د. أحمد الحطاب - التَّضامن الطائفي

عنوان هذه المقالة يمكن أن يكون مترادِفا مع عبارة "انصُرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً". فماذا أقصد بهذا العنوان؟ قبل الجواب على هذا السؤال، دعونا نقِف بعضَ الشيءِ على مُفردتَي "تضامُن" و"طائفة".

نتحدَّث عن التضامن لما يكون لجماعةٍ من الأشخاص هدفٌ مشترك يخدم مصالحَهم ويريدونٌ تحقيقَه على أرض الواقع. غير أن تحقيقَ هذا الهدف يتطلَّب من هذه الجماعة أن يكونَ أشخاصُها مُتَّحدين ومتَّفقين حول أهمِّية تحقيق هذا الهدف، وبالأخص، أن يكونوا مُتعاونين، أي أن بجمعَهم عملٌ مشتركُ. والتضامنُ فيه نوعٌ من الالتزام والمسؤولية.

فيه التزامٌ لأن تحقيقَ الهدف يكون في صالحِ الجماعة وليس في صالحِ الأفراد. لماذا؟ لأن الفردَ ليس له خيارٌ ما دام قد تعهَّد بالتَّضامُن مع أندادِه. بمعنى أنه مُلزَمٌ بتحقيق الهدف المشترك. وفيه مسؤولية ما دام الفردُ قد انخرط في الجماعة وتعرَّف على مقاصِدها. حينها تنتفي عنه صفةُ "الفرد" ويُصبِح عُضواً في الجماعة.

أما الطائفة، فالمقصود منها، في هذه المقالة، هو المعنى الديني، أي أن "الطائفة"، في هذه الحالة، هي جماعةٌ من الأشخاص ينهجون طريقةً خاصَّةً بهم لمُمارسة الدين السَّائد. مثلاً، بالنسبة للإسلام، الدين السائد هو الذي يستمدُّ مبادئَه من القرآن الكريم ومن السنة والجماعة. بينما الطائفة تعاكس هذه المبادئ، وذلك بإدراكِها للدين، فكرياً، حسب ما يتوفَّر عليه أعضاءُها من خلفياتٍ اجتماعية وثقافية. وهكذا، فإذا كانت السُّنَّة والجماعة ومبادئها الدينية هي الطائفة السائدة في العالم الإسلامي، فالشيعة وأتباعُها يُشكِّلون طائفةً تتصدرها إيران. كما أن الشِّيعةَ موجودون في بعض بلدان الشرق الأوسط كالعراق وسوريا واليمَن والبحرين ولبنان وبعض بلدان آسيا كالباكستان وأفغانِستَان… والسنة والجماعة والشيعة هما الطائفتان الدينيتان الرئيسيتان المُنتشِرتان في العالم الإسلامي. وإذا كان هناك اختلافات بين هاتين الطائفتين الرئيسيتين، فالاختلاف يكمن في فهم بعض أوجه الدين وليس في فهم جوهره. بمعنى أن الاختلافات فقهِية، أي أن كل طائفة تفهم أجزاءَ من الدين بطرقٍ فكرية خاصة بها.

ولهذا، فأعضاءُ الطائفة الواحدة ينتمون لتيَّارٍ فكري ديني خاص un courant de pensée religieux particulier يَدَّعي أن مُمارستَه للدين هي الصحيحة. هذا النوع من المُممارسة الدينية ينتمي لما يُسمَّى الطائفية le sectarisme. والطائفيون لا يكتفون بممارسة الدين بكيفية مختلفة عن ما هو سائدٌ. بل إنهم قد يُبدون شيئاً من التَّعصُّب de l'intolérance لأفكارهم الدينية. وأكثر من هذا قد تذهب بهم الجرأةُ إلى فرض أفكارِهم الدينية على الآخرين، بطريقةٍ أو أخرى.

في الحقيقة، ما أريد أن أبيِّنَه، من خلال هذه المقالة، هو أن الطائفيةَ ليست موجودة فقط في الدين. لماذا؟ لأنه، إذا كان الناسُ لا يفهمون الدينَ بنفس الطريقة، فهذا الاختلافُ ليس حكرا على فهم الأمور الدينية. بل نجد هذا الاختلافَ في كثيرٍ من الأمور الدنيوية.

نجده، مثلا، في إدراك مختلف النظريات العلمية، وبالتالي، كثيرٌ من هذه النظريات لم يحظَ بإجماع العلماء الدنيويين. وهذا النوع من النظريات يُثارُ حولها نقاش حاد، وفي نفس الوقت، مفيد. لماذا؟ لأن بعض جزيئات هذه النظريات لا تزال في حاحةٍ إلى مزيدٍ من الأَدِلة أو من التجارب. وهذا لا يعنيِ، إطلاقا، أن هذه النظريات غير صحيحة. لا، لأنها قد تصبح، مستقبلاً، من النظريات المُهمة التي قد يعتمد عليها العلمُ لتوضيح بعض الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية.

والطائفية le sectarisme نجدها، كذلك، في السياسة. وهنا، أعود لما قلتُه في بداية هذه المقالة، أي للمَقولة الشهيرة التي نصُّها : "انصُرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً". وفي هذا الصدد، أتذكَّر أن وزيرا في حكومةٍ سابقة، كان يمارس المحاماة، ارتكب خطأً فادحا في حق أحد موظفي مكتبِه، فأُقِيمَت الدنيا وأقعِدت من طرف الحزب الذي ينتمي إليه، ليتحوَّلَ الخطأ إلى صواب. وهذا ما حدث. وكل أحزابنا السياسية تسير على نفس النهج.

أما الطائفية في المجال الديني، فقد بلغت أوجها، وبالأخص، بعد وفاة الرسول (ص) بقرون. كل طائفة تدَّعي أن إدراكَها للدين هو الصحيح. وقد ذهبت، مثلاً، طائفة السنة والجماعة إلى أن صحَّةَ ما تدعيه راجعٌ إلى إجماع unanimité الأمة la communauté musulmane والعلماء les savants religieux musulmans. وما لم ينتبِه إليه هؤلاء العلماء أن مفهوم "الإجماع"، في عهد الرسول وبعد وفاته مّختلفٌ، تمامَ الاختلاف، عن ما هو عليه اليوم. الإجماع، كمفهوم، مرتبط، في عصرنا الحاضر، بالديمقراطية، والديمقراطية مرتبطةٌ بالانتخابات les élections والاستفتاءات les référendums… ورغم ذلك، لم يتحقق الإجماع ولو مرَّةً واحدةً. فكيف للإجماع أن يتحقَّقَ، لا بالنسبة للأمة ولا للعلماء، في عصر لم يكن للديمقراطية ولا للانتخابات وللاستفتاءات وجود. كل ما في الأمر أن علماءَ الطائفة الواحدة يُسانِد بعضُهم البعضَ الآخرَ، ولو كان على غير حق. لماذا؟

لأنه داخل الطائفة الواحدة، توجدُ فِرَقٌ غير متَّفِقة على جزيئات مما يدَّعيه العلماء أنه "إجماعٌ". وفي نهاية المطاف، ما يبقى حقيقة هو "انصُرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً". ولهذا، عنونتُ هذه المقالة ب"التَّضامن الطائفي".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى