محمد بشكار - الحقيقةُ كذْبتُنا..!

من ينكُر أنّنا غدونا نعيثُ كذباً في ما نعيشُه ويعيشنا، حتى صار واقعنا أكذوبة كبرى يَعتبرُ كل من ينطق بالحقيقة هو الكذّاب الأكبر؛ لقد فقدت المعلومة مصداقيتها مع التنافسية غير الشريفة بين الصُّحف التي لا تنْفكُّ تَنبتُ فُطراً لا يصلح أغلبه إلا لطبخ وجبات سامّة، وبين أشتات الوسائط الإجتماعية التي من فرط ما حلَّقت شبكاتها العنكبوتية بالعقول، لم يعد الإنسان يعرف لقدمه موطئاً في السماء أو الأرض، وهي في كل ما تلهثه من معلومات لا تنال في القَصَب سَبْقاً ولا سُكّراَ، إنما تقتل اليوم فناناً بخبر، لتُحييه بخبر آخر في اليوم الذي يلي التشييع والدفن؛ أو تُزلزلنا في عاجل يوقف الروح في الحلقوم، بأحد الأرقام الموصولة الدّفق بالشريان الإقتصادي للبلد أو بالجيوب المثقوبة للمواطنين، فإذا عاجلٌ أسْرع ومن مصادر غير معلومة، يُصحّحُ في الرقم الأصفار بالزيادة أو النُقصان، وذلك بعد فوات الفأس في الرأس واختلال الأمن النفسي مع الغذائي؛ فأين الحقيقةُ في كل ما نعيشه من كذب ونحن ما عُدنا نستطيع أن نُصدّق حتى أنفسنا كي نُصدّق الآخرين..؟!

1754395621733.png

لن نُسهب في فلسفة الحقيقة بعد أن صار يُقدّر ثمنها فلوساً، وأصبحت حكْراً على مصادر رسمية قد أخضعتها لمنطق السوق بيعاً وشراءً، لتغدو الحقيقة تمُرُّ للناس عبر قنوات تٌجيد نفْخ الفقاعات من دون صابون، فلا يبقى من الحقيقة التي تنتهي من غسيل الأدمغة، إلا ما يُشبهها في السراب ولا يشبه واقعنا الذي ليس أصمَّ من بؤسه حُجَّةً دامغةً حتى لحجرٍ قد نسمع في قلبه أنيناً دون أن تتحرَّك قلوبنا..!
لا افتراء إذا قُلنا دون ادعاء للحقيقة، إن تَقَدُّم البلدان يُقاس بمدى شيوع قيمة الحقيقة في ثقافة وسلوك الناس ومُعاملات كل مؤسسات المجتمع المدني مع المواطنين، وفق معايير عقلانية تنظم حياتنا على أسس المنطق السليم الذي لا يُغَيِّر رأياً لمُجرَّد تقلُّبٍ في المِزاج؛ الحقيقةُ أن نعرف أنفُسنا دون أن ننظُر للمرآة، لا أن نُضيِّع جوهرنا الإنساني في ما نُركِّبُه لوجوهنا بالكذب من أقنعة ليست سوى قشور..!
الحقيقة لا يُمكن أن نُزيِّفها حتى لضرورة تخييلية تُمليها القصيدة رغم القول الأثير؛ أعذب الشعر أكذبه..!
قد يكون حبل الكذب قصيرا لكن كَمْ من حقيقة لم تظهر حتى التفَّ هذا الحبلُ مِشْنقةً حول رِقاب الأبرياء فصار طويلا..!
الحقيقة أن لا نُخْلِف المواعيد وندَّعي عرجاً في عقْرب الساعة؛ أن لا نغُشّ في العمل ونقول كأننا كسكس الجمعة, إن الجميع مَسْقِيٌّ بمغرفة واحدة؛ أن لا نُخَرِّج الكفاءات والأطر من الأبواب العمومية للجامعات تواً إلى الشارع، ونُدخِل من الأبواب السِّرية التي تُفْضي جوّاً للمناصب من كان في عشيرتنا زبونا أو له في شجرة العائلة عرق أو حتى غصن..!
الحقيقة أن تكون كلمتنا على قدر ذراعنا ليس أقل ولا أكثر، لنكون صادقين قولا وفعلا..!
الحقيقة أن يتصالح الإنسان مع ذاته حتى لو خاصمه الجميع..!
الحقيقة أن نأكل من صحننا دون أن نترك أعيننا تتَّسِعُ جشعاً لتُسْقِط هدباً في صحن الآخر..!
الحقيقة أنني مازلت أبحث عن الحقيقة فوجدت أنها كذبتُنا الكبرى..!

* (افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 5 نونبر 2015)
.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى