حسام الحداد - العفيف الأخضر وكتاب "من محمد القرآن إلى محمد التاريخ"... قراءة نقدية تحليلية في مشروع تفكيك السردية النبوية

مقدمة
يبدأ العفيف الأخضر كتابه "من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ" بطرح نقدي لافت، إذ يقدم القرآن بوصفه "وثيقة طبية صادقة" تعبّر عن الصراعات النفسية الداخلية للنبي محمد، بما في ذلك لحظات "شكّه المتكرر في إيمانه" وشعوره بضيق صدره من الوحي. ويستشهد بآية:
"فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك، وضائق صدرك" (هود: 12)
مجسّدًا لحالة الانقطاع عن الوحي التي يحتمل أن تكون مصدراً لألم داخلي عميق، يُشبهه الكاتب بما يعانيه المريض في غياب الهلاوس التي كانت تطمئنه.
ثمّ يوسّع الكاتب هذه القراءة النفسية قائلًا إن القرآن يعكس حالات نفسية مرّة تعرض لها النبي جراء تهكم قريش، كما في قوله تعالى:
"إذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً"
ويضيف العلاقة الحميمية مع محيطه التي اصطدمت بشتائم قريش وظلال السخرية.
يوضّح العفيف الأخضر أن هدفه في هذا البحث هو مخاطبة قارئين محدّدين: "القارئ الخبير" و"القارئ النابه"، على أمل أن يساعدهما فهم هذا البعد النفسي–التاريخي في السير نحو كشف أبعاد جديدة أعمق من شخصية النبي. ويتوسع ليضمّ قارئًا ثالثًا يروم تحرير الذات من "مملكة الأوهام الإسلامية" التي تحيط بعقول كثيرة.
في ختام المقدمة، يعدّ العفيف الأخضر مشروعه بـأن يكون خطوة جريئة نحو تفكيك أسطورة "محمد الإيمان" واسطرتها اللاهوتية، واستبدالها بـ"محمد التاريخ"، ذلك الإنسان الذي عاش في ظروف مكة والمدينة بين سنتي 570 و632، وفق معايير علوم الأديان الحديثة، بعقل نقدي منفتح يعيد تشكيل فهمنا له بعيدًا عن الأغلفة الإيمانية التقليدية.

منهج الكتاب بين "التفكيك" و"إعادة التأويل"
اعتمد العفيف الأخضر في كتابه مقاربة مزدوجة تجمع بين منهجين أساسيين:

المنهج التاريخي – النقدي
يُفتتح العفيف الأخضر بنظرة جريئة تُفكّك الثابت: إنّ القرآن، شأنه شأن باقي النصوص الدينية، ليس وحيًا فوقيًا معزولًا، بل هو نتاج تاريخي يُمكن إخضاعه لمنهج البحث العلمي الحديث. يؤكد الكاتب أن القرآن لا ينبغي أن يُعامل كمنشد إيماني، بل كوثيقة من عصر محدد، في إطار خبرة بشرية، قابلة للتفكيك وتحليل السياق واللغة. كما يقول في مقدمته:
"كل بحث جاد يستمد شرعيته من روح الحقبة وممارساتها وكشوفاتها المعرفية"
هذه الجملة تؤكّد قيمته البحثية، وأن مشروعه يسعى لتحرير الدراسة من الطابع المقدّس وتحويلها إلى قراءات نقدية.
ينتقل العفيف الأخضر من النص إلى الحياة الواقعية، فيقترح قراءة الأحداث النبوية—من الهجرة إلى الغزوات—كحوادث اجتماعية وسياسية، وليست مجرد تنفيذ لأوامر إلهية. فهو يرفض السردية الإيمانية التي تلوّح بأن سيرة النبي مقدّرة مسبقًا، ويدعو إلى إدراج الحوارات، التحولات الاقتصادية، والضغوط الاجتماعية ضمن تحليلنا لتلك القرارات. هذه القراءة تجعل السيرة واقعية، قابلة للتحليل، وليست أسطورية أو أسطورية مبالغ فيها.
يتناول الكاتب القرارات المفصلية في حياة النبي—كالهجرة وبناء الدولة—بوصفها استجابات ذكية لمتطلبات واقعية. على سبيل المثال، يعيد قراءة الهجرة ليس كفعل طاعة إلهية خالص، بل كخطوة لإعادة ترتيب مكانة الجماعة الإسلامية في البيئة الاجتماعية والسياسية ليثرب. يُعدّ هذا الأسلوب محاولة لفهم السياسة الدينية كأدوات بشرية وليست مفعولًا إلهيًا محضًا، ما يعزز من الواقعية التاريخية لحدث السيرة.
ينهي العفيف الأخضر هذا المنهج النقدي بمحاولة جريئة لتفكيك البنية اللاهوتية التي سادت سرد السيرة عبر العصور. ففي كتابه، يعبّر عن هدفه بوضوح:
"هدف هذا البحث، القصير، كبير: انتزاع نبي الإسلام من التخاريف وإعادته إلى التاريخ" .
بهذه الصيغة، يؤسس لخط فكر جديد يضع محمد تحت المجهر التاريخي، بعيدًا عن الأغلفة الدينية التي جُمّلت بها سيرته التقليدية، سعياً لإعادة رسمه كفاعل تاريخي بقدر ما هو نبي إيماني.

المنهج النفسي – الأنثروبولوجي
يبدأ العفيف الأخضر تفكيكه الحاسم لصورة النبي، فيقترح طرحًا وثيق الصلة بعلم النفس الحديث، من خلال وصف النبوة بأنها "هذيان مرضي"—ليست تجربة تجاوزية بل أعراض نفسية واضحة. يربط الكتاب بين صورة النبي وأنبياء من مختلف العصور بقوله:
"الأنبياء جميعًا يكابدون هذيان النبوة، أي هذيان التأثير الصوفي، الذي يخيل للهاذي الديني أن قوة، غالبًا إلهية، قد تسللت إلى دماغه." (ص 67)
وبهذا يستلب القداسة ليتحول النص الديني إلى حالة نفسية بشريّة يتم فحصها وتشريحها.
يعتمد الأخضر على القرآن كأداة لفهم الصراعات النفسية للنبي، بدلًا من كونه رسالة مقدسة. وهو بذلك يجسّد القرآن كـ "وثيقة طبية" تفضح حالات الشك والقلق والاكتئاب لديه، مثل: “فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق صدرك”. ويصف حال محمد في انقطاع الوحي كـ “شقاء” يواجهه مع العزلة النفسية.
بهذا يجعل النص الديني خرجة من اللاوعي النفسي للنبي لا وحيًا خارجيًا مطلقًا.
يستخدم العفيف الأخضر أدوات نفسية لتحليل مرحلة الطفولة المبكرة بالنبي، ويذهب إلى استنتاجات درامية، كافتراض أن انفصال أمه أو عنفها النفسي قد يكون سببًا في تكوين صراعات عاطفية داخلية. مثلًا، يعرض فكرة أنه "صار مصابًا بالاكتئاب" أو “فصامًا” نتيجة لعزله النفسي، وتنبع من هذه الفرضيات تصورات بأن الأمهات أو المرضعات كنّ "جافّات" أو قاسيات، ما شكّل شخصية النبي.
لا يكتفي بتشخيص النبي فقط، بل يعمم هذه المنهجية على أنبياء آخرين وشعراء ومبدعين، مثل المتنبي وفوكنر وبودلير، باعتبارهم "هذوّات ملهمين" أو “فصاميين خطابين”، حيث إنّ حالة الإلهام الشعري أو الديني قريبة من الهذيان النفسي.
"الهذيان كآلية وآلية الهلاوس كآلية... ولا يختلف أنبياء ساحل العاج عن أنبياء الإسلام؛ هذيان التأثير، أي هذيان النبوة، واحد عند جميع الأنبياء." (ص 64)
يخرج حينها النبي من قالب القداسة إلى قالب إنساني يعاني مثل من سبقوه— عبر إلهام يتحول إلى هذيان.

أطروحات الكتاب المركزية
يمكن تلخيص أبرز أطروحات العفيف الأخضر في ثلاثة محاور أساسية:

تفكيك فكرة النبوة
يبدأ العفيف الأخضر تحليله لفكرة النبوة من رفضه للرؤية التقليدية التي تفترض أن التجربة النبوية حدث فوقي خارق للعادة، قائم على تدخل إلهي مباشر. ويرى أن النبوة في حالة محمد لم تكن لحظة استثنائية منفصلة عن الواقع التاريخي، بل كانت – على حد تعبيره – "آلية اجتماعية ظهرت لتلبية حاجات جماعية في مجتمع مأزوم" (صـ 132). يربط الكاتب بين ظهور الدعوة الإسلامية وتفاقم الأزمات القبلية والاقتصادية في مكة، حيث كان الصراع على الموارد والمكانة قد بلغ ذروته، وهو ما جعل الحاجة إلى مشروع توحيدي بمثابة ضرورة تاريخية أكثر من كونه اختيارًا فرديًا.
ينتقل الأخضر إلى تحليل مفهوم "الوحي" بوصفه جوهر التجربة النبوية، ويطرح مقاربة جريئة حين يصفه بأنه "خبرة ذاتية داخلية" لا "خطابًا خارجيًا متعاليًا". ففي قراءته، ما كان يعيشه محمد في لحظات الوحي يشبه حالات الانخطاف النفسي أو التجارب الروحية العميقة التي تشهدها شخصيات كاريزمية في ظروف تاريخية محددة (صـ 145). ويستند في هذا إلى مقارنات مع تجارب دينية موازية في المسيحية واليهودية، معتبرًا أن ظاهرة النبوة ليست حكرًا على الإسلام بل "نتاج تطور اجتماعي ونفسي" متكرر في الحضارات المختلفة.
كما يحلل الكاتب دور النبوة في بناء السلطة، فيرى أن محمدًا لم يكتفِ بوصف نفسه نبيًا بل وظّف النبوة كآلية لإضفاء شرعية سياسية على قيادة جديدة في مجتمع شديد الانقسام. في هذا السياق، يرى العفيف الأخضر أن انتقال مركز الثقل من مكة إلى يثرب لم يكن فقط قرارًا دينيًا بل خطة استراتيجية لبناء دولة، حيث سمح للنبي بإنشاء سلطة تنفيذية وتشريعية تحت غطاء النبوة (صـ 163). وبهذا تصبح التجربة النبوية – وفقًا له – استجابة مركبة لحاجات اجتماعية واقتصادية وسياسية متشابكة.
غير أن هذا التفكيك الجريء لفكرة النبوة جعل العفيف الأخضر عرضة لانتقادات واسعة من مؤسسات دينية وأكاديمية على حد سواء، إذ اعتبره كثيرون أنه يختزل البعد الغيبي للتجربة النبوية في قراءة مادية نفسية. حتى أن بعض النقاد اتهموه بالانتقائية لأنه ركز على نصوص محددة من القرآن والسيرة لدعم أطروحته، بينما تجاهل نصوصًا أخرى تؤكد – بحسبهم – البعد الإيماني المطلق للنبوة (صـ 178). لكن الأخضر يرد على هذه الانتقادات بتأكيده أن "قراءة التاريخ لا يمكن أن تتأسس على التسليم الإيماني، بل على آليات النقد العلمي وحدها"، ما يجعل أطروحته تصادمية بطبيعتها مع الخطاب الديني التقليدي.

إعادة قراءة القرآن نصيًا وتاريخيًا
يبدأ الكاتب بتمييز جوهري بين ما سمّاه "محمد القرآن"، أي الصورة الإيمانية للنبي في النص القرآني الذي يُقدَّم كرسول مضمون الرسالة السماوية، وبين "محمد التاريخ"، الفاعل البشري الذي يتشكل من خلال الأحداث السياسية والاجتماعية الواقعية. ينتقد العفيف الأخضر الرواية التي تقدّس النبي عبر ثبات نصي دون تحليل سياقي، ويعد هذا التمييز خطوة أولى نحو تفكيك الصورة التقليدية المغلقة ؛ حيث يسعى إلى عرض محمد كشخص فاعل ضمن التاريخ وليس باعتباره شخصية خارج الزمن مقدَّسة.
يطبّق المؤلف أدوات النقد النصي ليكشف عن تغيّرات في البنية اللغوية والفكرية للقرآن ما بين فترتي مكة والمدينة، ويعبّر عن ذلك بتعابير مثل "الإسلام المكي" و"الإسلام المدني". ويشدّد على أن النص المكي، الذي تحوي رسمًا تقليديًا للسيرة، ظهر في سياق اجتماعي ضعيف، فكانت الرسالة مقتصرة وحذرة، بينما وفّرت ظروف المدينة السياسية والاجتماعية أرضًا خصبة لظهور نسخة أكثر شمولية وقوة. فتتقلّص مساحة "مكه" كخيار دعوي، وتبرز المدينة كقاعدة لبناء دولة تحت شريعة جديدة، في ظهور واضح للفقه السياسي المنبثق من النص:
"الإسلام المدني... وجد الفرصة سانحة للتعبير عن كل أحكام دينه، حتى ولو كانت في تناقض مع مبادئ دينه التي بشر بها في مكة."
يستعرض العفيف الأخضر مفهوم النسخ (الناسخ والمنسوخ) في القرآن، لكنه يعالجه بعيدًا عن التفسير التقليدي الإيماني. يراه مجرد وطن للنصوص القديمة، بل خطوة تطوّر نقدي وواقعي تعامل بها المجتمع الإسلامي مع الظروف السياسية المختلفة؛ فمثلاً، تحوّل النظام الاقتصادي تحت تأثير الظروف السياسية، وتبدلت آيات متعلقة بالغنائم والفيء وفق مصالح ناشئة في الدولة الناشئة:
"المصلحة، أي حاجة الناس اليومية، غلبت على النص القرآني"
وبهذا يُقدم العفيف أخطر فرضية في الكتاب: أن النص القرآني نتاج متحول—يتأثر بالبنية الاجتماعية—أكثر من كونه نصاً ثابتاً متنزلًا بلا تغيير.
في هذا الإطار، يرى المؤلف أن القراءة التقليدية للنصّ—التي تتعامل مع القرآن باعتباره كلامًا معصومًا ومصمّمًا لكل زمان—هي من أسس “ميتاتاريخ” يزيفون الوقائع ويعزلونها عن العقل والتاريخ الحقيقيين . يطالب بتحرير النص من سلطة التقديس، ويفتح الباب لفهم تاريخي عقلاني لنشأة الإسلام، يدعو إلى:
● تفكيك النص تجزيئيًا في ضوء السياق السياسي،
● كشف النصّ التاريخي خلفه لا النصّ القدسي فقط،
● تمتيع القارئ بحقّ إعادة بناء النص بناءً على العقل والسياق.
هذا الموقف النقدي يدعو إلى شبكة جديدة من القراء: مفكرين، باحثين، وساعين إلى العقلانية الدينية بعيدًا عن الموروث الذي يجمد المعرفة ولا يسمح بإعمال التاريخ.

الإسلام كدين وسياسة
يؤكد العفيف الأخضر أن تأسيس الدولة الإسلامية لم يكن تطورًا إيمانيًا بحتًا، بل حركة سياسية واعية لاستثمار النموذج الديني لبناء كيان اجتماعي قوي. ففي إطار هذا المشروع، تتحول دعوة محمد إلى مشروع بناء دولة، تُعبر فيه النبوة عن قيادة حكمية تجاه أمة جديدة، لا مجرد مبعث روحاني للنصائح والتأمل. لهذا، يرى الأخضر أن الإسلام في بداياته كان كلعبة سياسية بامتياز، سعت إلى بناء مؤسسات وحلفيات، وإرساء شرعية جديدة في قلب الجزيرة العربية.
ويلفت العفيف الأخضر إلى أن الغزوات لم تكن "أوامرًا إلهية بحتة" بل استجابات منطقية لاحتياجات الجماعة في طور التأسيس لمواجهة تهديدات سياسية وعسكرية. في هذا السياق، تصبح الغزوات أدوات لبناء تحالفات جديدة أو ترسيخ الأمن الداخلي، وتعكس بوضوح أن السياسة الإسلامية الأولى استثمرت في الدين لتوفير شرعية بشرية فاعلة في الواقع، فتتحول كفاحيات دفاعية إلى أدوات للتوسع والتأكيد على موقع الدولة الوليدة.
هذا التحليل ينسجم مع أطروحات فكرية معاصرة تتداخل فيها السياسة والدين ضمن “أسطرة سياسية” حسب تعبير المفكرين مثل محمد أركون وجورج طرابيشي. يؤكد الأخضر أن الخطاب الإسلامي السائد يعمل على أسطرة الدين لأجل شرعيته السياسية، في حين أن قراءة نقدية مثل قراءته تلقي الضوء على الدين باعتباره أداة صحية ضمن صراع القوة والمصلحة، وليست غطاءً مقدسًا يمنع تحليله التاريخي والسياسي.
يختتم العفيف الأخضر فصله التحليلي بمدى تأثير هذه القراءة على فهم الإسلام كدين سياسي. فالكيان الإسلامي الأول لم ينهض على رسالة سماوية فحسب، بل على حيّة الجادل بين الشرعية الدينية والمصلحة السياسية. ويعود إلى أن فهم الإسلام في مرحلته الأولى لا يمكن فصله عن بناء دولة وسلطة، ما يجعل من ضرورة تفكيك تلك العلاقة أولى خطوات إعادة قراءة التاريخ الإسلامي، وتحرير النص من سلطة التقديس.

نقاط القوة في الكتاب
يُعدّ الكتاب من أبرز الأعمال الفكرية التي كسرت حاجز الخوف في مناقشة النصوص الدينية والنبوة والقرآن خارج الأطر التقليدية. فالعفيف الأخضر يذهب أبعد من حدود التفسير الكلاسيكي والفقه المؤسسي، محاولًا إعادة قراءة الإسلام في ضوء أدوات معرفية حديثة، مثل النقد التاريخي والنفسي للنصوص. هذه الجرأة الفكرية تتجلى بوضوح عندما يقول:
"لا يمكن أن نفهم محمدًا إلا إذا حررناه من الأسطرة التي ألبسته إياها كتب السيرة والحديث، وأعدناه إلى سياقه الاجتماعي والسياسي." (صـ 45)
هنا لا يكتفي المؤلف بطرح الأسئلة، بل يقترح منهجًا للتفكيك والتحليل، وهو ما جعل الكتاب صادمًا للمؤسسات الدينية، وفي الوقت نفسه محفزًا للمفكرين على إعادة التفكير في الموروث.
من أبرز نقاط قوة الكتاب اعتماده مقاربة متعددة التخصصات، إذ يجمع بين أدوات التاريخ لفهم تحولات النص القرآني في سياق نشأته، والأنثروبولوجيا لفهم بنية المجتمع العربي قبل الإسلام، والتحليل النفسي لفهم شخصية النبي والخبرة الداخلية للوحي. فالعفيف الأخضر يشير مثلاً إلى أن:
"النبوة لم تكن معجزة معلقة في الفراغ، بل كانت استجابة نفسية واجتماعية لضرورات تاريخية محددة." (صـ 102)
هذا التنوع المنهجي منح الكتاب قوة تفسيرية كبيرة، إذ لا يقتصر على رواية الوقائع، بل يحلل دوافعها العميقة، مفسحًا المجال لفهم أكثر تعقيدًا لبدايات الإسلام بعيدًا عن القراءات التبجيلية أو الأيديولوجية.
الكتاب لا يقدم قراءة بديلة للنصوص فحسب، بل يحاول زعزعة البنية الذهنية التي بنتها المؤسسات الدينية عبر قرون. فهو يشدد على أن الرواية الإسلامية الكلاسيكية أسهمت في "تأليه النص" وإقصاء أي محاولة لفهمه تاريخيًا. ويكتب العفيف الأخضر:
"ما أقدمه ليس طعنًا في الإيمان، بل محاولة لتحرير العقل المسلم من هيمنة القراءة الواحدة التي اختزلت الإسلام في نصوص جامدة لا تاريخية." (صـ 167)
بهذا يفتح المؤلف بابًا للنقاش حول ضرورة تجاوز المنطق الفقهي التقليدي، وإعادة دمج النصوص في سياقها التاريخي والإنساني، ما يعكس جرأة فكرية عالية وقدرة على تفكيك البُنى الأيديولوجية السائدة.
رغم الجدل الكبير الذي أثاره الكتاب، إلا أنه أسهم في توسيع دائرة النقاش حول علاقة النصوص الدينية بالواقع المعاصر. فالعفيف الأخضر يلح على أن مقاربة الإسلام تحتاج إلى أدوات فكرية تناسب عالم اليوم، حيث أصبحت سلطة النصوص موضع مساءلة شاملة. يقول في هذا الصدد:
"إذا أردنا أن يبقى الدين فاعلًا في حياتنا، فعلينا أن نحرره من القراءات الماضوية وأن نعيده إلى فضاء التاريخ الإنساني المتغير." (صـ 210)
بهذا المعنى، يطرح الكتاب تحديًا على القراء والباحثين معًا، فهو لا يكتفي بطرح أسئلة عن الماضي، بل يدعو إلى إعادة التفكير في مستقبل الخطاب الديني في زمن العولمة وما بعد الحداثة، حيث تراجعت سلطة المؤسسات التقليدية أمام هيمنة العقل النقدي.

الانتقادات الموجهة للكتاب
رغم أهميته، تعرض الكتاب لمجموعة من الانتقادات:
يُنتقد العفيف الأخضر أحيانًا لاعتماده على قراءات استشراقية مثيرة للجدل دون مواقف نقدية كافية تجاهها. ففي مقدمة كتابه، يبرز موقف الاستشراق التاريخي–النقدي وتأثيره في تشكيل رؤيته، لكنه بمعظم الأحيان يستشهـد به كمرجعية معرفية دون مناقشة أولوية سياق الباحث أو التحيّزات المعروفة المرتبطة به .
وفي مقالة دفاعية حول الكتاب، عبّر مصطفى العمري عن اعتراضه على أسلوب الأخضر قائلاً إنّه “تجاوز ما حاق بمحمد من حيف على أيدي محبيه قبل معاديه،... وتجرّأ على انتزاع النبي من سياق الإيمان” .
وهكذا، يُعدّ من الانتقادات أن الكاتب يقتبس بلا تمحيص من مصادر قد تكون مثيرة للجدل، دون مناقشة منهجية أو سند معرفي واضح.
واحدة من أبرز الانتقادات الموجهة للأخضر أنّه يخلط بين التحليل النفسي والدلالات التاريخية، فيفرض مفاهيم فرويدية على شخصية النبي دون دعم مادي أو توثيق تاريخي متين.
وفقاً لأحد القراء في موقع "قودريدز"، فإن الكاتب “يظن أنّ النبي شخصية مريضة نفسياً، وأن القرآن مجموعة هلاوس للنبي”، ويضرب مثلاً بـ"أمراض نفسية إسقاطها على النبي" بشكل مسيء .
كما استنكر أحد النقّاد بشدّة وصف الأخضر للنبوة بوصفها "هذياناً مرضياً"، معتبرًا أن هذا الأسلوب يتخطى حدود البحث وسيصل إلى حد الإساءات العلمية .
وجه البعض نقدًا شديدًا للأخضر بسبب ما يرونه موقفًا أيديولوجيًا مسبقًا ضد فكرة الوحي، بدلاً من منهجية محايدة.
في الدفاع عن الرسول من كتاب الأخضر، يقول النقاد إنّ الكاتب كتب “بأسلوب هادئ لا يسيء... ولكن تجاوز محمد بوصفه مريضًا نفسياً” من دون تقديم أدلة علمية دقيقة، معتبرين أن ذلك يُظهر تحيّزًا معاديًا .
ويعبّر الناقد محمود شاهين عن رفضه للمنهج "العدائي" تجاه النص المحمدي، ويشير إلى ضرورة طرح الأسئلة بآداب منهجية، وليس بالتشويه النفسي .
يرى بعض النقّاد أن الأخضر يُعيد طرحًا قديمًا سبق به باحثون آخرون، في محاولة لإظهار نفسه كمبتكر في طرح التشكيك النفسي، رغم أن هناك مؤلفات متخصصة تناولت الجانب النفسي للنبي مثل كتاب "Psychology of Mohammad" لمسعود الأنصاري .
إضافة إلى ذلك، يذكر أحد القرّاء في "قودريدز" أن الكاتب أحياناً "يلوي عنق الحقائق" ليتوافق مع تأويلاته، ما يجعل بعض الاستنتاجات مشكوكًا بها .

أثر الكتاب على الفكر العربي المعاصر
يُسهم كتاب "من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ" بشكل لافت في كسر جمود الخطاب التقليدي عبر الدعوة إلى التمييز بين الإيمان والخبرة التاريخية الموضوعية. ففي افتتاح المقدّمة، يقول العفيف الأخضر إن البحث يستمد شرعيته من "روح الحقبة وممارساتها وكشوفاتها المعرفية"، مؤكّدًا ضرورة إخضاع سيرة النبي للنقد العلمي التحليلي، وليس الإيمان التكميلي فقط.
هذه المقاربة منحته مكانة كمحفز فكري طرح سؤالًا محوريًا: لماذا يُحرَم "محمد التاريخ" من خوض غمار البحث العلمي كما الأمر مؤمنًا؟ إنّه طرح جعل الباحثين يعيدون تمحيص العلاقة بين الدين والتاريخ، وفصل المعرفة الموضوعية عن البُعد العقائدي الإيماني.
من نقاط القوة التي أثارها الكتاب إعادة النظر في العلاقة الوثيقة بين الدين والبناء السياسي، خصوصًا خلال مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية الأولى. إذ يقرأ الأخضر فعل النبوة ليس فقط باعتباره تجربة روحية، بل على أنه تجربة سياسية – تاريخية أولا، تتفاعل مع معطيات المكاسب والتهديدات التي واجهها المجتمع الناشئ.
وقد وصفه الناقد محمود شاهين بأن الكتاب «يوغل في التحليل المتخيّل» الذي يشاهده كأساس لفهم الرسالة كنزعة ثورية، وليست مجرّد حدث إيماني بحت:
“ثورة شاملة تلغي معظم المفاهيم السائدة بما فيها الفهم الديني … فكان لا بد من آيات جديدة في النص القرآني المدني تنسخ آيات المهادنة في النص المكي.”
هذا الأمر فتح الباب أمام قراءة جديدة للإسلام المبكر من منظور التفاعل بين الدين والمصلحة السياسية، عوضًا عن النظرة التقليدية التي تفصلهما.
رغم المقاومة الشديدة التي واجهها الكتاب من قبل التيارات المحافظة، إلا أنه شكل نقطة انطلاق لشريحة من المفكرين الباحثين عن معنى جديد للدين في زمن الحداثة وما بعدها. فقد لاقى كتابه قراءة دفاعية من المفكر التونسي مصطفى العمري، الذي اعتبر أن الأخضر "كان مخلصًا في التعبير عن قناعاته، وليس لديه حدود في القول"، ودافع عن حقه في نقد المقدّس بأسلوب عقلاني متحضّر.
وهذا الموقف جعله صوتًا معارضًا للنمط الحاكم من المقولات العقدية، ولم يُعَدّ كهرطقات خارج السياق، بل كصرخة عقلانية أمام أساطير تحوّلت إلى قداسة جامدة.
أحد أبرز آثار الكتاب هو أنه حفّز قراءة نقدية جديدة للسيرة النبوية، بعيدًا عن الأطر التقليدية الصمّاء. ففي نهاية المقدّمة، يخاطب الأخضر "القارئ الخبير" و"القارئ النابه"، مؤكّدًا أن البحث موجه لمن يرغب في الاستكشاف العميق، وليس لمن يبحث عن رفعة التقوى فقط.
القراء الذين اختاروا هذه المساحة النقدية أصبحوا أكثر جرأة في طرح الأسئلة ـ مثل: هل هناك دوافع نفسية للإلهام؟ كيف تأثر النبي بنسيج بيئته الاجتماعي السياسي؟ هل كان كل التصرفات دينية أم استجابات إنسانية؟ وفي هذا الصدد، يكون الكتاب قد ساهم في تجديد الحوار الفكري حول إعادة قراءة التراث، بلا قلق من الطعن، وإنما بجرأة علمية متجاوزة.

خاتمة
كتاب "من محمد القرآن إلى محمد التاريخ" ليس مجرد عمل أكاديمي بل هو بيان فكري يسعى إلى زحزحة مسلمات متوارثة عن النبي محمد والنص القرآني.
وبينما يمكن انتقاد مناهجه وانتقائيته، إلا أنه يظل نصًا تأسيسيًا في مسار تحرير العقل العربي من سلطة القراءات المغلقة للتاريخ المقدس.
إنه كتاب لا يمكن التعامل معه بخفة، سواء اتفقنا مع أطروحاته أو رفضناها، لأنه يُجبر القارئ على مواجهة أسئلة حاسمة حول طبيعة الوحي، دور النبي، وحدود العلاقة بين النص الديني والتاريخ البشري.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى