مصطفى معروفي ــ الطغرائي والعكَوَّك

لا شك ونحن نقرأ تاريخنا العربي نتوقف عند بعض محطاته المضيئة في السياسة والأدب والقضاء،ونتساءل مع أنفسنا لماذا لم تكن هذه المحطات هي القاعدة وما عداها هو الاستثناء ،لماذا لا نكاد نعثر على اسم لشخصية تاريخية جميلة حتى نصاب بالخيبة والانتكاس من شخصيات أخرى لا تشرف تاريخنا ولا تسمو به،بل هي شخصيات رديئة كان على التاريخ أن لا ينجبها ولا يحملها لنا عبر السنين والقرون بين طياته.
أقول هذا وأنا أستحضر شخصيتين تاريخيتين لشاعرين جميلين كبيرين مرموقين هما الطغرائي والعكوَّك اللذين انتهى بهما المطاف مقتولين لأسباب لا توجب القتل في نظرنا،ولكنها المؤامرات ووسوسة النفس الأمارة بالسوء.
الشاعر الأول هو الطغرائي (الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الدؤلي)المولود بأصفهان سنة 453هجرية،هو صاحب القصيدة الشهيرة المعروفة بلامية العجم،والتي نحفظها أو نحفظ بعض أبياتها عن ظهر قلب ،والتي يقول مطلعها:
أصالةُ الرأي صـانتني عــــن الخَطلِ
وحـليةُ الفضلِ زانتني لدى العطلِ
وفيها البيت الشهير:
أعللُ النفــــــــــــــــسَ بالآمالِ أرقبُها
ما أضيقَ العيشِ لو لا فسحةُ الأملِ
ومنها البيت الذي يعجبني جدا لأنه معبر وكثيرا ما أتمثل به أو أردده بيني وبين نفسي :
وإنما رجــــــــــــلُ الدنيا وواحدُها
مـن لا يُعـوّلُ في الدنيا على رجلِ
وبما أن الطغرائي كان رجل سياسة (كان وزيرا للملك السلجوقي مسعود)فقد كان من الطبيعي أن تدبر ضده المؤامرات وتمارس عليه الوشاية،وبالفعل لما انتصر الملك محمود السلجوقي على أخيه مسعود قبض على الطغرائي ولفقت له تهمة الإلحاد والزندقة وقتل سنة 515 هجرية بأربيل وقد بلغ من العمر الستين عاما.
والشاعر الثاني هو العكَوَّك(علي بن جبلة) ولقَبُ العكوّك يعني السمين القصير ،ولد سنة 160 هجرية ومات سنة 213 هجرية،شاعر مجيد ،ولد أعمى وكان أسود وبه برص،ومن أشهر شعره ما مدح به أبا دلف الأمير:
إنــمــا الــدنــيا أبـــو دلـــف
بــيــن مــغــزاه ومــخــتصره
فــــإذا ولـــى أبـــو دلـــف
ولـــت الــدنــيا عــلــى أثــره
كل من في الأرض من عرب
بــيــن بــاديــه إلــى حــضره
مــســتــعير مــنــك مــكــرمة
يــكــتــسيها يوم مــفــتخره
وهي القصيدة التي أغضبت المامون فأمر بإحضاره وقال له :
يا بن اللخناء جعلتنا نستعير من أبي دلف المكارم ؟
ورغم تبريرات العكوك للمامون قال له هذا ،سأستحل دمك بكفرك لقولك:
أنت الذي تنزل الأيــــام منـزلها
وتنقل الدهر مـن حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد
إلا قضيــــــت بأرزاق وآجــــال
ذاك هو الله،وأمر به بأن يخرجوا لسانه من قفاه ففعلوا به ذلك،ومات كهلا سنة 213 هجرية.
ذلك إذن كان مصير شاعرين عظيمين لعبت بهما السياسة لعبتها القذرة،فكان مصيرا مأوساويا ،يشهد أن الحاكم عندنا كان لا يردعه رادع ولا يحكمه وازع سواء كان دينيا أو أخلاقيا في سبيل تنفيذ ما يراه من أحكام ولو كانت الأحكام إياها لا تتماشى ولا تستقيم لا مع الدين ولا مع العرف ولا يقتضيها الضمير الإنساني الصاحي المتيقظ.
هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.
  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى