خالد محمد مندور - حكايات مندورية: الاب البديل وسحر الابوة

هل لك أب؟ سؤال يبدو غريبا فجميعنا لنا اباء، اباء يتراوح دورهم في حياة الأبناء حسب مستوى وعى الاب وصفاته الإنسانية ، فالكثير من الإباء ينجحون في أداء درورهم في حياة أبنائهم ، لكن الكثيرون يفشلون أيضا لأسباب متعددة ، لكننا لا نقصد هنا الإباء البيولوجيين لكن عن أباء أخرون قد يكون تأثيرهم أعمق تأثيرا واستدامة في حياة الأبناء ، هم الإباء الذين يمكنك التعرف عليهم في الحياة العملية ، واعتقد جازما أن سعيد الحظ من يستطيع الحصول على اب بديل في الحياة العامة ، فالأب البديل يمكنه أن يلعب أدورا في منتهى الأهمية في حياه الابن " البديل " ، ولعلني أكون أكثر جراءة حين أقرر أن سعيد الحظ من يستطيع الحصول على ابناء "بدلاء" ، لكنها قصة أخرى سأتحدث عنها لاحقا ، فنحن الان بصدد التحدث عن الإباء البدلاء في حياة الدكتور محمد مندور.
ولعل الأهم من أباء محمد مندور هما طه حسين واحمد أمين ، فطه حسين بدأت علاقته مع محمد مندور أثناء السنة الدراسية التمهيدية في الجامعة ، سنة دراسية إجبارية لجميع الطلاب الحاصلين على شهادة الثانوية ، بصرف النظر عن درجات الطالب ، فالجامعة كانت تعتقد بضعف المستوى العلمي لكل خريجي الثانوي ، واثناء هذه السنة الدراسية كان طه حسين يراقب أداء الطلاب فأكتشف ان هناك طالبا قادما من الأرياف يمتلك موهبة أدبية ، فاستدعاه ليسأله اى كلية يريد الالتحاق بها ، فأجابه "الواد الفلاح " بانها كلية الحقوق ، فكلية الحقوق ، في ذلك الزمان ، كانت ذات بريق خاص ، فهي الكلية التي يعمل زعماء مصر في تخصصها ، هذا بالإضافة الى أنها تفتح الطريق للالتحاق بالنيابة التي تمثل جزءا من سلطات الدولة صاحبة القول الفصل والمتحكمة في الزاد والزواد ، فمن المؤكد أن تكون هدفا " للواد الفلاح " الذى كان يضرب في المدرسة الابتدائية في حين أن أبناء الباشا لا يضربون ، فاعترض طه حسين على اختيارات تلميذه واخبره أنه يمتلك موهبة وعلية الدخول للآداب ، وبعد مساومات واصرار من " الواد" يتم السماح له بالدخول الى الكليتين ، الآداب والحقوق ، لكنه لا يكتفى بذلك ولكنه يلتحق بقسمين في الآداب في نفس الوقت ، العربي والاجتماع.
ويحافظ "الواد" على تفوقه فهو الأول دائما في قسم اللغة العربية ومن الأوائل في الحقوق ، ويقرر التوقف عن دراسة الاجتماع في السنة الدراسية الثالثة لتخفيف أحماله ، ويتخرج وتقرر الجامعة إرساله الى بعثة الى السوربون للحصول على درجة الدكتوراة لكن علية ان يكمل برنامجا دراسيا من وضع طه حسين ، برنامج يتجاوز متطلبات السوربون للسماح للطالب بالتقدم للدكتوراة ، وهى البعثة الوحيدة في تاريخ الجامعة الى كانت تطلب دراسة اللاتيني من ضمن متطلبات سماح الحكومة المصرية للطالب للتقدم للدكتوراة ، فلقد الغيت دراستها بعد ذلك .
ويتقدم الطاب للكشف الطبي فيرسب نتيجة لضعف نظره فيتدخل " الاب البديل"، فيأخذ الطالب مع بحثه عن "زي الرمة" المنشور في مجلة كلية الآداب ليحتج لدى الوزير، فيحصل على الاستثناء ويسافر " الواد " الى بلاد الفرنجة محملا بالعرفان للاب البديل وببرنامجه للأعداد للدكتوراة.
لكن عوامل التمرد الدفينة "للواد " تتاح لها الفرصة الكاملة في بلاد الفرنجة ، فيحصل على ليسانس السوربون و الدبلوم في اليوناني ويتمرد ليحصل على دبلوم الاقتصاد والقانون وتاريخ العمارة ويقوم بدبلوم خاص عن بحور الشعر العربي ، وهى دراسة متقدمة بأجهزة تسجيل خاصة في معامل الصوت، لكنه يفشل فشلا ذريعا في الحصول على دبلوم اللاتيني الذى يشترط الحصول علية السماح للطالب للتقدم للدكتوراة طبقا لمتطلبات الدكتور طه وليس السوربون ، ويبدو الامر غريبا فكيف لطالب بهذه القدرات لا يستطيع الحصول على هذا الدبلوم ، لكن الامر ليس غريبا ، فهذا الطالب لم يكن مقتنعا بدراسة اللاتيني لاعتقاده أنها لغة ميتة ولا معنى لدراستها ، وهو الامر الذى وصلت له الجامعة في البعثات التالية لبعثة صاحبنا ، لكنها ترفض السماح له بالتقدم للدكتوراة رغم موافقة السوربون.
وتقترب الحرب العالمية الثانية ويضطر صاحبنا للعودة بعد تسع سنوات كاملة قضاها في بلاد الفرنجة، بدون الدكتوراة، ليبحثوا له عن برنامج دراسي ليدرسه، لكن هذه المرة وسط غضب الاب البديل، أب بديل لم يستطع استيعاب التمرد الأصيل لتلميذه، رغم انه هو نفسه من كبار المتمردين، ولا يستطع الاستمرار في أبوته، بل يصبح معيقا لتلميذه الأول، كما سنرى.
ويتحول الاب البديل الى النموذج التقليدي للاب المتحكم، تحكم كاد ان يوقع ابلغ الضرر بالتلميذ، لكن الزمان يهب للتلميذ النابه أبا جديدا، انه الاب أحمد امين، الذي كان عميدا لكلية الآداب، فيحتضن التلميذ ويكلفه بتدريس الترجمة من اللغة الإنجليزية ، البرنامج الوحيد الذى كان ممكنا، ثم في السنة التالية يكلفه بتدريس الترجمة من الفرنسية، ثم يفتح الاب أمامه لينشر في مجلة الثقافة التي كان يرأس تحريرها .
ولا يتوقف الاب الجديد عن دعم تلميذة فيكلفه بالأعداد لرسالة الدكتوراة، التي ينتهي منها في ستة أشهر فقط، ثم يشكل لجنة المناقشة برئاسته وعضوية الأستاذ امين الخولى وطه حسين عميد جامعة الإسكندرية والأب الاول لمحمد مندور.
ويرفض طه حسين حضور المناقشة لكن اللجنة تمنح محمد مندور الدكتوراة بمرتبة الشرف وتنشر رسالة الدكتوراة لاحقا في كتاب يصبح من اهم كتب النقد الأدبي الى يومنا هذا، كتاب يحتوي الكثير من الروى الجديدة والشجاعة في تبنى وجهات نظر جديدة، وجهات نظر تتناقض مع البعض من أراء أساتذته التي ناقش بعضها، في رسالته، بشجاعة بالغة، معلنا البداية الحقيقية للنقد الأدبي الحديث.
لقد اسفر الاحتضان والتأييد والتشجيع من احمد امين عن نتائج باهرة ، فالولد الفلاح تجاوز أصوله المعرفية القديمة سواء اكانت في محيطة المجتمعي ام في دراسته الجامعية لينتج لنا " النقد الأدبي الحديث " ، في ثلاثة كتب انتجها وهو تحت نيران الرفض من أبية الأول ووسط ظروف عمل مقلقة لكن في رعاية الاب البديل الثاني ، وهى النقد المنهجي عند العرب ، وهو الكتاب الوحيد الذى كتب منذ البداية ككتاب لأنه رسالته للدكتوراة ، ثم في الميزان الجديد و نماذج بشرية ، وهى مجموعة مقالات كتبها في الجرائد الشهرية التي كان يرأس تحريرها احمد امين ، فوضعت الأسس الحديثة للنقد الأدبي وقدمت أمثلة تطبيقية بالغة الأهمية حتى يومنا هذا.
ولا تجد الجامعة مكانا للدكتور مندور، فلقد اصبح الفلاح دكتورا الان ، إلا في جامعة الإسكندرية التي يرفض عميدها الاعتراف بشهادته وتبقيه على درجة جامعية منخفضة ، فيقرر الدكتور الشاب استكمال تمرده ليستقيل من الجامعة ملتحقا بالصحافة اليومية لبدء فاصلا جديدا من حياة " الواد الفلاح " ، ليساهم في بناء تيارا سياسيا واسع التأثير والانتشار هو تيار الديمقراطية الثورية ، تيارا سياسيا يمتد داخل كل المنظمات الحزبية والثقافية وتصبح عضوية الدكتور في حزب الوفد تمثيلا للشعب ومعبرا عن الطليعة الوفدية الممثل الأول لتيار الديمقراطية الثورية الجديد .
طريق طويل قطعة " الواد الفلاح " بدعم من اباء بالتبني قدموا له مساندة ودعم عظيمين، الاب الأول الذي أخذ بيديه ووجهه ودعمه الى المستوى الذي جعل من الابن قادرا على الصمود حتى في مواجهة ابيه الأول عندما لم يحتمل تمرد تلميذه، رغم انه هو المثال والمثل للتمرد، والأب الثاني الذي فتح امامة الافاق ودعمه كي يصبح مندورا الذي نعرفه.
درس بليغ تلقاه "الواد الفلاح" من ابائه بالتبني يدعم الدرس الأول الذي تلقاه من ابيه البيولوجي، الرجل عبد الحميد موسى مندور، ليتمخض الامر عن شيخ الإباء بالتبني، فالرحابة والتأييد والتشجيع والتسامح ثم الحداثة ودعم التمرد والتجديد تجعله أبا للجميع، لقد فتح بابا واسعا للأبوة الجديدة فيختاره الصاعدون الجدد أبا لهم، نعمان عاشور وسيد حجاب ويوسف إدريس وفوزي فهمى وغيرهم كثيرون. ويصرحون بذلك بلا مواربة الى نهاية حياتهم.
فعلا هو سعيد الحظ من يجد أبا أو أباء بالتبني وألف رحمة ونور على جدودي طه حسين واحمد أمين وعبد الحميد مندور.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى