محمد بشكار - أخافُ منِّي..!

ما عاد أحدٌ اليوم يأْمَنُ على نفسه حتى من نفسه، وصارت الثقافة السائدة والمُسْتأْسِدة دون زئير، لا تستدعي حرْثاً للسطور ورمياً للبذور في كتاب، بل يكفي أن أقرأك وتقرأني بالأعين، لنستخلص معرفةً عالمية لا تحتاج منّا أن نكون آباراً لنفهم معانيها العميقة، أو ترجمةً بأيِّ لغة ما دامت لغتُها تتحدث بالخفقان المتسارع رُعباً في قلوبنا؛ إنها معرفةُ أو ثقافةُ الخوف التي نشترك مع جميع الكائنات في مرجعيتها الإنسانية رغم أنها في حالة الخطر الذي يتهدَّدُ الحياة لا تستثني حتى الحيوان..!
لم يعُد أحدٌ اليوم يأمن على نفسه حتى من نفسه، بعد أن قَتلتْ الإنسانيةَ جمْعاء، الانفجارات التي أهرقت دم الأبرياء غزيراً في بيروت وباريس تحديداً، ليس لأن بشرها غير البشر في فلسطين والعراق واليمن وسوريا وهلم حرباً، بل لأن فرنسا نموذج الدولة الغربية المتقدمة عسكرياً والمنفتحة فكرياً حتى السروال، ولا يخطُر بالحُسبان أن صرْحاً حضارياً يُمثِّل قوةَ عاصمة الأنوار، سيتسرَّبُ من تحت إبطه ريحٌ يُزعزع الأمن الداخلي للبلد ويُزهق الأرواح؛ لِنقُل إن الحرب قد غيّرت في العالم ميادينها مما عهدناه جيشاً مُقابل جيش في مواقع عسكرية معلومة بجحيمها تكون غالبا على الحدود بعيداً عن المُدن الآهلة بالسكان، وصارت حرباً يمكن أن تندلع مع سيجارة نوقدها في الشارع، وفي أي لحظة لم نكن نعلم ونحن نرفع المِعْصَم لننظُر كم الساعة أنها ساعتنا أو دقيقتنا الأخيرة..!
حرب قد تنفجر من أي مكان يجعلنا نضعُ في حذرنا، أن الموتَ رجلٌ أو امرأة قد يُشاهد معنا في الملعب كرة ما زالت تتدحرج قَدَماً حتى تتطاير مع أشلائنا ندماً..!
أوْ قد يتسوَّق معنا الموتُ بأحد (المُولات) في العواصم الكُبرى، لنُفاجَأ أن الفاتورة الطويلة بالسِّلع التي ندفعها من جيوبنا، تبقى بخسة بالمقارنة مع حياتنا التي نُسددها روحاً باهظة في انفجار رخيص..!
قد يرْتشِف الموتُ معنا، فنجان قهوة ليُعلِّمنا أن البُنَّ ليس كلَّه من الصِّنف الممتاز الذي يجعلنا يقظين بسعة أعين إرهابي لا يملك وقتا للنوم أو ما شابه، ما لم يحصل حَسَبَ زعمِه المريض على شهادة تجعلنا ننام معه إلى الأبد، غافلا عن الآية الكريمة: « من قتل نفْساً بغير نفْسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً«...!
لن يغْفَلَ عاقلٌ اليوم عن إدراك هذا التحوُّل الرهيب الذي اتخذته الحرب في استراتيجيتها المُخاتلة، فقد جعلت أهم خُططها مهما كانت مُحكمة التنظيم في باطنها، تبدو في مظهرها اعتباطية لا يفهمها عقل أو تخطر بتوقيت، مما ينجُم عنه خسائر فادحة في الأرواح والجهاز العصبي للدُّول؛ إنها الحرب التي تجعلُ الخطر يُحْدِقُ بالإنسان في أي مكان مُخصَّص للعيش اليومي، سواء في بلده أو بلدان الغير؛ ولن نستطيع حتماً إحصاء التبعات التي تجعل الناس في العالم يكرهون مع أنفسهم حتى الحياة، وهي جميعاً نابعة من رحم الخوف وإن تعددت في نزعاتها المُتطرفة، بدءاً من عودة البلدان الأوروبية للتفكير في الهويات بأعراقها ودياناتها وألوانها، مما سيبُثُّ الكراهية ويزيد في تأجيجها حين الشروع في إجراءات احترازية، من قبيل تقليص حُرِّية الفكر والانفتاح على الآخر، الذي لا يمكن استئصاله بدون نزيف وفوضى بعد أن غدا هويةً كاملة المُواطَنة في النسيج الاجتماعي لهذه البلدان الغربية، و يبقى أشَدَّ ما نخشاه أن يدفعها هاجس الخوف إلى التخلي عن نمط عيشها الحضاري مما سيُفقدها مع الأيام ديمقراطيتها، طمعاً في الأمن الاجتماعي..!
أعود لقلبي لأقيس بنبضه الخفقان المُتسارع رعباً لقلب العالم عاصمة الأنوار والحرية باريس، بعد أن غدا الخوف ثقافة كونية تُقيِّدنا في الحركة التي لن تكون إلا بحساب، وفي الأنفاس التي يجب أن نكتمها حتى لا تختلج أو تعزف أنيناً في قصباتنا الهوائية ما لم تصبح صفاراتِ إنْذار..!
لم يعد أحدٌ يأْمَنُ على نفسه حتى من نفسه، و لا أحسب الجميعَ إلا يفضِّلون المشيَ في الشوارع عُراةً على أن يرتدوا إرهابيا مع الثياب..!

(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 19 نونبر 2015)






1753640218052.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى