حسين عبروس - الشعر: صوت الحقيقة لا صدى الكذب..

*****
- الشعر نبض الرّوح بوح الأعماق التي لا تطالها أحاسيس المرجفين،ولاتدركها معاني المتقولين، هووجع القلب والوجدان معا،ودفق الشعور الذي تجري سواقيه من عالم الإلهام
وطالما اتُّهم الشعر بالكذب، وكأن الخيال جرم، وكأن الصور المجازية خيانة للحقيقة! قالوا إن الشعر لا يروي الواقع كما هو، وإن الشاعر يضلّل المتلقّي بالحيلة البلاغية والبهجة الصوتية. فردّ عليهم الشاعر الفرنسي جان كوكتو قائلًا: "إنّها أكاذيب تقول الحقيقة"، وصدق. فالشاعر لا يُنكر الواقع، بل يتجاوزه، ليكشف عمقًا لا تراه العين. هو لا يختلق الكذب ليضلّ،بل ليوقظ. العالم ليركب جناح الخيال لا فرارًا من الحقيقة، بل اقترابًا منها. وما أصدق قول الإمام علي كرم الله وجهه: "كلمة حق أُريد بها باطل"، فقد تكون الكلمات صادقة ظاهريًا لكنها خادعة في مقصدها، بينما الشاعر قد يكذب شكليًا، لكنّه يفتح نوافذ الرّوح على المعنى الحقيقي.
- إن الشعر مرآة لا تعكس المظهر، بل الجوهر. الكذب الذي يُتّهم به الشعر ليس خداعًا، بل فنٌّ يربط العابر بالأبدي، والظاهر بالباطن، والعقل بالعاطفة. والشاعر إذ ينسج من الخيال رؤاه، إنما يزرع وعينا في تربة الإحساس، ليقول لنا: انظروا... ها هي الحقيقة التي غفلتم عنها، لكنها الآن تنبض في بيتٍ من الشعر.
الشعر: صوت الحقيقة لا صدى الكذب
قيل يومًا للشاعر الفرنسي جان كوكتو:
"ليس الشعر إلا أكاذيب في أكاذيب."
فأجاب بثقة المبدع وصدق الرائي:
"لكنها أكاذيب تقول الحقيقة."
هكذا يفهم الشعراء ما يعجز عنه المتقولون. إنهم يدركون أن الشعر لا يُقاس بمقاييس الصدق الظاهري ولا يُختزل في تقارير الواقع. فالشاعر لا يدوّن اليوميات، بل يوقظ البصيرة. يخطّ من الخيال مرايا، يرى فيها الناس ما خفي عليهم من أنفسهم ومن هذا العالم. فهل يُسمّى هذا كذبًا؟
الشعر، في جوهره، تجربة وجودية لا يطرق بابها إلا مَن أُلهِم، لا من تقوّل. هو كائن يتخلّق في لحظة إشراق بين العقل والروح، لا يصطنعه التكلّف ولا تناله صناعة اللسان فقط. ومن هذا المقام، يُمكن القول إن الشعر ليس اختلاقًا، بل استبصار، وإنه لا ينطق بما لم يكن، بل يلمس ما لا يُرى.
في الشعر، الحقيقة لا تأتي مباشرة، بل مضمّخة بالرمز، مغسولة في نهر الصور، متّقدة بشعلة الشعور. فبيت شعري واحد قد يُضيء فينا ما لا تُضيئه عشرات الصفحات من النثر المباشر. وهنا مكمن الفرق: أن الشاعر لا يُسلّمك الحقيقة على طبق من وعظ، بل يزرعها في قلبك بذرة دهشة، تنمو في صمت.
ومن يُدقّق في التراث يجد أن الشعر لم يكن يومًا عدوًا للصدق، بل حليفًا له بأسلوب آخر. ألم يكن القرآن ذاته، وهو المعجزة البيانية الكبرى، يفرّق بين الشعر النبيل الذي يحمل رسالة، وبين الشعر الذي ينحرف عن الحق؟ ألم يقل الله تعالى:
"وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..." [سورة الشعراء]
فاستثنى الشعراء المؤمنين الصادقين، الذين لا يهيمون هربًا من الحق، بل إليه.
كذلك قال أرسطو في دفاعه عن الشعر: إن "الشعر أصدق من التاريخ، لأنه يعبّر عن الممكن والمأمول، بينما يعبّر التاريخ عن الحاصل والماضي."، وهو بذلك لا ينفي صدق التاريخ، بل يرفع من شأن الشعر باعتباره نافذة على العمق الإنساني، لا مجرد تسجيل للوقائع.
ولذلك، فالشاعر الحقيقي ليس كاذبًا، بل كاشف. ليس مروّجًا للأوهام، بل باعثًا للمعاني. أما المتقولون الذين لا يملكون روح الشعر ولا وهج الإلهام، فهم الذين يخطئون في القول ويحسبون المجاز تزويرًا، والصورة كذبًا، وهم لا يعرفون أن الشعراء يتحدثون من مقام الرؤية لا الحيلة، من مقام الإحساس لا الادّعاء.
لقد شبّه القدماء الشعر بالنّبوّة من حيث الإلهام، لا التشريع. واعتبره ابن رشيق في "العمدة" والجرجاني في "دلائل الإعجاز" فنًا راقيًا تتداخل فيه البلاغة بالحكمة، والذوق بالمعرفة، لا يقدر عليه إلا مَن رزقه الله "نفَسًا شعريًا"، أي القدرة على النفوذ إلى المعنى بما لا يقدر عليه غيره.
فأي كذب في هذا؟
بل أي صدق أعمق من أن يُبصّرك الشاعر بنفسك؟
أي بيان أرقى من أن يقول لك بيت شعرٍ ما لم تستطع قوله في سنة من الصمت؟
خاتمة: الشعر وحيُ الوجدان لا وهم البيان
ليس الشعر كذبًا، بل هو من جنس الإلهام، لا من صناعة الكاذبين. من ضوء البصيرة، لا من ظلمة اللسان. وإن كان الشعر "يكذب" في شكله، فهو لا يكذب في مقصده. بل يصدُق، ويفيض. يصدُق حين يعزّ الصدق. ويبوح حين يعجز القول العادي عن البوح.
فالشاعر الحقيقي لا يتقوّل، بل يتلقى. ولا يزيّف، بل يكشف
Peut être une image de ‎1 personne, télévision, salle de presse et ‎texte qui dit ’‎اضاءات ثقافية‎’‎‎

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى