د. زهير الخويلدي - الحلقة الخفية في النموذج السياسي للحرب بين الحتمية والاستثناء عند جورجو أغامبين

مقدمة

لفهم مفهوم الحلقة الخفية التي تجعل النموذج السياسي عند جورجو أغامبين يربط بين الحرب والحتمية والاستثناء، على الرغم من التناقض بين الضرورتين، يجب النظر إلى إطار أغامبين الفلسفي، وخاصة مفاهيمه حول "حالة الاستثناء" و"الحياة العارية" ، وكيفية ارتباطهما بالسيادة والسياسة الحيوية. سأوضح هذه الفكرة بشكل مفصل مع الإشارة إلى الأسس الفلسفية التي يعتمدها أغامبين، مستندًا إلى أعماله الرئيسية مثل الانسان الحرام وحالة الاستثناء.

مفهوم حالة الاستثناء عند أغامبين

يجادل أغامبين بأن "حالة الاستثناء" هي النموذج الأساسي للسياسة في العصر الحديث، حيث تصبح السيادة -بمعناها السياسي- تعتمد على القدرة على تعليق القانون تحت ذريعة الضرورة، مثل الأزمات أو الحروب. في هذا السياق، يرى أغامبين أن السيادة تُعرَّف بقدرتها على اتخاذ قرار بشأن الاستثناء، مستلهمًا تعريف كارل شميت للسيادي بأنه "من يقرر بشأن الاستثناء". لكن أغامبين يذهب أبعد من شميت، معتبرًا أن حالة الاستثناء ليست مجرد حدث طارئ، بل أصبحت النموذج المهيمن للحكم في السياسة الحديثة، حيث يتم تعليق القانون بشكل دائم تقريبًا، كما في سياسات مكافحة الإرهاب أو الاستجابة للأوبئة.

الحرب كمظهر لحالة الاستثناء

الحرب، في رؤية أغامبين، ليست مجرد نزاع عسكري، بل هي آلية سياسية تجسد حالة الاستثناء بأوضح صورها. في الحرب، يتم تعليق القوانين العادية، ويُمنح السيادي سلطة مطلقة لاتخاذ قرارات استثنائية بحجة "الضرورة" لحماية الدولة أو المجتمع. هذه الضرورة تُبرر انتهاكات الحقوق، مثل الاحتجاز غير المحدود أو تقييد الحريات، كما حدث في سياسات إدارة بوش بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. أغامبين يرى أن الحرب تُظهر "الحلقة الخفية" التي تربط السيادة بالبيوسياسة، حيث تُنتج الحياة العارية -أي الحياة المجردة من الحقوق السياسية والقانونية- كنتيجة لتعليق القانون.

الحياة العارية والسياسة الحيوية

في كتابه الانسان الحرام، يقدم أغامبين مفهوم "الحياة العارية"، وهي الحياة التي تُختزل إلى مجرد وجود بيولوجي، محرومة من الحقوق السياسية أو القانونية. هذه الحياة تُنتجها السيادة من خلال الاستثناء، حيث يتم استبعاد أفراد أو جماعات من النظام القانوني مع بقائهم تحت سلطته. في سياق الحرب، يصبح الأفراد (مثل المعتقلين في غوانتانامو) أمثلة على "الانسان الحرام"، الذي يمكن قتله دون ارتكاب جريمة، ولكنه لا يُعتبر ضحية تستحق التضحية بمعناها الديني أو السياسي.

الحلقة الخفية هنا تكمن في العلاقة بين السيادة والسياسة الحيوية: السيادة تخلق الحياة العارية من خلال تعليق القانون، وفي الوقت ذاته، تعتمد على هذه الحياة لتأكيد سلطتها. الحرب، كحالة استثنائية، تُبرز هذه العلاقة بوضوح، حيث تُستخدم لتبرير السيطرة الكاملة على الأجساد والحياة.

التناقض بين الضرورتين

يتحدث أغامبين عن تناقض بين ضرورة الحفاظ على النظام القانوني وضرورة تعليقه في حالات الأزمات. هذا التناقض يظهر في:

ضرورة القانون: النظام السياسي يعتمد على القانون لضمان الاستقرار والشرعية.

ضرورة الاستثناء: في أوقات الحرب أو الأزمات، يتم تعليق القانون بحجة حماية النظام ذاته، مما يخلق منطقة رمادية حيث تصبح السيادة مطلقة.

أغامبين يرى أن هذا التناقض ليس عرضيًا، بل هو جوهري للسياسة الحديثة. فالسيادة تحتاج إلى إنتاج حالة الاستثناء لتأكيد وجودها، لكنها في الوقت ذاته تعتمد على القانون لتبرير سلطتها. هذه العلاقة المتناقضة هي "الحلقة الخفية" التي تجعل الحرب حتمية، لأنها تُنتج باستمرار حالات استثنائية تُبرر تعليق القانون وتوسيع سلطة السيادي.

لماذا الحرب حتمية عند أغامبين؟

الحرب حتمية في النموذج السياسي لأغامبين لأنها تُجسد حالة الاستثناء بأعلى درجاتها. في الحرب، يتم تعليق القوانين العادية، وتُبرر السيادة سلطتها المطلقة بحجة الضرورة. لكن أغامبين يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الحرب ليست مجرد حدث استثنائي، بل هي نمط دائم في السياسة الحديثة، حيث أصبحت حالة الاستثناء قاعدة. على سبيل المثال، يشير إلى معسكرات الاعتقال (مثل غوانتانامو) كفضاءات دائمة للاستثناء، حيث تُنتج الحياة العارية بشكل منهجي.

نقد أغامبين والحلقة الخفية

الحلقة الخفية التي يتحدث عنها أغامبين تكمن في التفاعل بين السيادة، الحياة العارية، وحالة الاستثناء. هذه الحلقة تجعل الحرب ليست فقط حتمية، بل أيضًا أداة لإعادة إنتاج السيادة. لكن النقاد، مثل إرنستو لاكلاو، يرون أن تحليل أغامبين قد يكون مبالغًا فيه، حيث يختزل السياسة الحديثة إلى ظواهر استثنائية مثل الشمولية، مما يحد من إمكانيات السياسة التحررية. كما يُنتقد أغامبين لعدم تقديمه حلولًا عملية واضحة للخروج من هذا النموذج، حيث يركز على "الفكر التخريبي" بدلاً من العمل السياسي الثوري.

خاتمة

الحلقة الخفية عند أغامبين هي العلاقة التي تربط السيادة بالحياة العارية من خلال حالة الاستثناء، حيث تُنتج الحرب -كمظهر أساسي لهذه الحالة- فضاءً يتم فيه تعليق القانون وتوسيع سلطة السيادي. التناقض بين ضرورة القانون وضرورة تعليقه هو جوهر هذه الحلقة، مما يجعل الحرب حتمية كأداة لإعادة إنتاج السيادة. هذا النموذج، وإن كان مثيرًا للجدل، يقدم رؤية نقدية عميقة للسياسة الحديثة، لكنه يُنتقد لتشاؤمه وعدم وضوح رؤيته التحررية. ألا تعاني أفكار أغمبين من قصووية؟ كيف يمكن فلسفيا الرد عليها؟

المصادر والمراجع:

أغامبين، جورجو. (1998). الإنسان الحرام: السلطة السيادية والحياة العارية. ترجمة دانيال هيلر-روزين. ستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد.

أغامبين، جورجو. (2005). حالة الاستثناء. ترجمة كيفن أتيل. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو.

أماراسينغه، بونسارا وراجهانس، سانجاي. (2020). "العوامل المفقودة عند أغامبين: فهم حالة الطوارئ من خلال الاستعمار والعقيدة العرقية". العلوم السياسية المفتوحة ، المجلد 3، العدد 1، ص 34-46.

لاكلاو، إرنستو. (2007). نقد في إعادة التفكير في الماركسية ، المجلد 36، العدد 1.

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى