نورة عبيد - قراءة في قصيدة "إذا مات بعضك، لا تتأخّر" لفتحي المسكيني شاعرا متفلسفا..

إذا مات بعضُك... لا تتأخّر
فتحي المسكيني

إذا مات بعضك....لا تتأخّر
إذا مات بعضُك
لا تبتئس
وتذكّر
بأنّك أكثر منك
وسوف يظلّ من الروح أجنحة
للعبور
وأخرى
لقطف القمر

إذا مات حلمُك
لا تتأخّر
وقم من فؤادك
وارم تفاصيل قلبك من آخر الحلم
لا تتعثّر
ففي الأفق النائم خلف الضحى
جبل من جليد قديم
سيسقيك بالأقحوان
على مهل
ويعطيك
تذكرة للقدر

إذا مات وجهُك
لا تتستّرْ
بل افرحْ
بأنّك قد صرت وحدك
ومن قبل قد كنت وحدك
ومن بعد قد كنت وحدك
فلا تحفظ النار في قبس طائرٍ
ولا تروِ عطْشَك من غيمة عابرة
ولا تتأخّرْ
عن الموتِ
بعضَ ليالٍ
بلا قمرٍ أو سمرْ
وأطلقْ نجومَكَ خارج أفلاكها
وتعطّرْ
بأوجاع قلبكَ
حتى يجيء الضحى باسماً
يعتذرْ
ففي يدك الآن كلّ المساءات حرّه
وكلّ الصباحات حرّه
لتجريب كلّ النساء على حين غرّه
وتبذير أنفاس قلبك
في قمر
أو حجرْ

إذا مات اسمُك
لا تتكبّرْ
بل ازرع بذورك في آخر الروحِ
وامرح
كآلهة من مطرْ
تشتّتْ
ولا تجمع القلبَ خلف امرأه
من ضباب وسكّر
ستسرق منك تفاصيل قلبك
ترمي بها في الطريق
على عجلٍ كي تمرْ
تكثّر
وكن حجراً تحت قلبك
تأكل من شجر الوقت
نرجسه
وتنام على عطره
دون أسئلة
أو أدبْ

إذا مات قلبك
لا تتكدّر
بل
قل وداعاً
لأتربة الروح
بذّر خلودك في كلّ شبر من اللهِ
وارقص على كثب من جراحك
فآلامك الآنَ
أمتعةٌ للسفر


FB_IMG_1753654197431.jpg

سور على باب الله
بموقع الحوار المتمدّن قرأت قصيدة لأستاذ الفلسفة "فتحي المسكيني" عنوانها؛ إذا مات بعضك لا تتأخّر.
لا أعرف كم مرّة قرأتها. ولا أعرف كيف ارتقى إيقاعها الفريد إيقاعا أعلى لموسيقى الذّهن الّتي تسكنني. ربّما الشعر موسيقى أذهان! والإيقاع فيها إيقاع الوجود. والقصيدة في خفّة الوداع إذ باتت آلامك أمتعة للسفر. عجيب المسكيني يقودنا للحجاج والمحاججة بقوّة ضمير المخاطب المفرد "أنت" بتلك "الكاف" المتصّلة ب"بعضك"... يااه يظنّ الواحد من أهل الوجود أنّه كلّ..وها أنّه البعض كلّ الإمكان الّذي يحياه إذا مات، وإذ يسلى عن كثرته الّتي بها خلق. ويسلى عن أجنحة العبور لقطف القمر. قصيدة خماسيّة المقاطع أنشئت على الشرط الّذي عقد على معنى التّزامن بين حدث ثانويّ معلوم وحدث رئيسيّ غير معلوم. "إذا" اسم الشرط الموصول على القيد الواجب الإمكان. فلا مراء في التّشتّت بين الممكن والممتنع. ف "إذا" اسم الشرط الحامل للحدث الثانويّ الّذي به يتحقّق الحدث الرئيسيّ. وعليك وعليّ أن نلتقط الوجود الحيّ "فنتزامن"! أن تتزامن إذا مات البعض والحلم والوجه والاسم والقلب، أن تكون ندّا لاسمك على باب اللّه! ندّا للنضارة! حريّا برقص عن كثب الجراح! قادرا أن تموت حرّا خالدا راقصا؛ فقط إذا لم تخطئ اللحظة الحاسمة بين الموت واجتراح الخلود! وإليكم الأحداث الخمسة الجليلة مرتّبة على التّوالي بترتيب القصيدة ومضيّها في شعاب الخلود: - إذا مات بعضك لا تبتئس.
- إذا مات حلمك لا تتأخّر.
- إذا مات وجهك لا تتستّر.
- إذا مات اسمك لا تتنكّر.
- إذا مات قلبك لا تتكدّر .
تركيب تلازميّ لا ثقل للموت فيه، لأنّه المستحيل إذا داريته بنهي يتكرٍّر كحرف الرّاء يسكن الشّفتين ويصفّر في الريح، لينفض عدمه على دفعات. هذه القصيدة ميزان من عقيق وعميق ما خبر المشتغل بالفلسفة "الفيلسوف" فتحي المسكينيّ، إذ يؤكّد لي - ولأحبّاء الفلسفة- أنّ الفلسفة فعل وجود حرّ مسكون بقانون العبور من الموت إلى الخلود عن قرب وتمكّن، عن كثب قال فتحي المسكينيّ. هذا الذي ينهى لا بدّ أن يأمر. وقد حدث في جرعات الشرط الخمس... فلكي لا تبتئس من موت بعضك "تذكّرْ"، وحتّى لا تتأخّر إذا مات حلمك "قمْ"، وإذا مات وجهك، لا تتستّر، بل افرحْ، بل ازرعْ ! لا تتكبّر إذا مات اسمك... حتّى إذا مات قلبك، لا تتكدّر، بل قل وداعا...........................!

FB_IMG_1753654232003.jpg


خماسيّة الموت والخلود؛ قصيدة تقف في وجه العدم والعدميّة. هي خطاب فلسفيّ - لو حقّت العبارة- يوقظ في الميّت هشاشة الوجود وسحره بقوّة التّجليّ في اللحظة الحاسمة... وكأنّ الزمن إذ ارتفع للذاكرة زمن "الآن" الحرّ، تأتيه وحدك مهما سبحت في ظلال الكثرة وأنت سائر"وحدك" للقدر. فما من عجب ساعتها أن يتجلّى إيقاع القصيدة في كلّ اتّجاه؛ خذه بقوّة الجناس والترديد، خذه بقوّة المعاني والبديع، خذه بقوّة الخبر والإنشاء، خذه بقوّة الطّلب. خذه بخلوّه من التّعجّب. فأمر الشاعر الفيلسوف محكوم بقانون "التّبذير" وفي البدء كان البذر. وفيه شيء من البدر..والبدر سائر لحتفه لا محالة في دهشة العشّاق! كن عاشقا لقدرك، تزامن مع الآن لتقطف من الضّحى بعد الأفول الشّروق. لعلّه إذا نهى وأمر حذّرك من الغيمة العابرة؛ امرأة كانت أو شجرة أو نرجسة. لتتزامن مع موتك الخماسيّ عليك أن تقيس المسافة بين التّكبّر والتكثّر حتّى تقطف من شجر الوقت ضحاك. لتتزامن مع موتك الخماسيّ عليك أن تجيد الإقامة بين الغياب والغياب، لتتزامن مع قلبك واسمك ووجهك وحلمك لتصير بعضك؛ كلّ الإمكان وإلاّ لا كان! لتكون حرّا كأصل الصّباحات والمساءات، وأثيلا كآلهة من مطر، تكثّرْ، وليس على حين غرّة من تفاصيلك المعرّشة بين قلبك والحجر الّذي تحت قلبك. هناك تقيم إقامة تلازميّة بين حدثك الثّانويّ موتك وحدثك الرئيسيّ المبذّر في كلّ شبر من اللّه! قسْ المسافة بين بعضك وكلّك حتّى لا تتأخّر، إذا داهمك الوقت وأنت بعض من كلّ تعثّر.
FB_IMG_1753654220347.jpg
هذه القصيدة قانون الواقفين على باب القيامة؛ خطاب تعبير وتأثير مؤكّد، خطاب جماليّ أينع من ذاكرة الشّعر ونوره. خطاب التّرغيب في الغياب بفكرة دفع التّكدّر. فإذا حقّ الحقّ تزامن. خُذْ الجراح بقوّة يا بعضك، قوّة القرب والتّمكين، حتّى إذا رقصت على كثب من جراحك تيقّنت من حتميّة الأسئلة و الأدب. وكان حضورك دهشة لا أكثر ولا أقل. خطاب حجاجيّ هذه القصيدة وظيفته الرئيسيّة مشروطة بوظائفه الثانويّة. ذلك أنّ اللغّة وقد اتّخذت الشعر صورتها والعربيّة سننها قادت الذّهن إلى تفاصيله؛ صوره البديعة. وما الشّعر إلاّ إيقاع صور من صميم الوجود الحيّ. فقم ودّع الموت وأمتعتك أهزوجة الحضور المتحقّق بحتميّة الغياب. ماذا أقول؟ كم قرأت هذه الخماسيّة كم! ورتّلت في خشوع وبهاء :"حيّ على الفلسفة" فتعالى الإيقاع هناك في القمر وضحاه، في الأقحوان، في عطره حبرا مقطّرا من أحمره دم الخلود المسفوح على جبل الجليد... ما سمّاه الشاعر؛ القدر! وسميّته أنت إذ تأخّرت أتربة الروح. اُنثر صداك في موتك لا تتأخّر! وكن ما أمكن شاعرا وفيلسوفا تعلّم طريق "المتزامنين" مع أقدارهم أنّى - زمانا ومكانا- يكون الآن وقد مات كلّ بعضهم أمتعة سفر.​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى