خالد محمد مندور - فيض الخاطر... مشكلة العلم الاجتماعي والنزعة التحريفية

لقد وجدتها وخرج عاريا يصرخ ويصيح فلقد أدرك قانون الطفو ، وبصرف النظر عن صحة هذه الرواية فمن المؤكد ان ارخميدس هو احد كبر العقول العلمية ، لقد سبقة فيثاغورث الذى قدم نظريات هندسية في منتهى الأهمية ومن ضمنها نظرية المثلث القائم الزاوية ، نظريات أثبت التطبيق وتقدم العلوم صحتها ، لكن فيثاغورث لم يكن فقط عالما رياضيا ، ففي ذلك الزمان كان اختلاط العلم والفلسفة عميقا دخل النفس البشرية الواحدة ، فلقد تبنى فيثاغورث الكثير من الرؤى الفلسفية الخاطئة ، ولا يقصد هنا الانحياز الى إحدى المدرستين الأساسيتين في الفلسفة بين المثالية والمادية ، لكن الأكثر أهمية في الدور التاريخي لفيثاغورث هو الإنجاز الهندسي والرياضي .
وتاريخ تقدم العلوم هو سلسال واحد يتقدم من الأسفل الى الأعلى معتمدا على ما سبق لاكتشاف ما هو قادم ، لكن مثل هذا التقدم لا يمكن اختصاره في إمكانيات العقول اللامعة التي حققته ، فتقدم العلوم يدفعه في المقام الأول التقدم الاجتماعي الذى يجعل التقدم العلمي مطلبا اجتماعيا تفرضه التطورات الاجتماعية والاقتصادية ، فالأمر ليس صدفة في إنجازات إسحاق نيوتن في القرن السابع عشر باكتشافاته الرياضية والفيزيائية ، فلقد كان هذا زمان نيوتن ، ولا يقصد بزمان نيوتن هذا المسمى باسحاق نيوتن لكنه زمن بروز مثل هذا العقل أو العقول باكتشافاتها ، اكتشافات تعيد في جانب منها اكتشافات أقدم منها ذهبت مؤقتا في طي النسيان رغم صراخ صاحبها وهو خارج محمولا من محكمة التفتيش " لكنها تدور " ، لكنها تعود وبقوة ويخلد صاحبها ، جاليليو ، في تاريخ البشرية.
وهو نفس ما تعرضت له اكتشافات فان ليفينهوك في نفس القرن السابع عشر عندما أكتشف الكائنات الدقيقة ، أي الميكروبات والخمائر، فلقد سبق عصرة وزمانة فذهب الى غياهب النسيان المؤقت ، الى أن أتى زمانها في القرن التاسع عشر ، حين اقتضت الضرورات الاجتماعية ذلك ، ففتح عهد جديد على أيدى الكيميائي الفرنسي لويس باستور الذى حقق إنجازا علميا فريدا في اكتشافه أن كائنات ليفينهوك الدقيقة تضر وتنفع ، فعالج الامراض في الحيوانات والنحل والبشر وساهم في تقدم الصناعات الغذائية ،وفتح مجالا علميا كبيرا لعب دورا هاما في تقدم العلم الطبي الحديث.
وإذا كان التقدم العلمي وطيد الصلة بالتقدم الاجتماعي ، أي بعمليات الانتقال التاريخية من مجتمعات سابقة الى مجتمعات لاحقة في صيرورة تاريخية لا تتوقف عند إنجازات نيوتن واكتشافاته بل تمتد الى التطورات اللاحقة باكتشاف حدود مجالات تطبيقها ، فياتي اينشتين ، في زمانه ، لكنه ليس فقط زمان نظرية النسبية ولكن أيضا نظرية ميكانيكا الكم ، وتصبح البشرية على أعتاب اكتشاف نظرية النظريات بتوحد الاكتشافات الكبرى في نظرية واحدة شاملة ، طبقا لتقديرات ستيفن هوكينغ أحد أكبر واهم علماء العصر الحديث ، فتقدم العلوم الاجتماعية كان أكثر تعقيدا بكثير ، هذا التعقيد الناتج لعلاقته المباشرة بالمصالح الاجتماعية ، أي بالصراع الطبقي ، لذلك لا يمكننا الحديث عن تقدم مطرد كصيرورة دائمة واجبارية مثلها مثل التقدم العلمي والتطبيقي الذى يخضع للاختبار اليومي في الإنتاج وفى الحياة اليومية ، لذلك فكثيرا ما تغيير توجهات سياسية من قناعاتها ليس انطلاقا من اكتشافات نظرية جديدة او من تعميق اكتشافات قديمة أو حتى من اكتشافات جديدة تنطلق من الواقع المتغير الجديد ، بل من تغيير مواقفها السياسية والاجتماعية ، ويصبح التبرير المقدم مثيرا حقا للسخرية حين يصف الاكتشافات النظرية السابقة بالقديمة انطلاقا من زمانها المادي السابق وليس من تغيير الصراع الاجتماعي او نتيجة لتحقيق اكتشافات نظرية جديدة ، ولا يقدم رؤية تطرح فهمه لما يعتقد أنه جديد ، ولعل أحد أهم أسباب هذا الذى يمكننا أن نسميه بالنفاق الاجتماعي هو محاولة الحصول على " الحسنتين" ، التمسك بالاكتشافات النظرية السابقة والإنجازات التي تحققت بالارتباط بها لكن في حدود الاحتفاظ بها في متحف التاريخ باعتبارها " قديمة " ، والتحرر منها لتبنى مواقف جديدة قد تشكل تناقضا واضحا مع القناعات والسياسات القديمة بدعوى التماهي مع الواقع الجديد.
لكن هل حقا لدينا واقع طبقي وسيأسى واجتماعي جديد؟ هل انتقل مجتمعنا من الاقطاع الى الرأسمالية؟ هل أختلف شكل الحكم؟ هل اختفت طبقات اجتماعية ونشأت طبقات جديدة؟ هل كانت التغييرات مفاجئة وخارج حدود التوقعات النظرية السابقة؟ هل تغيرت العلاقات مع القوى الدولية خارج حدود التوقعات؟
أن الاجابة المستقيمة على الأسئلة والتساؤلات السابقة هي الوحيدة القادرة على تقديم التفسير الحقيقي لتغيير المواقف ، ولا يقصد بتغير المواقف هنا التغيرات اليومية للاستجابة للواقع المتغير، بل الى الفهم الاستراتيجي لطبيعة المرحلة، أي لتوصيف طبيعة السلطة السياسية وطبيعة التحالف الطبقي السائد وصراعاته الداخلية والعلاقات مع القوى الاقتصادية والاجتماعية العالمية ، والى فهم التطورات الجارية وسط احتدام الصراع الطبقي والضغوط والاندماج مع القوى الرأسمالية العالمية ، والى فهم حقائق الحريات الديمقراطية وشكل الحكم .
أن الوصول الى هذه الاستراتيجية تتطلب اتخاذ موقف نقدي من السياسات السابقة وليس وضعها في المتحف، فنحن نعتقد أن الطبيعة الاجتماعية لم تتغير إلا في حدود تغير الاوزان النسبية والعلاقات بين الفئات الرأسمالية المختلفة، وأن الواقع الحالي يمثل الامتداد الموضوعي للواقع الذي يتحدث البعض عنه باعتباره قديما، وان برامج الحدين الأدنى والاعلى هي نفسها مع مراعاة التغييرات الاجتماعية الجديدة والدروس النظرية المستفادة.
الكثير من التبرير الذي لا يحتاجه أحد، فمن حق أي قوى سياسية ان تغيير من مواقفها لكن عليها ألا تثير الغثيان بالتمسح بالماضي باعتباره ماضيا رغم أنه يحلق فوق رؤوسهم ويضيق نطاق حركتهم، والغريب أن هذا الذي يعتبره البعض ماضيا لايزال هذا البعض يستخدم أسوء ما كان فيه، أي الأساليب التحريضية في غير زمانها ومكانها مضافا اليها الديماغوجية التي تستسهل التعميم والاختصار والمبالغة والعجز عن رؤية التغيرات وحدودها، بل وتتجاهل الأهمية الحاسمة للدراسات الجادة في زمانها ومكانها.
ويبقى أخيرا ضرورة مواجهة انتشار النزعات التحريفية بدعوى التلاؤم مع الحاضر المتغير ، وهى نزعات تحريفية لا تدع حجرا قائما فوق حجر ، يتناول بعضها بعض من الاكتشافات النظرية مثل طبيعة سلطة الدولة والبعض الاخر أسس التنظيم والأساليب الكفاحية ، وبالقطع فإن الخبرات التاريخية والتطورات الاجتماعية الحديثة هي دافع دائم لتطوير النظريات والى مراجعة الأساليب الكفاحية واسس التنظيم ، لكن يبقى دائما أن هناك فارقا هائلا بين الاستفادة وتقييم خبرات الماضي وسط شروط تحققه ، في الماضي ، وبين انتقاد الماضي للتسفيه منه والحط من خبراته ومكانته طريقا لتمهيد الطريق امام توجهات جديدة تتغذى من إشاعة مناخ سلبى من الخبرات السابقة ، كي تتحول التوجهات الجديدة الى نوع جديد من الايمان العقائدي لكى يحل بديلا عن الايمان العقائدي السابق وكأنه استبدالا لجمود بجمود جديد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى