د. أحمد الحطاب - المسلمون منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين وهم يدعون الله ليقضيَ على الصهاينة

فهل استجابَ اللهُ، سبحانه وتعالى، لدعائِهم هذا؟ قبل الجواب على هذا السؤال، أذكِّر بأن دولة إسرائيل تأسَّست رسميا خلال شهر مايو 1948. ومنذ هذا التاريخ وإلى يومِنا هذا، والمسلمون يدعون اللهَ، عزَّ وجلَّ، ليقضيَ على الصهاينة، وخصوصا، في خُطَب صلاة الجمعة.

والآن، بإمكاني أن أجيبَ على السؤال المشار إليه أعلاه، أي "فهل استجابَ اللهُ، سبحانه وتعالى، لدعائِهم هذا؟ بكل وضوح، لم يستجب الله لهذا الدعاء. بل إن دولةَ إسرائيل، منذ نشأتِها، وهي تتقوَّى عسكريا، اقتصاديا، علميا وتكنولوجياً. لماذا؟

لأن المسلمين يريدون أن يتكلِّفَ اللهُ، سبحانه وتعالى، هو بذاته، بالقضاء على الصهاينة. كيف ذلك؟ لأن المسلمين لا يزالوا يؤمنون، في العصر الحاضر، بالمعجزات. والمعجزات كانت تحدث لدفع الكفار والمشركين إلى الإيمان بالرسالات السماوية. أم اليوم، فطريق الخير واضحٌ وطريق الشر واضح. فما على البشر إلا أن يختاروا الطريقَ الذي يناسبهم، وبالتالي، انتهى عهد المعجزات. ولهذا، فالمسلمون يريدون أن تحدثَ معجزة إلهية تقضي نهائيا على الصهاينة كما فعل مع الأقوام الغابرة كقوم نوح وهود وصالح وشعيب… إذ سلَّط عليهم، حسب القرآن الكريم، كوارث طبيعية كالطوفان والغرق والرياح القوية إلى غير ذلك.

غير أن المسلمين ينسون أو يتناسون أن الدعاءَ يجب، دائما، أن يكون مصحوباً ب"الأخذ بالأسباب"، أي أن يكون الدعاء مصحوباً بعملٍ أو أعمالٍ تسير في اتِّجاه تحقيق ما تمَّ الدعاء من أجله. فكيف يتم "الأخذ بالأسباب"؟

"الأخذ بالأسباب" يلزمه تشغيل النِّعمة التي أنعم الله، سبحانه وتعالى، بها على البشر، ألا وهي العقل. ونعمة العقل ليست نعمة مجانية، بمعنى أن منحَها للبشر جاء عشوائيا أو جاء هذا المنحُ بالصدفة. ما منح الله، عزَّ وجلَّ، العقلَ للبشر إلا ليُشغِّلوه في تحليل وفَهم وإدراك ما هو طيِّبٌ من الأمور الدنيوية ومقاومة أو تحمُّل ما هو سيِّئ منها.

والأمور الدنيوية الطيبة كثيرة. وكل طيب يقابلُه خبيث، أو إن شئنا، كل حق يقابله باطلٌ. واحتلال أرض فلسطين من طرف الصهاينة، باطلٌ تجب مقاومتُه. فكيف ستتِم هذه المقاومة؟ أو بعبارةٍ أخرى، ما هي الأسبابُ التي يجب الأخذ بها لتتمَّ هذه المقاومة؟

في هذا الصدد، يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 60 من سورة الأنفال : "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ".

في هذه الآية الكريمة، يقول، سبحانه وتعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ…". كلمة "قُوَّةٍ"، في هذه الآية لا يجب حصرها، فقط، في قوَّة السلاح. بل القوة la puissance تكون عسكرية، وفي نفس الوقت، يمكن أن تكونَ اقتصادية، ثقافية، حضارية، علمية، تكنولوجية، إنتاجية، صناعية، زراعية، تجارية… فمن الذي يملك هذه القوى مجتمِعةً؟ إسرائيل أم المسلمون الذين ينتظرون أن يقضيَ الله، سبحانه وتعالى، على الصهاينة.

ويقول، كذلك، سبحانه وتعالى، في نفس الآية، "...تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ…"، أي تُخيفون بقوتكم العسكرية وكل القوى المشار إليها أعلاه كلَّ مَن يريد محاربتَكم لسببٍ أو لآخر او لكلَّ مَن يُكنُّ لكم العداءَ. ثم ما هي الدول، في عصرنا الحاضر، التي يُقام لها ويّقعَد؟ هل هي الدول القوية عسكرياً، اقتصادياً، علمياً، تكنولوجياً، صناعياً… أم الدول الإسلامية التي أبانت ولا تزال تُبيِّن ضعفَها في الكثير من المجالات.

ويقول كذلك، سبحانه وتعالى، في نفس الآية، "...وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ…". ما يجب الانتباه إليه، هو أن اللهَ، عزَّ وجلَّ، لم يقل "وما تُنفذوا من مال". بل قال "وما تنفقوا من شيء". والشيء يمكن أن يكون ماديا أو معنوياً بما في ذلك المال. المقصود بالإنفاق، هنا، هو ما تجود به العقول البشرية من إنتاجٍ للمعارف النافعة التي تجعل الدول الأسلامية قويَّةً في جميع المجالات وجعل الدول المُعادية لها ترهب قوتَها المُتعدّدة الأبعاد.

ويختم، سبحانه وتعالى، الآية رقم 60 من سورة الأنفال ب"...وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ". المقصود من هذا الجزء من نفس الآية، هو نوعٌ من التنبيه أو من التَُحدير. والمقصود من هذا التنبيه أو التَّحدير، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لا يظلم المسلمين إذا لم يستجب لدعائهم المتمثِّل في القضاء على الصهاينة. لماذا؟

لأن الدعاء، كما سبق الذكرُ أعلاه، يجب دائما أن يكونَ مصحوبا ب"الأخذ بالأسباب". والأخذ بالأسباب يتطلَّب تشغيل العقول لإنتاج جميع أنواع الفٍوى التي تجعل الدولَ الإسلامية قوية ومرهوبة على الصعيد العالمي.

ما يظنه المسلمون، هو أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يستجيب لكل الدعوات كيفما كانت. وقد اعتمدوا في ظنِّهم هذا على الجزء الأول من الآية رقم 186 من سورة البقرة الذي نصه : "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ". أما الآية كامِلة، فنصُّها هو : "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"

لكن اللهَ، سبحانه وتعالى، قال، في نفس الآية "...فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ". وهذا الجزء الأخير من الآية معطوفٌ على الحزء الأول، أو أن تحقيق ما جاء في الجزء الأول مشروطٌ بتحقيق ما جاء في الجزء الثاني. بمعنى أن الدعاءَ لا يُستجاب له إلا إذا استجاب المسلمون بما يريده الله. ومن ضمن الاستجابات، وهي كثيرة، يأتي الإيمانُ بالله و"الأخذ بالأسباب".

وفي نهاية الآية رقم 168 من سورة البقرة، يقول، سبحانه وتعالى "...لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"، أي لعلهم يُصيبون. ومتى يُصيب المسلمون؟ يُصِيبون عندما يُشغِّلون عقولهم لإنتاج ما يريده الله، سبحانه وتعالى، من خيرٍ ليس فقط للمسلمين بل للناس جميعا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى