الديمقراطية هي أن يحكمَ الشعبُ نفسَه بنفسِه إما مباشرةً كما هو الشأن في سويسرا la Suisse. وهذا النوع من الديمقراطية يُسمَّى الديمقراطية المُباشِرة la démocratie directe، أو عبرَ ما يُسمَّى ب"التمثيلية" la représentativité التي تقود مُرشَّحي حزبٍ سياسي أو مرشَّحي أحزابٍ سياسيةٍ، عبرَ الانتخابات، إلى كراسي السلطة لتدبير الشأن العام للبلاد والعباد.
السؤال الذي يفرض، هنا، نفسَه علينا هو : "هل عنوان هذه المقالة ينطبق على بلادِنا، المغرب أم أن الديمقراطية شيءٌ والواقع شيءٌ آخر؟
قبل الجواب على هذا السؤال، أريد أن أُثيرَ الانتباهَ أن الديمقراطية كلٌّ متكامل، بمعنى أنها غير قابلة للتَّجزيء من حيث اعتبارها، فكرياً، كمفهوم مُتعدِّد الأبعادش multidimensionnel. لكن بالإمكان تنزيلها على أرض الواقع بالتَّدريج. لماذا؟
لأن كل الأبعادَ التي يتميَّز بها مفهومُ الدينقراطية مُتداخِلة فيما بينها. بمعنى أن هناك أبعادا لا يمكن تنزيلها على أرض الواقع دون تنزيل الأبعاد المُتداخٍلة معها. مثلاً، لا يمكن تنزيل العدالة دون المساواة بين الناس. ولا يمكن تنزيل المساواة دون إعطاء المرأة حقوقَها…
ولهذا، من المستحيل تنزيل الديمقراطية، كمفهوم متعدِّدِ الأبعاد، دفعةً واحِدةً على أرض الواقع. ولهذا، لجأت بلدانٌ كثيرةٌ إلى ما يُسمَّى بالانتقال الديمقراطي la transition démocratique، أي الانتقال من وضعٍ تكون فيه الديمقراطية غير كاملةَ التطبيق على أرض الواقع، لكنها تتحقَّق بالتَّدريج progressivement.
والدليل على وجودِ هذا الانتقال أن بعض مبادئ الديمقراطية، إن كانت مضمونة دستوريا، فإن الواقع خاليٌّ منها. بمعنى أن هذه المبادئ لم يستفِد منها الشعبُ المغربي إلى حدِّ الآن. ومن بين هذه المبادئ أو القِيم، أذكرُ على سبيل المثال المساواة بين المواطِنات والمواطنين في الحقوق والواجبات، التوزيعُ العادِل والمُنصِف للثروة التي تُنتِجها البلاد، القضاء على الفساد والأمية… علماً أن الفسادَ والأمية لا بمكن أن يتعايشا مع الديمقراطية في نفس المجتمع.
فبما يخصُّ المساواة بين المواطنين والمواطنات، ما يجب التنبيه إليه، هو أن الزبونية le clientélisme والمحسوبية le népotisme تتناقضان مع الديمقراطية ولا تزالا موجودتين في الواقع المغربي، وخصوصا، على المستوى الإداري والاقتصادي. وليكن في علمِ الجميع أن سببَ وجودِ هاتين الآفتين في المجتمع المغربي، هي الأحزاب السياسية التي تدبِّر الشأنَ العام. لماذا؟
لأن هذه الأحزاب السياسية، بعد صعودها إلى البرلمان والحكومة، عبر الانتخابات، لم تجعل من مُحاربة الفساد أولويةَ الأولويات. وبالتالي، فإن هذه الأحزاب، بحُكم عدمِ محاربتها للفساد، فإنها تُشجِّعُه ضِمنياً، وقد تصبِح السياسات العمومية، التي، بواسِطتها تُدبِّر الشأنَ العام، مصدرأً لهذا الفساد. وبالفعل، فإن الأحزابَ السياسةَ، الصاعِدة للبرلمان وللحكومة، عبر الانتخابات، ترى الفسادَ بأمهات أعينِها، لكنها لا تُحاربُه. ولهذا، فالفسادُ يتغلغل في المجتمع المغربي، وعوض أن يتراجعَ، فإنه يزدادُ شدَّةً من سنةٍ إلى أخرى. وهذا هو ما وضَّحته وتوضِّحه الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته l'instance nationale de la probité et de la prévention et de la lutte contre la corruption، عبرَ تقريرها السنوية ses rapports annuels.
أما فيما يخصُّ "التوزيع المنصِف للثروة التي تُنتِجها البلاد، ما يجب التَّنبيهُ إليه، هو أن ملكَ البلاد، نفسَه، في إحدى خُطَبِه الموجِّهة للشعب المغربي، تسأءَلَ عن مصير الثروة التي تُنتِجها البلاد، قائلاً. : "أين هي الثروة"؟ قال "أين هي الثروة"؟ لأنه لاحظ أن هذه الثروة لم تعُدْ بالنفع على المواطنين. وهناك دلائلٌ تبيِّن بوضوح أن الثروةَ التي تنتِجها البلاد لم يتم توزيعُها بإنصاف لا على مستوى الأفراد ولا على مستوى الجماعات الترابية.
الثروة التي تُنتِجها البلادُ لم تعد بالنفع على المواطِنات والمواطنين لعدَّة أسباب، أذكرُ من بينها ما يلي :
أولا، لأن اقتصاد البلاد فيه كثيرٌ من الريع la rente. والاقتصاد الريعي l'économie rentière يعود بالنفع على جيوب بعض المحظورين القلائل جدا الذين يستفيدون من بعض الامتيازات، قانونيا، أو يحتكِرون سوقا من الأسواق دون أن تعودَ هذه الامتيازات والاحتكار le monopole بالنفع على الاقتصاد الوطني. وعندما ينخر الريعُ الاقتصاد الوطني، تغيب المبادرة في الاستثمار ويغيب التنافس والابتكار.
ثانيا، عدم مُلاءمة أجور الموظفين، في القطاع العمومي، والعُمَّال، في الفِطاعِ الخاص، مع غلاء المعيشة. أي مع الارتفاع الهائل في أسعار الضروريات اليومية للمواطنين. بل كل الحكومات المتعاقِبة على تدبير الشأن العام، منذ استقلال البلاد إلى يومنا هذا، لا يزال الصراع قائماً بين هذه الحكومات والنقابات الوطنية لضمان ما يُسمَّى بالأجر الأدنى الصناعي المضمون le salaire minimum industriel garanti-smig أو الأجر الأدنى الفلاحي المضمون le salaire minimum agricole garanti-smag. وهذا دليلٌ على أن جزأً من الثروة التي تنتِجها البلاد، يذهب إلى جيوب أقلية محدودة جدا ويساهم في اغتنابها son enrichissement، وفي نفس الوقت، يحرم جزأ كبيرا من المواطنين من الاستفادة من هذه الثروة.
أما فيما يخص القضاء على الفساد وألأمية، فلا داعي للقول أنهما آفتان deux fléaux لم تستطع الأحزاب السياسية المُتعاقبة على تدبير الشأن العام، منذ استقلال البلاد إلى يومنا هذا، القضاء عليهما، أو على الأقل، الحد من انتشارِهما، بكيفية لا تُعيق تنميةَ البلاد والعباد. لماذا؟
لأنه لا يُعقَل أن يمرَّ ما يُناهز سبعين سنةً على استقلال البلاد، وهاتان الآفتان لا تزالا موجودتين في المجتمع المغربي. بل لاتزال تحدَّان، بكيفية ملحوظة، من إنتاج الثروة ومن توزيعها العادل على البلاد والعباد. وخير مثالين يمكن الاستدلال بهما، هما كوريا الجنوبية la Corée du Sud وسنغفورة Singapour. في فترة وجيزة، انقلبت الأوضاع، راساً على عَقِبٍ، في هذين البلدين، بفضل الإرادة السياسية القوية une forte volonté politique، وبفضل سياسة تربوية مُحكمة une politique éducative bien .pensée عندنا، إلى حدِّ الآن، لم تُوَفَّرْ الإرادة السياسية القوية وكل السياسات التربوية باءت بالفشل.
السؤال الذي يفرض، هنا، نفسَه علينا هو : "هل عنوان هذه المقالة ينطبق على بلادِنا، المغرب أم أن الديمقراطية شيءٌ والواقع شيءٌ آخر؟
قبل الجواب على هذا السؤال، أريد أن أُثيرَ الانتباهَ أن الديمقراطية كلٌّ متكامل، بمعنى أنها غير قابلة للتَّجزيء من حيث اعتبارها، فكرياً، كمفهوم مُتعدِّد الأبعادش multidimensionnel. لكن بالإمكان تنزيلها على أرض الواقع بالتَّدريج. لماذا؟
لأن كل الأبعادَ التي يتميَّز بها مفهومُ الدينقراطية مُتداخِلة فيما بينها. بمعنى أن هناك أبعادا لا يمكن تنزيلها على أرض الواقع دون تنزيل الأبعاد المُتداخٍلة معها. مثلاً، لا يمكن تنزيل العدالة دون المساواة بين الناس. ولا يمكن تنزيل المساواة دون إعطاء المرأة حقوقَها…
ولهذا، من المستحيل تنزيل الديمقراطية، كمفهوم متعدِّدِ الأبعاد، دفعةً واحِدةً على أرض الواقع. ولهذا، لجأت بلدانٌ كثيرةٌ إلى ما يُسمَّى بالانتقال الديمقراطي la transition démocratique، أي الانتقال من وضعٍ تكون فيه الديمقراطية غير كاملةَ التطبيق على أرض الواقع، لكنها تتحقَّق بالتَّدريج progressivement.
والدليل على وجودِ هذا الانتقال أن بعض مبادئ الديمقراطية، إن كانت مضمونة دستوريا، فإن الواقع خاليٌّ منها. بمعنى أن هذه المبادئ لم يستفِد منها الشعبُ المغربي إلى حدِّ الآن. ومن بين هذه المبادئ أو القِيم، أذكرُ على سبيل المثال المساواة بين المواطِنات والمواطنين في الحقوق والواجبات، التوزيعُ العادِل والمُنصِف للثروة التي تُنتِجها البلاد، القضاء على الفساد والأمية… علماً أن الفسادَ والأمية لا بمكن أن يتعايشا مع الديمقراطية في نفس المجتمع.
فبما يخصُّ المساواة بين المواطنين والمواطنات، ما يجب التنبيه إليه، هو أن الزبونية le clientélisme والمحسوبية le népotisme تتناقضان مع الديمقراطية ولا تزالا موجودتين في الواقع المغربي، وخصوصا، على المستوى الإداري والاقتصادي. وليكن في علمِ الجميع أن سببَ وجودِ هاتين الآفتين في المجتمع المغربي، هي الأحزاب السياسية التي تدبِّر الشأنَ العام. لماذا؟
لأن هذه الأحزاب السياسية، بعد صعودها إلى البرلمان والحكومة، عبر الانتخابات، لم تجعل من مُحاربة الفساد أولويةَ الأولويات. وبالتالي، فإن هذه الأحزاب، بحُكم عدمِ محاربتها للفساد، فإنها تُشجِّعُه ضِمنياً، وقد تصبِح السياسات العمومية، التي، بواسِطتها تُدبِّر الشأنَ العام، مصدرأً لهذا الفساد. وبالفعل، فإن الأحزابَ السياسةَ، الصاعِدة للبرلمان وللحكومة، عبر الانتخابات، ترى الفسادَ بأمهات أعينِها، لكنها لا تُحاربُه. ولهذا، فالفسادُ يتغلغل في المجتمع المغربي، وعوض أن يتراجعَ، فإنه يزدادُ شدَّةً من سنةٍ إلى أخرى. وهذا هو ما وضَّحته وتوضِّحه الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته l'instance nationale de la probité et de la prévention et de la lutte contre la corruption، عبرَ تقريرها السنوية ses rapports annuels.
أما فيما يخصُّ "التوزيع المنصِف للثروة التي تُنتِجها البلاد، ما يجب التَّنبيهُ إليه، هو أن ملكَ البلاد، نفسَه، في إحدى خُطَبِه الموجِّهة للشعب المغربي، تسأءَلَ عن مصير الثروة التي تُنتِجها البلاد، قائلاً. : "أين هي الثروة"؟ قال "أين هي الثروة"؟ لأنه لاحظ أن هذه الثروة لم تعُدْ بالنفع على المواطنين. وهناك دلائلٌ تبيِّن بوضوح أن الثروةَ التي تنتِجها البلاد لم يتم توزيعُها بإنصاف لا على مستوى الأفراد ولا على مستوى الجماعات الترابية.
الثروة التي تُنتِجها البلادُ لم تعد بالنفع على المواطِنات والمواطنين لعدَّة أسباب، أذكرُ من بينها ما يلي :
أولا، لأن اقتصاد البلاد فيه كثيرٌ من الريع la rente. والاقتصاد الريعي l'économie rentière يعود بالنفع على جيوب بعض المحظورين القلائل جدا الذين يستفيدون من بعض الامتيازات، قانونيا، أو يحتكِرون سوقا من الأسواق دون أن تعودَ هذه الامتيازات والاحتكار le monopole بالنفع على الاقتصاد الوطني. وعندما ينخر الريعُ الاقتصاد الوطني، تغيب المبادرة في الاستثمار ويغيب التنافس والابتكار.
ثانيا، عدم مُلاءمة أجور الموظفين، في القطاع العمومي، والعُمَّال، في الفِطاعِ الخاص، مع غلاء المعيشة. أي مع الارتفاع الهائل في أسعار الضروريات اليومية للمواطنين. بل كل الحكومات المتعاقِبة على تدبير الشأن العام، منذ استقلال البلاد إلى يومنا هذا، لا يزال الصراع قائماً بين هذه الحكومات والنقابات الوطنية لضمان ما يُسمَّى بالأجر الأدنى الصناعي المضمون le salaire minimum industriel garanti-smig أو الأجر الأدنى الفلاحي المضمون le salaire minimum agricole garanti-smag. وهذا دليلٌ على أن جزأً من الثروة التي تنتِجها البلاد، يذهب إلى جيوب أقلية محدودة جدا ويساهم في اغتنابها son enrichissement، وفي نفس الوقت، يحرم جزأ كبيرا من المواطنين من الاستفادة من هذه الثروة.
أما فيما يخص القضاء على الفساد وألأمية، فلا داعي للقول أنهما آفتان deux fléaux لم تستطع الأحزاب السياسية المُتعاقبة على تدبير الشأن العام، منذ استقلال البلاد إلى يومنا هذا، القضاء عليهما، أو على الأقل، الحد من انتشارِهما، بكيفية لا تُعيق تنميةَ البلاد والعباد. لماذا؟
لأنه لا يُعقَل أن يمرَّ ما يُناهز سبعين سنةً على استقلال البلاد، وهاتان الآفتان لا تزالا موجودتين في المجتمع المغربي. بل لاتزال تحدَّان، بكيفية ملحوظة، من إنتاج الثروة ومن توزيعها العادل على البلاد والعباد. وخير مثالين يمكن الاستدلال بهما، هما كوريا الجنوبية la Corée du Sud وسنغفورة Singapour. في فترة وجيزة، انقلبت الأوضاع، راساً على عَقِبٍ، في هذين البلدين، بفضل الإرادة السياسية القوية une forte volonté politique، وبفضل سياسة تربوية مُحكمة une politique éducative bien .pensée عندنا، إلى حدِّ الآن، لم تُوَفَّرْ الإرادة السياسية القوية وكل السياسات التربوية باءت بالفشل.