. التَّعليمات تتعلَّق بالمشكلة، والمشكلة هي التي يُرادُ إيجاد حلٍّ لها. فالمطلوبُ من الحواسيب، هو أن تقلِّدَ، انطلاقا من التعليمات التي توفِّرها الخوارزمبات، أن تقترِحَ حلاًّ أو حلولاً للمشكلة المطروحة. وهكذا، يمكن حل طيفٍ من المشكلات المتعدِّدة المصدر، أي في مختلف مجالات التفكير والعمل. ولهذا، أصبح الذكاء الاصطناعي يحتلُّ الصدارةَ في حلِّ المشكلات التي يصادِفها العقل البشري في مختلف مجالات التفكير والعمل، وعلى رأسها الاقتصاد والصناعة والزراعة والصيدلة والطب… وجميع المشكلات التي يُصادِفها الإنسانً في واقعه اليومي. فما دامت التَّعليمات التي تقود إلى صناعة الخوارزميات، مأخوذة من الواقع وما دامت المُشكلاتُ مشكلاتٍ واقعيةً، فيجوز لنا أن نتحدَّث عن"واقعِ الواقع".

بمعنى أننا، بسبب وجود الذكاء الاصطناعي، نجد أنفسنا أمام واقعين deux réalités. واقعٌ حاضرٌ مملوءٌ بالمشكلات. و واقعٌ مستقبلي نعوِّل على الذكاء الاصطناعي لإيجاد حلولٍ له، وبسرعة فائقة. ولهذا، فالواقع، بسبب وجود الذكاء الاصطناعي الذي يُسرِّع التفكير لإيجاد حلول لمشكلاتِ الواقع الحاضر واستشراف مشكلات الواقع المستقبلي، فواقعنا اليومي قد يصبح، هو الآخرُ، عرضةً للتغيير السريع. وإذا تغيَّرَ الواقع، فمن الضروري أن يتغيَّرَ المجتمعُ وظروفُه المُتنوِّعة والمُتعدِّدة. الملاحظة التي، بإمكاننا الخروجُ بها، في هذا الشأن هنا، هي : "إذا كان التغيير يستغرق وقتا طويلا، بالنسبة للحضارات البشرية القديمة (الإنسانية)، فاليوم، هذا التغيير أصبح سريعاً، بفضل الذكاء الاصطناعي". فمثلاً الحضارة اليونانية استغرقت ما يزيد عن 1200 سنة قبل الميلاد، السؤال الذي يفرض نفسَه علينا هنا، هو : "كيف يتم الانتقال من مجتمعٍ إلى آخرَ"؟

يتم الانتقال من مجتمعٍ إلى آخرَ عندما تحدث تغييرات عميقة في بنيات المجتمعات وفي ظروف عيشها. وهذه الظروف يمكن أن تكون اجتماعية، سياسية، اقتصادية، ثقافية… غير أن العامل الرئيسي الذي يأتي بالتغيير داخل المجتمعات، هو الاكتشافات les découvertes والاختراعات les inventions والابتكارات les innovations، إضافةً إلى الحروب والأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

فمثلاً، الاكتشافات والاختراعات والابتكارات، وخصوصاً، في مجال التكنولوجيا، تخلق أنماطاً جديدةً من العيش nouveaux modes de vie التي تقلب المجتمعات رأسا على عقب. وكل عوامل تغيير المجتمعات يمكن أن تكون داخلية endogènes، أي أن التغييرَ يأتي من المجتمعات نفسِها. كما يمكن أن تكونَ عواملُ التغيير خارجية exogènes، أي فُرضت من خارج المجتمعات، كما هو الشأن، مثلا، بالنسبة للحروب. السؤال الذي يفرض نفسَه علينا هنا، هو: "ما هو العامل الرئيسي الذي يتسبَّب في تغيير المجتمعات"؟

العاملُ الرئيسي الذي يتسبَّب في تغيير المجتمعات، هو العقل البشري. اليوم، هذا العقل البشري أوجدَ بديلا له a trouvé une alternative أسرع منه في التفكير وفي اتخاذ القرارات وفي إيجاد الحلول للمشكلات المُستَعصية والمُعقدة les problèmes épineux et complexes. ولهذا، فأي تغيير حدث في مجتمعٍ ما، فمصدرُه العقل البشري. وكل تغييرٍ يحدث في مجتمع ما، فهو ليس إلا مرحلة من مراحل تطوُّر هذا العقل البشري. وهذا التَّطوُّرُ لن يتوقف، أي سيستمرُّ إلى أن يرِثَ الله الأرض ومَن/ما عليها.

بمعنى أن العقل البشري أو الإنسان العاقل Homo Sapiens، بغض النظر عن جميع الحيثيات les considérations أو الظروف les circonstances، كيفما كانت، اجتماعية، ثقافية، عقائدية… سيستمرُّ في إنتاج المعرفة بجميع أنواعِها. والمعرفة، بجميع أنواعِها، هي التي مكَّنت الإنسانَ العاقل من الاطلاع على أسرار الأرض وماعليها وما فيها وما فوقها، لكن، بسرعةٍ فائقةٍ. بمعنى أن التَّغييرَ الذي كان، في الماضي، يستغرق قروناً من الزمان، أصبح اليوم، بفضل الذكاء الاصطناعي، يستغرق بضِعَ سنوات.

والدليل على ذلك، التَّطوُّر الذي عرفه العقل البشري خلالَ القرون الأربعة الماضية، ليس له مثيل في تاريخ البشرية. كل شيءٍ تغيَّر، بعُمق، في حياة الإنسان : طريقة التفكير، طريقة إنتاج المعرفة وطريقة التفاعل مع وسط العيش أو العالم المحيط بالإنسان. والتفاعل مع العالم الخارجي لم يعد مقتصراً على الملاحظة بالعين المجردة. بل الإنسان اخترع، بفضل عقلِه الدائم التَّطور، الكثيرَ من التكنولوجيات التي تحاكي الواقعَ (وسط العيش) simulent la réalité، بل تنقل هذا الواقعَ إلى داخل المختبرات وتفحصه فحصا دقيقا لم يسبق له مثيلٌ في مجريات تاريخ البشرية.

اليوم، بفضل الذكاء الاصطناعي، دخلت البشرية في عهد جديدٍ une ère nouvelle، سِيمتُه الأساسية، المنطق ولا شيءَ غير المنطق. ولم يعد هناك مكانٌ للخرافة le mythe والأسطورة la légende لتفسير الظواهر الاجتماعية والطبيعية. كل المعارف التي يُنتِجها العقل البشري تستجيب لهذا العقل والمنطق.

وما يجب إدراكُه، من خلال هذا التَّطوُّر الهائل الذي تعرفُه العقول البشرية، هو أن إنتاجَ المعرفة، بتنوُّع مشارِبِها، لا علاقة له بالمعتقدات الدينية. الإيمانُ خُلِقَ للسعيِ إلى الخير والابتعاد عن الشر، والعقل هو الذي يُميِّز بينهما. كل إنسان له عقلٌ سليم، نيِّر ومستنير، له قدرة كمينة une capacité potentielle على إنتاج المعرفة النافعة أو الضارة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى