د. محمد الشرقاوي - بانتظار أن يُباع أوكسجين شفشاون في المعلّبات!

هي بدعةٌ جديدةٌ تتجاوز ما يرنو إليه المضاربون الجدد سريعُو النفعية في تضخيم الأسعار في وجه مغاربة العالم، وتفوق أيضا الجشع الذي تفتّقتْ به قريحةُ فناني رقصة القرود في ساحة جامع الفنا ومروّدي الجمال في بعض الشواطئ عند لسع السياح، مقابل التقاط صور تذكارية، بتسعيرة منفوخة سواء بالدرهم أو العملات الصعبة.
هي #بدعةٌ_ضالّةٌ لا تستقيمُ وحالُ مدينةٍ عريقةٍ وأصيلةٍ في روحها وبشوشة في وجه زوارها تاريخيا، بل بدعةٌ أصبحت تُفرغ المدينة من طيب سمعتها ونبل صيتها بين المغاربة في الداخل ولدى السياح عبر العالم. في مدينة شفشاون، يختلط الفهم بين دلالة الملكية العامة وتأويل الملكية الخاصة، بل يتمّ في جلّ هذه الأزقة المطلاة باللون الأزرق وعرض بعض الأزهار "إلغاء" مبدأ الملكية العامة، والمنفعة العامة، والحقوق المعنوية للزوّار من الداخل والخارج.
في كل من هذه الأزقّة المعروضة للاستنفاع المالي المشروط، تقف سيدة رقيبة على واجب أداء خمسة دراهم مقابل التقاط صورة. وثمة من يضيف مشهد ببغاء ليس للزينة، بل لتوريط السياح في تسديد واجب "خدمة سياحية مشروعة"، وذلك بمقتضى شريعة تسرّبت دون علم قرقرش، حتى لا نسأل عن رأي العامل أو الباشا أو مراقبي الأمن أو مندوب وزارة السياحة أو نواب المدينة في البرلمان. فماذا يقول مغرب حماية السياحة الوطنية، أو مغرب مكافحة الفساد، أو مغرب مقاومة الاحتكار، أو مغرب التخطيط للمونديال!
لا تحدث مثل هذه البدعة في شفشاون عند زيارة البيت الأبيض حيث يقيم أكثر رجلٍ متشبع بالجشع المالي ونرجسية تحقيق الأرباح في كل شيء وعند كل مناسبة. ولا تتكرر البدعة الجديدة في هايد بارك كورنر في لندن حيث يصبح كل أحد مسرحا مفتوحا بمئات العروض والمحاضرات والخطب والحلقات. ولا يحتّم أصحاب هذه العروض على الزوار دفع رسوم مالية بأي حال من الأحوال.
لم تتحقق شهرة شفشاون اليوم في أذهان السياح في الداخل والخارج بفعل حسابات ربحية لدى هؤلاء النفعيين الذين ينتشرون في شوارعها كتسلط الغُربان على حقول المحاصيل الزراعية السخية. هي مدينةٌ ليست ككل المدن، صنعت سمعتها بفعل طيبوبة أناسها الحقيقيين من جيليٌ الأجداد والآباء، وهم من اختاروا لها أن تكون مدينة زرقاء، ومدينة الأزهار، ومدينة الربيع المتوهج في كل زقاق، وكل درب، وكل عتبة، فكانوا ضمنيا ورثة التنوير الأندلسي وحفظة الجماليات الأندلسية المغربية.
مدينةٌ صنع لها الأقدمون عباءةً حضاريةً متميزةً تنمّ عن تقدير جمالي واجتماعي عند المغاربة والأجانب اليوم. ولكن بعض سفّاكي الدّماء يمصّون من روحها الأبية ومن رونقها المضياف ما قد يقلبها إلى مدينة متخشبة عبوس لا تبتسم إلا إلى خمسة دراهم أو خمسة يوروهات أو خمسة دولارات.
حدثني صديقي في كندا بكل حسرة عمّا آلت إليه انتهازية البعض عند وصول السياح، وروى ما عانته أسرة شقيقته التي عايشت الإحباط وخيبة الأمل، ولم تجد المدينة كما تخيلتها: لم تلق شفشاون الترحاب وشفشاون القيم الأصيلة، بل انصدمت من شفشاون الابتزاز، وشفشاون التحايل على صورة حضارية ومنحى جمالي، من أجل تحقيق مكاسب مادية بكيد الغربان.
سألني صديقي المشبع بحياة الشرق والغرب متى أنوي زيارة شفشاون في المستقبل؟ فأجبته قائلا: هذه المدينة تجذبني بذكريات أناسها وأرضها وهوائها... وسأقتني علبة من شركة أمازون من صنف أوكسيجين شفشاون للتبرّك به عن بعد!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى