إبراهيم محمود - نص الموز

1777676769820.png



1
طيب المعشر، صامت، لكنه جليّ الحراك والحساسية من الداخل. أقل لمسة تترك فيه أثراً. ذلك بعض من مزاياه في نعومة الملموس، والشعور بطراوة تتوقف عليه، في إثارة فضول مرتقب لإماطة لثام، بغية معرفة مصدر هذه الطراوة: ماالذي يجعل الملمس ناعماً، باثاً أريحية، حياء مستحباً، إيذاناً بالمنتظَر المستساغ!
وثمة قابلية الإمساك به دون مقاومة، تقدير مغايرته عما عداه، وتلك تحفته المعلَّقة عالياً.
هوذا : الموز، بسيط كما هو المرئي فيه، بسيط كما هو المعهود داخله، في تكوينه، سوى أن وراء هذي البساطة، ما يشعل شبكة من المؤثرات الحساسية، ما يوجّه الانتباه إلى خاصية مسامية في تكوينه الذي عرِف به مذ وجد، متنقلاً، مألوفاً، مؤهلاً لأن يُرحَّب به على موائد لها ندرة في المكانة والحفاوة .
لا أكثر من الموز تركيباً، ليس فيما يمكن تشريحه، إنما المأمول منه لجعل الجسم أنشط، أنضر وأنعش!
2
ليسَ شجرة. هكذا قيل ويقال في جنسه. ليس نبتاً، بالمعنى الحرفي، كأي نبات، كما يتردد القول كذلك في التسمية حوله. خلافه مع المنظومة الشجرية، بدءاً من جذوره مروراً بالمعهود ساقاً وصولاً إلى الأغصان. لا جذع، من جهة الدقة. هناك جسم ذو طيات بأغلفته العريضة التي تلتصق ببعضها بعضاً. نسيج من المتانة والمرونة والصعود التدريجي إلى الأعلى، مع قابلية في التوسع القاعدي، ضماناً لعلو مطلوب، كرمى الموز الذي -يبدو- أنه لا يحب الكشف والانكشاف إلا من علو يشد النظر إليه. لأوراقه الصفائحية ميزتها الخاصة بالمقابل، لما يتدلى منه الموز إلى جانب لمة موزات أشقاء وشقيقات، حيث يختفي التجنيس جهة الوحدة، ليكون للتجنيس حضور داخلي، وليس من استعراض في المشهد.
يتدلى الموز شبيه هلال. يا للسماء اللامرئية التي تُرى من خلاله، شبيه قوس، يا للون المشع بذهبه الذي يعزز مكانته دون نقصان.
3
موز! لا فصل بين طرفين، كغيرهما مما يُعرَف في عالم الخضار" الخيار، الباذنجان، الكوسا.." أو الفاكهة " العرموط، البرتقال، الرمان، الأناناس...إلخ" يمكن لأي منهما أن يكون الآخر، دون أن يكونه. أن يحل محله ، دون إلغائه. تلك فضيلة قائمة في تكوين الموز إجمالاً. من أين أردت، يمكنك البدء، الكل واحد. لا عروق، لا بذور، لا مفاصل، لا أشواق، لا غضاريف، لا عظام، لا أنسجة خاصة.. إلخ، ثمة الموز لحظة بلوغه، شبيه الهريسة، أو ما يسهل تناوله دون عسر.
4
أن تتحدث عن الموز. عليك ألا تجني عليه بالفصل بين قشرته والمعتبَر لبَّه. كل منهما مسنود بالآخر. كلٌّ منهما يستدعي الآخر دون أن يلغيه في المأهول به غذاء ما، عقاراً مركَّباً، هو المطلوب غير المسمى والمنشود للجسم داخلاً وخارجاً بالمقابل. لهذا، فإن الممكن قوله، هو أنه ربما يكون لقشرة الموز من الاعتبار، ما ليس في سواه فاكهةً أو خضرة، هو أنه الدال على المراحل التي يكون الداخل عليها لباً، في التقدير والتفكير أبعد من المنظور والملموس المباشرين، وهو يتنفس، ينبض بحياة تتوقف عليه دون اختناق. كل تطور طارىء عليه، يأتي الإبلاغ عنه في القشرة، وسريعاً يستفحل التأثير بقعياً، ثم كما لو أنه ثوب حداد سواداً خاصاً به، لا يتوقف عليه وحده، إنما على عموم الداخل. ليكون واحداً هو الموز في داخله، استثنائياً، فلم يخطىء مصنفو النبات والخضرة في الحديث عن نوعه وجنسه، لحظة إطلاق اسم عليه: نباتاً، وهو ليس كذلك على وجه التحديد، وشجرة، نظير أي نوع شجري، وهو ليس كذلك على وجه التخصيص، تعبيراً عن تكوينه شبيه القوس، أو الهلال الذي يخلص لطريقته في النشأة والتدلّي والتجلي !
5
لعل الموز في مقام الصنف الضال أو العاق انتماءً وولاء دقيقين إلى أصل هو جنس لأنواع تترى نباتاً أو شجراً. وهو بهيئته، بلفته للأنظار، بخلاف مقامه وتكوينه في الداخل. ليس ذلك ذنبه. إنها الطبيعة التي لا تعطي من السر الواحد إلا ما يكون لون صدى لجنيات يوليسيس المائية، بصوتهن العذب المهلك معاً. بين هذا التذبذب، وانعدام القطعية في التصنيف تماماً: نبتاً أو شجراً، يكون له ما يكون عليه قيمة وطلباً .
ما يكون عليه تمايزات" بالجميع": ليس أصفره مربوطاً إلى البرتقالي أو الليموني، إنما هو الأصفر المتوقف عليه دون سواه الأصفر الذي يوحي للناظر أنه لا يحاط به، وهو يتجاوز محيط لوحته، أو مضماره الساطن في رقعته. ليس شكله معرَّفاً به بما هو هلالي، أو قوسي، إنما هو ما يعرَف به. تصوروا لو أنه برز مستقيماً، لاحتلف التعامل معه، لكان له وضع آخر. في تلك الانحناءة" التقعر داخلاً، والتحدب خارجاً، ما يبقي الهواء مطلوباً، ومسنداً للجهتين، في الفراغ الذي يمنحه جاذبية وإيفاء معنى قائم فيه، حيث يصمد ولا يتقطع بسهولة، فيكون للانحناءة ضرب من القوة والتماسك، وليس إشهار ضعف .
6
محسود عليه بشكله ولونه وحضوره بين أصناف الأطعمة التي تُفترَش بها الموائد أو تقام المآدب، ويُكرَّم أهل المناصب والمراتب في الهواء الطلق، أو في الأضواء الساطعة. وحده الموز مستثنى في النظر أكثر من قائمة الفواكه والخضار، وما يفجّره من غيرة في أصول المشتركات الذوقية، من القشرة إلى اللب.
محسود عليه فيما وهِب به من تكوين، لا هو بالقساوة أو الصلابة، ولا بالهشاشة التي تجعل حامله حذراً، وهو يحمله بإصبعيه مثلاً، وهو يبدأ بنزع جانب من قشرته، وما في ذلك من سرعة التجاوب، واستعداد بقية الأجزاء للانسلاخ، كما لو أنها تهرع سريعاً إلى إنهاء دورها تاركة ما حفظته في عهدة الحضور.
ما أندر وجود الشبيه لحظة التعامل معه في التقشير أو التناول، لأن ثمة جهداً مطلوباً، وحذراً في كيفية التقشير، وتناول، خوفاً من انبثاقة عصارة" لبرتقال "، أو تطاير نواة" لرمان " ، انسكاب ماء في قطرات " لخيار"...إلخ، الموز شديد " التهذيب " ليس فيه من دبق، أو عصارة وتبعاتها، وصولاً إلى لحظة الدفع بقضمة منه إلى الفم، وكيفية استقباله دون تخوف. ثمة لذة ومتعة متمحورتين حول الموز دون سواه.
7
لأتوقف عند خاصية لم أثرها اسماً ومسماً، وتجليات إبداع وإنعاشاً للمتخيل نفسه، وهو أن الموز محسوب في بنيته كائناً أميل إلى البرودة، والمفارقة أنه عبْر هذه الميزة الكيميائية، يكون تعريضه حيوياً، للكثير مما نتذوقه في أطعمتنا، أو في مختبراتنا ذات الصلة بما هو طبيعي، داخلاً وخارجاً. كما لو أن المنعش الذي يتميز به، يجيز لمن يتعامل معه أن يعرضه لما يتشوق إليه تفاعلاً في الحرارة أو التحول بالحرارة بمفرده أو مزجه مع عناصر أخرى، وما لذلك من إضفاء مسحة جمال شبابية على النسيج الجسمي.
8
ماالذي حفَّزني على النظر إلى الموز، وكتابة ما اعتبرت المسطورَ هناً نصاً: نصاً موزياً؟
ربما في ذلك ضرب من الخيال؟ منذ متى آذن جانب الإبداع، أو المختلف عما هو عرَضي بالحضور، أو التحول قولاً مسموعاً، دون مسحة أو جرعة من الخيال، وعلى قدْر التحرك خارج العرَضي في الواقع ؟
لآت إلى الموز، ونوعية المشرَّع به نصاً يحمل اسمه، أو يكون مضافاً إليه بالذات؟
إنه المودَع في المشهد الذي يمثّله الموز في صنفه الطبيعي. فيما يتحصل منه ظهوراً وعلوّاً وإثماراً.
ما يبقيه الغريب طوراً ومعطى عما هو مألوف في الطبيعة التي تحيط بنا. ما في بنيان الحامل الطبيعي للموز من فراغات وحافات مسننة بصورة، وتلك الحلقات المسنودة إلى بعضها بعضاً، وطبيعة الأوراق ذات المساحة المنبسطة وكيف يتأرجح الهواء عالياً ودانياً، وعِذْق الموز جماعياً، ولكل موز هيئته!
أليس المرئي بوصفه نصاً، أو ما يأتي في مظهره الخارجي مثيراً للإحساس، موضوعاً على غاية من الدقة في المأثور الخفي، والمفصَح عن بلاغة المحاط به عيانياً، وسحر التفاعل، وإشهاراً بحقيقة تسمّي كل ذلك في لوحة تمخر عباب فراغ ليس بفراغ، لوحة فنية، لكنها نص مكتوب عامودياً في الحالة هذه؟
أليس إسلاس القياد للمتخيل ، ولو قليلاً، وهو يوسع حدود الرؤية ماضياً بها، ودون إكراه، كما هي نعومة الموز قشرة، كما هي المتعة المؤمَّنة في قضم الموز وهضمه والشعر أنه استحال عصارة هاضمة ارتاح لها الجسم في مجموعه، والسعي إلى إبقاء هذا المتخيل أكثر قدرة على التحليق أرضياً، وربطه بما يعلوه على ارتفاع أمتار، وتلك الزخرفة الموزية في اللون، والفراغ المرنان بين موزة وأخرى، وما يمكن الشعور به من خاصية بوليفونية في الهجنة القائمة بين المرئي واللامرئي، بين الصعود والهبوط، بين كل لحظة وأخرى في التعامل مع الموز نبتاً/ شجراً، أو بالعكس، أو بهما معاً، وكيفية بلوغ الموز وتحضيره.. إلخ، ليكون هذا اللامحدود، اللامؤطر، اللامعرَّف به قطعياً، اللاموصوف كلياً، إنما ما يكون للموز من خاصية دافعية تالية، على التحليق بخيال، يفجّر قوى كامنة، أو مكبوتة، يكون الجسد فيها واحداً، جسداً موزياً، وما يكون عوداً أبدياً، واستدامة في تقديم المختلف عن سواه، وليكون لمن يتحرر من " حجرته " الضيقة التي يسكنها، ذلك الامتلاء بذهب الموز الخاص وإكسيره حقاً، أي ما ينسّبه إلى الطبيعة في برّيتها، كما لو أنه نظيرُ موز، متعدّي المحسوس بجلاء!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى