راشد حسين - من لاجئ إلى أمه... شعر

أصحيح أنهم «جميعاً بخير» هؤلاء الذين يبعثون
لنا برسائلهم من الإذاعة؟
الخيمةُ الخمسون من جهة اليسار هنا حياتي
فيها ـ ألا تدرين ما فيها ؟ بيادر ذكرياتي
ذكرى تحدثني عن الدار الملوَّنة الجهات
ذكرى تُحدِّثُ عن أخي «سامي» وعن عبث اللّدات
ذكرى العبير المشمشي وذكريات السُّنبلاتِ
* * *
ولخيمتي بابان يا أمي كأبواب العذاب
باب يقود إلى الجحيم إلى الشتائم والسباب
نحو الخيام العابسات كبعض أكداس السحاب
وهناك في جهة السماء على جبين السقف باب
تبدو النجوم خلاله كاللاجئين بلا ثياب
* * *
مجنونة والله يا أماه أفكاري العجيبه
بالأمس قالت لي: تعال نزور دارَكُمُ القريبه
أنسيتَها؟ أنسيتَ أمَّكَ والأقاربَ والخطيبه؟
أنسيتَ عطرَ اللوزِ في شفة الحواكير الرطيبه؟
لم أنسها! لم أنسها! والله يا أمي الحبيبه!
* * *
وربطتُ يا أمي حبالَ الشوق في قلبي الجريح
يا ويح هذا الشوق مندفعٌ مِنَ البلد الفسيح
مِنْ خشخشات براعم الزيتون والحقل المليح
نحو الحدود يشدُّني شدَّ القتيل إلى ضريح
أو مثلما شُدَّتْ إلى خشب الصليب يد المسيح
* * *
ومشيتُ نحو الغربَ آمَلُ أن أراكِ فذاك عيدي
والشمس مالت للمغيب بطيئةً فوق الحدود
فكأنها متسللٌ يخشى «مداعبة» الجنود
وتحركَتْ شفةُ البنادق بالشتائمِ والوعيدِ
فرجعتُ أركض خائفاً وبصقتُ في وجه الوجود
* * *
اللَّيل يا رباه ثلجٌ أسود قد هدَّ جسمي
والصبح شرطيٌّ غريرٌ لا يزال يحب شتمي
يا ليتني يا رب دمعةُ فرحةٍ من عين أمي
يا ليتني يا رب سنبلةٌ بحقل أبي وعمي
يا ليتني يا رب!.. لكن «ليتني» ينبوعُ همي!

*********

ديوان راشد حسين
دار العودة ـ بيروت
1982 ـ ديوان (صواريخ)
أعلى