محمد بشكار - لا نملِكُ أنفسنا..!

لا أعتقدُ إنساناً يتمتَّع، في المسافة الزمنية التي بين خروجه من حفرة الرحم وعودته إلى حفرة الأرض، بالمِلكيَّة الذاتية لنفسه، فهو لا يفتأ ينتقل من الديباجة النظرية إلى الممارسة اليومية طيلة العمر، بالنشيد المدرسي الذي تلقَّنَه عن ظهر ببغاء، والذي يقول؛ هيَّا .. هيَّا، نجري جرياً، وما زلنا ننتظر ونحن نعتقد أننا نلعب فقط، أن تَحُلَّ بحركة هذا الجري اللاهث، البركة في واقعنا ليس من السماء التي تُعطي دائماً بدون حساب، بل مِمَّن يعتبرون البشر مصيراً في جيوبهم الموصولة بثقب أسود وسحيق في النفس..!
من قال إنه يملك نفسه، فَلْيَمُدَّ اليد إلى السلسلة التي تُطَوِّقُه من الرقبة بالتزامات حياتية لا تستدعي كي يتحوَّل الإنسان إلى عَبدٍ في زمننا، إلا توقيعاً في حضيض ورقة تنضاف إلى أوراق وتوابل أخرى قمينة بطبخ البشر حياً قبل الملف؛ أليست هذه الالتزامات التي مثلما نُوقِّعُها في حضيض الورق و تُوقِعُنا في شَرِّ بُؤْسنا، ما يُشكِّلُ حلقات في سلسلة عبوديتنا الحديثة، بالديون مع الأبناك التي تُحوِّلُ الجهد الإنساني إلى حجارة في شُقق صالحة للموت طيلة القبر، أو إلى عجلات سيَّارة يعتقد المرء أنه يركَبُها بينما هي التي تمتطيه بِهَمّ الأقساط التي تَقْتطِعُ شريحة من لحمه كل شهر حتى يصير قديداً منشوراً في الشوارع؛ ناهيك عن الفواتير الشهرية للماء الذي أصبح ثمنه غرقاً في جرعات، وللكهرباء الذي صار سعره احتراقاً في شرارات، ولأسلاك الإتصال هاتفاً وأنترنيتا التي قد يكملها الإنسان في حالة الانقطاع من أمعائه إلى آخر الشهر؛ ولا يفوتنا أن نزيد في سلسلة عبوديتنا حلَقة تجعل أجيال المُتعلِّمين يدورون في فراغ؛ إنها الفاتورة الشهرية لدراسة الأبناء بعد أن صار العلم تجارة تُدِرُّ الجهل الوفير إذا لم تدفع ثمنها في مدارس خصوصية؛ أضفْ إلى هذه الحلقات في سلسلة عبوديتنا الحديثة دائماً، ما خفي وظهر من ضرائب تختلس دم الأفراد كنمل يفِرُّ بالقمح من جيوب أكياس ليست في حقيقة استعارتها، سوى بشر يستحيي أن يزيدهم الهواء خَواءً..

1755536240659.png

من قال إنه يملك نفسه، فلينظر للشاعر الذي توفَّتْهُ القصيدة قبل أن يُكملها ديوانا..!
فلينظر للكاتب الذي أجَّل الفصل الأخير لروايته عساه يكون ربيعاً، فأدركه خريف العمر بأعطاب الشيخوخة التي شلَّت في يده القلم..!
فلينظر للمهندس المعماري الذي نَذَر كل صلب وحديد في مشاعره البرغماتية، لبناء سكن اجتماعي مريح للفئات التي تُعتبر دون حاجة لتحليل الدم مُعوزَةً، فخذلته الميزانية في آخر باب، فحوَّل السكن الإجتماعي إلى سجن..!
ولينظر من قال إنه يملك نفسه إلى الساعة كم بقي في أيامه عِلماً أن عقاربها تدور بالحتوف في ساعة بمعصم السماء..!
من قال إنه يتمتع بالملكية الذاتية لنفسه، فليُجرِّب أن يحملها للسوق ويمارس حريته التجارية في بيعها، وليحذر من ظهور المالك الحقيقي لنفسه الذي سيتهمه بالسرقة..!
لا أجد خاتمة تُعيد إليَّ نفسي، لذا لن أسهب توضيحاً وتشريحا في أزمة إنسانية عطنت جثتها في زمننا حتى عافتها الديدان، لندرك أن اختيار الحرية والانعتاق من شراسة المنظومة الاقتصادية التي نرسف في ربقتها تساوي الفقر المدقع، وأن امتلاك الإنسان لنفسه سيجعله لا يملك من الدنيا حصيراً؛ أجل لا نملك من أنفسنا شيئا، ولكن لدينا دائماً ذلك النشيد المدرسي الذي نحفظه عن ظهر ببغاء، ويسعفنا في الاستمرار في الحياة بالغناء؛ هيا.. هيا، نجري جرياً، به نأخذ بدل الحذر بزمام الحركة في انتظار البركة..!

* (افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 8 أكتوبر 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى