د. أحمد الحطاب - يقولون ما يريد عامة الناس سماعَه

عنوان هذه المقالة يفرض علي طرحَ ثلاثة أسئلة وهي : مَن هم عامة الناس؟ ومَن هم الذين يقولون؟ وماذا يريد عامَّة الناس سماعَه؟

فيما يخصُّ السؤالَ الأولَ، أي "مَن هم عامة الناس؟ في الحقيقة، هذه العبارة، "عامة الناس" le commun des mortels، تُشير للناس الذين لا ينتمون للنخبة المُثقَّة l'élite cultivée أو l'élite intellectuelle أو الحاكمة أو الغنية أو ذات جاهٍ أو ذات مرتبة اجتماعية. وبعبارة أخرى، هذه العبارة تُشيرُ للناس العاديين الذين يًشكِّلون الأغلبيةَ الساحقةَ من أفراد المجتمع الواحد. والمقصود، عادةً، ب"الناس العاديين"، هم الناس الذين ليست لهم أية مسؤولية في مختلف مراتب السلطة. والمقصود بالنخبة، هم الناس الذين يتميَّزون اجتماعيا بثقافتهم أو بانتمائهم للسلطة أو بامتلاكهم للثروة أو بقدرتهم على جعل الناس يحترمونهم لسببٍ أو آخر. و"الناس العاديون" يشكِّلون، كما سبق الذكرُ، الأغلبيةَ الساحِقةَ من الشعب، وغالبا ما تكون أحاديثُهم اليومية مبنيةً على التنميط la stéréotypie، على القيل والقال les commérages أو على الأحكام المسبقة les préjugés. وهذا يعني أن نظرةَ عَامَّة الناس لكثيرٍ من الأمور الدنيوية تبقى سطحِية لأنها لا تخضع لتحليلٍ فكري مُعمَّق une analyse intellectuelle approfondie. وحُكمُ هذه الطبقة من الناس على الأشياءِ، غالِباً ما ينتهي بتصنيفِ هذه الأشياءَ في خانتين، وهما "الْمْزْيان" و"الخايب".

وجواباً على السؤال الثاني، أي "مَن هم الذين يقولون"؟ سأتَّخذ مثالاً واحدا ألا وهو "ما يقوله علماء وفقهاء الدين في الأمور الدينية". أولا، ما دام عامة الناس يصنِّفون الأشياءَ أو الأمور في خانتَي "الْمْزْيان" و"الْخَايْبْ"، وما دامت هذه الأحكام سطحية وغير ناتِجة عن تحليلٍ فكري، فهذه الفئة من الناس ليست لها الخلفيات الفكرية والثقافية les pré-requis intellectuels et culturels للحُكم على ما يقوله هؤلاء العلماء والفقهاء. وبالتالي، تراهم لا يركِّزون على مضمون ما يقوله علماءُ وفقهاء الدين، ويسلطون كلَّ اهتمامِهم على شخص القائل الذي تُلصق به كل الصفات الحميدة وأهمُّها التقديس والنُّطق بالحق والاستقامة… وهم لا يعرفون شيئاً عن شخصِه وسلوكه وتصرُّفاته. ولهذا، كل ما يقوله عالِمُ دينٍ أو فقيهٌ، يُصنَّفُ في خانة "الْمْزْيان". وهذا يعني أنه، بمجرَّد أن يكونَ شخصٌ ما عالِمَ أو فقيهَ دينٍ، فهو، مُسبقاً، مقدَّس، محترم ويتمُّ تصديق كل ما يقول. وهذه كارثة اجتماعية عظمى. غير أن القائلين لا يمكن حصرُهم في فئة علماء وفقهاء الدين. القائلون كُثُرٌ، وعلى رأسِهم السياسيون.

وجواباً على السؤال الثالث، أي"ماذا يريد عامَّة الناس سماعَه؟ أقول : "ما يريد عامَّةُ الناسِ سماعَه، هو ما يتناسب مع سطحية superficialité أفكارهم ومع تصنيفهم السريع للأشياء في خانتَي "الْمْزْيان" و"الخَايب".

وهذه، كما سبق الذكر، كارثةٌ عظمى. لماذا؟ لأن عامة الناس، بعد تصنيفهم للأشياء في خانتي "الْمْزْيان" أو "الخايْبْ"، ينتهي تفكيرُهم. وبالتالي، كثير من الأمور الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية… تصبح عاديةً ولو ألحقت وتُلحِق أضراراً بالناس. وبعبارةٍ أخرى، يتمُّ التطبيع مع هذه الأمور، وبالتالي، يتعايش معها الناسُ، هذا إن لم تصبح جزأً لا يتجزَّأُ من الحياة اليومية. ولعلَّ أكبر الأمور التي أصبح عامة الناس يُطبِّعون معها، هو الفساد بجميع أشكالِه. والفساد يولِّد الفساد. بمعنى أن الفساد يولِّد الزبونية le clientélisme والمحسوبية le népotisme وعدم المحاسبة l'absence de reddition des comptes، وسوء الأخلاق la mauvaise morale والتَّزوير la falsification والغش la fraude… وكل ما يحرِّف الأمورَ عن مسارها العادي والقانوني et tout ce qui fait dévier les affaires de leur déroulement normal et légal. فما هو السبب الرئيسي لهذه الكارثة العظمى؟

السبب الرئيسي في وجودِ هذه الكارثة العُظمى، هو فشل السياسات العمومية في بناء الإنسان المغربي القادر على التَّحليل والنقد الفكريين. وأهم هذه السياسات العمومية، السياسات التربوية التي لم تستطع، منذ استقلال البلاد إلى يومنا هذا، القيام بهذا البناء. كل ما نجحت فيه هذه السياسات العمومية/التربوية، هو تدعيم وتضخيم فئة "عامة الناس".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى