قد يبدو عنوانُ هذه المقالة، غريباً شيئا ما، وخصوصا، بالنسبة لِمَن هم مسلمون بالوراثة. لماذا؟ لأنه، بالنسبة لهذه الفئة من المسلمين، الجواب على هذا السؤال واضحٌ وضوحَ الشمس، أي أن المسلمَ هو الشخص الذي آمَن برسالة آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). والحقيقة ليست بهذه السهولة. الحقيقة تتطلَّب من قارئ القرآن الكريم أن ينظرَ إلى بعض آيات هذا القرآن بجرعةٍ عاليةٍ من التَّدبُّر والتَّمعُّن والتَّفكُّر والتَّأمُّل. كيف ذلك؟
عندما نقف على الآية رقم 19 من سورة آل عمران، التي نصها الكامل هو : "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ". وكذلك، عندما نقِف أمامَ الآية رقم 85 من نفس السورة، والتي نصُّها الكامل هو : "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ".
ما يتبادر للأذهان، في أول وهلةٍ، وخصوصا، إذا فسَّرنا هاتين الآيتين حرفيا وبدون الوقوف، بتدبُّرٍ، على ما قاله، سبحانه وتعالى، في آياتٍ أخرى من القرآن الكريم، هو أن الدينَ المقصود من الآيتين رقم 19 و 85، هو رسالة الإسلام التي نزلت على آخِرِ الرسل والانبياء، محمد (ص). وهذا غير صحيح، وهذا ما تعلمناه، منذ الصِّغر، داخلَ الأُسَرِ وخارِجَها وفي المدرسة. وهذا هو ما يروِّجه التراث الفقهي الإسلامي.
وإذا تعمَّقنا بشيءٍ من بُعد النظر وقرأنا هاتين الآيتين، قراءةً مُتأنِّية، قد يتبادر إلى أذهاننا أن هناك أدياناً أخرى غير دين الإسلام، وخصوصا، أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه…". فهذا الجزء من الآية رقم 85 من سورة آل عمران، يوحي بأنه اللهَ يقبل، فقط وحصرياً، الإسلامَ كدين.
والحقيقة، كل الحقيقة، هو أن الرسالة التي أنزلها اللهُ، سبحانه وتعالى، على آخر الرسل والأنبياء ليست إلا تكملة للدين الواحد الذي أنزله، عزَّ وجلَّ، على رسلٍ وأنبياءَ من قبله. دينَ اللهِ، سبحانه وتعالى، دينٌ واحدٌ، لا ثانيَ له. والدليل على ذلك أن كلمةَ "دين" وَرَدَت في آيات القرآن الكريم بصيغة المفرد، ولا وجودَ لجمعِها، في نفس الآيات أو في آيات أخرى. وهذه حِكمةٌ فائقة الأهمِّية. الله واحِدْ، فمن المنطقي أن يدعوَ الناسَ إلى دينٍ واحدٍ وحتى لو كان، سبحانه وتعالى، يريد لعباده عدَّةَ أديان، لنَصَّ عليها في القرآن الكريم، وخصوصا، أن هذا الأخيرَ هو كِتاب هدايةٍ وإيمانٍ وموعظةٍ. لكن اللهَ، عزَّ وجلَّ، أراد لعبادِه دينا واحِداً وهو الإسلام، تجنُّباً لزرع الفتنة بين الناس.
وهذا يعني أن الإسلامَ، كدين، لم يتم إنزالُه، لأول مرة، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). بل الرسالات السماوية التي أنزلها اللهُ، سبحانه وتعالى، على أنبيائه ورُسُله، منذ نوحٍ، عليه السلام، إلى آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص) تدور، كلُّها، حول الدين الواحد الذي هو الإسلام.
ثم هل يُعقل أو هل من المنطقي أن اللهَ، سبحانه وتعالى، الذي يريد الخيرَ لعبادِه، أن يَزرعَ الفتنةَ بين الناس، بسَنِّه لهم أديانَاً مختلفةً تجعلهم مُنقسِمين إلى عدَّة فئات مُتناحِرة، أي أن كلَّ فئةٍ تفتخر بدِينها مُدَّعية أنه أفضل الأديان؟ بالطبع، لا ثم لا! لماذا؟
لأنه، في هذه الحالة، اللهُ، سبحانه وتعالى، يتناقض مع نفسه. وكيف لله أن يتناقضَ مع نفسه، وهو الذي يقول في الآية رقم 1 من سورة إبراهيم : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر ۚكِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ".
فهل يُعقَل أن يسعى، سبحانه وتعالى، لإخراج الناس من ظُلُمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، وفي نفس الوقت، يزرع بينهم الفتنةَ، بسَنِّه لهم أدياناً مختلفةً؟ وهو الذي يقول في الآية رقم 42 من سورة فصلت : "لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (فصلت، 42). المقصود في هذه الآية من "لَّا يَأْتِيهِ"، هو القرآن الكريم. وهذا الأخير فيه الإيمان، فيه الموعظة، فيه الهداية، فيه الصراط المستقيم، فيه المغفرة، فيه التواب… أي كل ما يجب أن يتَّصِفَ به المسلمُ ليكونَ مؤمِنا. لماذا؟
لأن المسلمَ قد يكون مسلِماً بالوراثة، أي بالتَّقليد. غير أن إيمانَه قد يكون منقوصا، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (الحجرات، 14).
وهذا يعني أن الأسلامَ ليس هو الإيمان، ولو أن الأولَ مرتبطٌ بالثاني، ارتباطاً وثيقاً. المُسلم هو مَن أسلمَ وجهه لله، أو إن شئنا، الإسلام هو الاستسلام لله، بالإضافة إلى تأدية أركانه الخمسة. بينما الإيمان هو التَّصديق بوحدانية الله وبملائكته وبكتبه وبرُسُله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
وبعبارة أخرى، الدين إسلامٌ وإيمان. الدين هو كل ما هو عملي وظاهر للعِيان. أما الإبمان، فهو نابع من باطن النفس البشرية، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلَّذِی نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن یَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰۤئكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَـٰلَۢا بَعِیدًا" (النساء، 136).
عندما نقف على الآية رقم 19 من سورة آل عمران، التي نصها الكامل هو : "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ". وكذلك، عندما نقِف أمامَ الآية رقم 85 من نفس السورة، والتي نصُّها الكامل هو : "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ".
ما يتبادر للأذهان، في أول وهلةٍ، وخصوصا، إذا فسَّرنا هاتين الآيتين حرفيا وبدون الوقوف، بتدبُّرٍ، على ما قاله، سبحانه وتعالى، في آياتٍ أخرى من القرآن الكريم، هو أن الدينَ المقصود من الآيتين رقم 19 و 85، هو رسالة الإسلام التي نزلت على آخِرِ الرسل والانبياء، محمد (ص). وهذا غير صحيح، وهذا ما تعلمناه، منذ الصِّغر، داخلَ الأُسَرِ وخارِجَها وفي المدرسة. وهذا هو ما يروِّجه التراث الفقهي الإسلامي.
وإذا تعمَّقنا بشيءٍ من بُعد النظر وقرأنا هاتين الآيتين، قراءةً مُتأنِّية، قد يتبادر إلى أذهاننا أن هناك أدياناً أخرى غير دين الإسلام، وخصوصا، أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه…". فهذا الجزء من الآية رقم 85 من سورة آل عمران، يوحي بأنه اللهَ يقبل، فقط وحصرياً، الإسلامَ كدين.
والحقيقة، كل الحقيقة، هو أن الرسالة التي أنزلها اللهُ، سبحانه وتعالى، على آخر الرسل والأنبياء ليست إلا تكملة للدين الواحد الذي أنزله، عزَّ وجلَّ، على رسلٍ وأنبياءَ من قبله. دينَ اللهِ، سبحانه وتعالى، دينٌ واحدٌ، لا ثانيَ له. والدليل على ذلك أن كلمةَ "دين" وَرَدَت في آيات القرآن الكريم بصيغة المفرد، ولا وجودَ لجمعِها، في نفس الآيات أو في آيات أخرى. وهذه حِكمةٌ فائقة الأهمِّية. الله واحِدْ، فمن المنطقي أن يدعوَ الناسَ إلى دينٍ واحدٍ وحتى لو كان، سبحانه وتعالى، يريد لعباده عدَّةَ أديان، لنَصَّ عليها في القرآن الكريم، وخصوصا، أن هذا الأخيرَ هو كِتاب هدايةٍ وإيمانٍ وموعظةٍ. لكن اللهَ، عزَّ وجلَّ، أراد لعبادِه دينا واحِداً وهو الإسلام، تجنُّباً لزرع الفتنة بين الناس.
وهذا يعني أن الإسلامَ، كدين، لم يتم إنزالُه، لأول مرة، على آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص). بل الرسالات السماوية التي أنزلها اللهُ، سبحانه وتعالى، على أنبيائه ورُسُله، منذ نوحٍ، عليه السلام، إلى آخِرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص) تدور، كلُّها، حول الدين الواحد الذي هو الإسلام.
ثم هل يُعقل أو هل من المنطقي أن اللهَ، سبحانه وتعالى، الذي يريد الخيرَ لعبادِه، أن يَزرعَ الفتنةَ بين الناس، بسَنِّه لهم أديانَاً مختلفةً تجعلهم مُنقسِمين إلى عدَّة فئات مُتناحِرة، أي أن كلَّ فئةٍ تفتخر بدِينها مُدَّعية أنه أفضل الأديان؟ بالطبع، لا ثم لا! لماذا؟
لأنه، في هذه الحالة، اللهُ، سبحانه وتعالى، يتناقض مع نفسه. وكيف لله أن يتناقضَ مع نفسه، وهو الذي يقول في الآية رقم 1 من سورة إبراهيم : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ الر ۚكِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ".
فهل يُعقَل أن يسعى، سبحانه وتعالى، لإخراج الناس من ظُلُمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، وفي نفس الوقت، يزرع بينهم الفتنةَ، بسَنِّه لهم أدياناً مختلفةً؟ وهو الذي يقول في الآية رقم 42 من سورة فصلت : "لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (فصلت، 42). المقصود في هذه الآية من "لَّا يَأْتِيهِ"، هو القرآن الكريم. وهذا الأخير فيه الإيمان، فيه الموعظة، فيه الهداية، فيه الصراط المستقيم، فيه المغفرة، فيه التواب… أي كل ما يجب أن يتَّصِفَ به المسلمُ ليكونَ مؤمِنا. لماذا؟
لأن المسلمَ قد يكون مسلِماً بالوراثة، أي بالتَّقليد. غير أن إيمانَه قد يكون منقوصا، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (الحجرات، 14).
وهذا يعني أن الأسلامَ ليس هو الإيمان، ولو أن الأولَ مرتبطٌ بالثاني، ارتباطاً وثيقاً. المُسلم هو مَن أسلمَ وجهه لله، أو إن شئنا، الإسلام هو الاستسلام لله، بالإضافة إلى تأدية أركانه الخمسة. بينما الإيمان هو التَّصديق بوحدانية الله وبملائكته وبكتبه وبرُسُله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
وبعبارة أخرى، الدين إسلامٌ وإيمان. الدين هو كل ما هو عملي وظاهر للعِيان. أما الإبمان، فهو نابع من باطن النفس البشرية، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : "یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلَّذِی نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلۡكِتَـٰبِ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن یَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰۤئكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَـٰلَۢا بَعِیدًا" (النساء، 136).