محمد بشكار - حتى الرَّجل يستحِقُّ الغَزَلْ..!

أليس من حقّ الرَّجل على الشاعرة غَزَلا يَصْدرُ من قلبها ديواناً يُعَلِّمُنا أن حتى الحب قيمة جمالية جديرة بالعيش ولو في كلمات نُشْهِرُها بين الناس، وليست حَكْراً على أحد الجنسين ذكراً أو أنثى، أمَّا إذا انبرى من حيث لا تدري الطبيعة، نشازٌ وادَّعَى أن زمن الحب انتهى شعراً ونثراً، فأنا أعتبره جنساً ثالثاً، وله أن يعيش الحب أو الكراهية مع نفسه إذا كان خنثى..!
أهداني صديقي الشاعر حسن الوزاني في أواخر رمضان المنصرم حيث قلوبنا معلقة جميعاً من الشِّغاف بالسماء في حب إلهي، ديواناً أوصاني به شِعْراً لصاحبته الشاعرة المغربية «سميرة فرجي»؛ وقد قرأ عَلَيَّ بإعجاب من ديوان «مواويل الشجن» (منشورات الحلبي بالرباط، 2015)، وأنا أرهف الفؤاد قبل السمع، إحدى القصائد الغزلية، فأشجتني القصيدة وهي تنسدل حريراً على النَّوْل العمودي، بصوت الشاعر حسن الوزاني الذي ما عهدته يكتب القصيدة إلا نثراً منذ ديوانه الأول «هدنة ما» وهي الهدنة التي طالت وننتظر أن يوقفها بديوان جديد؛ نظرت لديوان شاعرتنا كأني أُلقي العتاب على العالم، وقلت؛ أليس من حقِّ الشاعرة أن تكتب غزَلاً في الرجل أم أن حتى العشق يشترط القِوامة...؟!

1756159764929.png

أعترف أن عذوبة القصائد في ديوان الشاعرة سميرة فرجي، قد استغرقتني حتى كدتُ أُصدِّق مقولة إن أعذب الشعر أكذبه، بل إن من يقرأ كل هذا الغَزَل القمين بأن يُرجِع لآدم فردوسه ولو في الأرض، دون أن نأمن عدم عودته لقضم التّفاحة من جديد، سيقول حتماً وقد انتابته غيرة ممن صار على هودج هذه القصائد عريساً؛ ليتني ذلك الرجل..!
هل تُنقِصُ وردةٌ قطفناها الحديقةَ عطراً؟ ذلكم ما انتابني وأنا أحاول أن أمد يدي لإحدى القصائد التي تزدان الديوان وتصطفّ كالجواهر المكنونة في القلائد، ليشاطرني الناس جمالها؛ تقول الشاعرة سميرة فرجي في قصيدة «سأشهد جهراً بأني لك...»:
وكنت ملاذي برغم التجافي
وكنت حبيبي، فمن بدلك؟!
وهذا جنوني بفعل الجوى.
وفعل التياعي أما عقَّلك؟!
أنا من منحتك عرش الهوى
وقلت: أيا عرش ما أجملك!
بهذا التَّقِيِّ وهذا الوفي
وهذا المليك وهذا الملَك
وقبلت حتى التراب لعلي
أقبل في بعضه أرجلك
أُلمحُ إلى أني قطفت هذه القصيدة التي تكتنف ستة عشرة بيتا جميعها صالحة للسّكن لمن يريد الروح بيتاً؛ قطفتها من الوسط حيث اكتمل قمر جماليتها كالسّرة المعقودة بدْراً، فقط لا يُنْكِرُ أحدٌ أن للقصيدة في البزوغ مطلعها المضيء، ولها امتداد قد ينتهي على الورق دون أن يغيب في العيون..!
ثمة من الرهافة التي يتميز بمنديلها بعض الشعر العربي الذي تكتبه غَزَلاً أنثى أو ذكر، ما هو أشد من الحديد قوة وبأساً، حتى لتكسر هذه الرهافة القلم في يد أعتى الكتّاب معياراً لذهب الشّعر وحليته، ولا يستطيع أن يخطّ نقدا؛ أجل كلمة واحدة قد تخدش رهافة بعض الشعر وتثقل في فراشته جناحها، فلا يطير بالسلاسة والإيقاع اللائقين برشاقة الشعر إلى أقصى ما في الإنسان من روح تُسمّى عادة السويداء؛ لكن هذا الاحتراز الذي طوّقنا بِحَمَامِهِ مع قصيدة من طراز الشاعرة سميرة فرجي التي تكتبها عمودياً، لم يمنعنا من الجزم أن ذائقتنا الشعرية لا تجد في الأفق المعرفي الذي يتأسس بالمتلقي المغربي، أي انغلاق على حساسية دون أخرى، ما دام الشعر شعراً حقيقياً متمكناً من أدواته الجمالية، مهما توزعته مقامات أدبية قد تختلف في مظهرها شكلا، ولكنها لا تفقد من شاعريتها روحاً، سواء في قصيدة التفعيلة أو النثر أو القصيدة العمودية التي تعيش في لغة عصرها وتضعه نصب تعبيرها أفقا..!
هذه قراءتي في شعر غزلٍ أجمل ما يُميّزه أنه صادر عن شاعرة حتى لا أقول امرأة، في صيغة ديوان كامل من 191 صفحة إلى الرجل، لنوقن أن الحب شعور إنساني مشروع يكاد يلامس في رُقيّه وهو يمر عبر قلوبنا السماء؛ وهل ثمة أجمل ما يُوحَى للشعر من الغَزَل ما لم يُحوّله شيطان وهو في الطريق إلى أفئدة الناس تحرُّشاً...!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 23 يوليوز 2015 حول الديوان العمودي «مواويل الشجن» للشاعرة المغربية سميرة فرجي)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى