إبراهيم محمود - رسالة عزاء إلى الفنانة الكبيرة فيروز برحيل إيقونة الفن الأصيل ابنها زياد الرحباني

1753787605146.png



حزينة يا جوهرة لبنان في صوتها الأثير يا فيروز
حزينٌ معك هو الحزن نفسه
حزين معك تراب لبنان
حزينة معك سماء لبنان
حزينة معك كل الدروب والجهات التي سلكها فقيدك ابنك الفنان الكبير الكبير زياد!
لو كامل البلاد أعلنت الحداد على رحيل من تجسَّد رمزَ شجاعة وعنفوان كلمة، ورقصة النجمة في مهب الظلمات، حزناً على أيقونة الصوت الأبي، واللحن الأبي، والخطو الأبي، والقول الأبي لاستحقها زياد.
وأنت يا ست الستات بصوتها الينبوعي المتدفق والأصيل، حزينة أكثر من الحزن نفسه، إذ خاطبت راحلك الفريد في اسمه ومسماه، قائلة: خاطبني، وأنت إذ تشتعلين وجعاً بقولة: يا ابني، محقة كل الحق بذلك .
لا لوم عليك إن اشتعلت حزناً في خلاياك وأنسجتك
لا لوم عليك إن جافاك النوم طويلاً طويلاً
لا لوم عليك إن تبلبلت روحك في واقعة لا تقاوَم كهذه التي تفاجأت بها !
أي سبت كان هذا الذي شهد رحيله الأبدي في " 26 تموز 2025 "؟
" صار لازم ودَّعكم "
لم يقلها هو
قالها بعض من روحه
قالها هو أيضاً
بطريقته التي تذكّر بعفويته ورحابته كما هي سماؤه وأرضه، بحره وجبله !
من ودَّع من ؟
أي حزن هذا الذي يحضر ويغيب أو يتشرب الروح في واقعة كهذه؟
حزينة أنت يا فيروز..احزني.. احزني.. كم هو مطهّر للروح أحياناً !
للحزن أن يدلي بشهادته وفي نوعيته جهة من يحزنون وعلى من، ومدى تناسبه مع محفّز الحزن هذا !
الحزن ليس خروجاً من الحياة واستسلاماً ما للموت، أو اعترافاً بسطوته، إنما هو الدال على حق الآخر الذي نحزن من أجله، ومدى تقديره ونوعية مكانته في نفوسنا، وإلى أي مدى يعرّفنا بحقيقة علاقة خاصة كهذه!
في الدوحة الأسطورية طرباً، دوحة الرحابنة التي رفعت لها السماء قبَّعتها، وانبسطت لها بكامل محبتها، اعتزازاً بتوأم الغناء واللحن.
في أسرة كانت ولم ولن تتكرر، أسرة الرحابنة ، كأنما لخصت لبناناً جغرافية وتاريخاً، في الذي تفتحت به عبقريتها الفنية.
وأنت كنت هبَة الفن للطرب الذي لا يجارى، في التحفة الفنية الرحبانية التي لا تجارى، وفي شفافية الإيقاع والصوت المغاير مبنى ومعنى لزيادك ولا يجارى، في أسرة كهذه، يليق بالحزن أن يعلن حداده الخاص حيث يتدفق صدى فنكم العريق والأبدي.
حزينة، كم هو بليغ هذا الحزن الذي يتلبس يا أم زياد العظيمة الروح.
يعزّيك كل من غنّيته
كل من سمّيته غناءاً
كل من ذكرته في كل من أبدعت فيه
وأبدع زياد الاسم على المسمى:
يهبط إليك القمر من عليائه سَدَاد دين لاينفد
كم عرف القمر نفسه وأنت تغنينه
كم أدرك البحر من وحشة في غياب أبدي كهذا
كم طربت سماؤه وزاد لازورديةً على وقع أغانيك القمرية
ترفع لك السماء نفسها قبَّعتها تعزية إشعاراً لك بألمها
فالسماء نفسها تحفظ عن ظهر قلب مدى ودك لها وقد ضمَّنتها أغانيك ذات السمو
يأتيك الشجر بكامل أنواعه
منحنياً بورع أمام قامتك الشامخة ذات الضوء
يأتيك كل نبع
كل واد كل جبل
كل قرية وبلدة
كل طريق واتجاه
يأتيك الصباح وهو مثقَل بحزنه الكبير
تأتيك كل صبايا لبنان
يأتيك كل شباب لبنان
وقد أحبوا بعضهم بعضاً رضاعة من حليب صوتك الملائكي النقي
يأتيك كل صغير حبواً صحبة مهده مأخوذاً بعذوبة صوتك الأمومي
تأتيك الكنيسة متشحة بحزن لا يخطئك النظر
يأتيك الجامع بمنارته الجلية هي الأخرى بحزنها الفصيح
أي وحدة مكان وزمان تحققت رحبانياً يا فيروز ؟
وهل ينسى الصباح أي تخليد فعّلته في الفن الأصيل باسمه
كما لو أن الصباح أدرك علو معناه في صوتك الأثيري والمتماوج في اللاتناهي
تأتيك بلاد من خارج البلاد
تلتقيك في بيروت ياقوتة القلب لديك
تعزيك بقدر ما تعزي نفسها
يأتيك كل لبناني أدرك سواه عقله وروحه وقلبه وروعة الحياة بالذي غنيته
وبالذي عرِف به فلذة كبدك العظيم زياد
يحضرك الفن منذ الثانية الأولى
عاجزاً عن الكلام تحت وطأة الصدمة الكبرى
صدمة رحيل قامة فنية جريئة كبرى، أي زيادك الذي يحق لك أن ترثيه
كما لم ترث أم ابنها من قبل
من منطلق الفن الذي ذاع صيته باسم الرحابنة وكنت قلبه النابض
وكان في زياد ما يجعل من لبنان أجمل مما هو عليه
أصفى مما هو عليه
أقدر على البقاء مما هو عليه
أكبر من كل جرح يقلِق فيه نظرته إلى الغد
ويوتر هواءه الذي يتنفسه
مستنداً إلى جبله حيث تشده السماء السابعة إليها باقتدار
مستنداً إلى البحر حيث يطمئنه عمقه الرهيب أن لا داعي للخوف
وهكذا تكونين أنت يا فيروز يا أم بطل فريد اسمه زياد
وهكذا تبقين أنت يا فيروز يا والدة ولد مفخرة الولادة
وهكذا أنت يا المنجرحة الموجوعة بفقْد عزيز لا يجارى ملء الغد
ما مات من كان المتألق والدفاق والمورَّد والمشرق في صوته ورؤيته أكبر من عمره
لك المجد أيتها المرأة التي ينتسب إليها الفن الأصيل أكثر مما تنتسب هي إليه
ولزيادك المجد الذي استحق السطوع في واجهته ليكون الغائب الحاضر أبداً

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى