مصطفى معروفي ــ قصيدة تستحق العالمية

نرى أن ديوان الشعر العربي على امتداد تاريخه وازدهاره يحتوي على مجموعة من القصائد العظيمة التى لو انحاز القدر إلى جانبها وترجمت لبعض اللغات العالمية الأجنبية ترجمة موفقة وافية لصار لها شأن وأي شأن على مستوى العالم، والمشكلة تكمن في أننا حائرون ومرتبكون عندما يتعلق بترجمة شعرنا وكيفية نقله نقلا دقيقا يحمل معانيه بكل صدق وأمانة .
ولو ألقينا نظرة فاحصة متمعنة في ديوان الشعر العربي لألفينا شعراء من الأهمية بمكان ، يستحقون أن يذكروا جنبا إلى جنب مع شعراء العالم المعروفين والذين يشار إليهم بالبنان، نظرا لأصالتهم وتمكنهم.
فطاغور مثلا هو من الشعراء العالميين، ولا يقل في أصالته وتمكنه عن أصالة وتمكن شعراء عرب، ولكنه وصل إلى العالمية بفضل أنه استطاع نقل أشعاره بنفسه إلى اللغة الإنجليزية، فذاع صيته وتوج هذا الذيوع بحصوله على جائزة نوبل سنة 1913.
والأمر نفسه حدث مع الشاعر الفارسي عمر الخيام ورباعياته التي ترجمت واستقبلها العالم بحفاوة وتقدير كبيرين.
وفي شعرنا العربي ثمة قصائد مبهرة يمكن أن نحتفي ونحتفل بها دون أن نخشى لومة لائم.ومن هذه القصائد مثلا نونية الشاعر الأندلسي ابن زيدون والتي يقول مطلعها:
أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا
وَنابَ عَن طيبِ لُقيـــانا تَجافينا
والتي كنا نحفظ الأبيات المقررة علينا منها في المرحلة الأعدادية،مع أن عدد أبياتها يتجاوز 75 بيتا.وهي قصيدة تعتبر قمة في الروعة ومن رقيق شعر الغزل ،وتحفل بالعديد من الصور الشعرية الجميلة،وتزخر بالصدق الفني وعمق الإحساس،وهذا من ركائز العمل الفني.كما تتجلى فيها قدرة الشاعر على سبك المعاني وانتقاء الألفاظ الملائمة وتركيبها تركيبا لا نبو فيه ولا تنافر ،وهو ما يبرز براعة الشاعر وينم عن نبوغه وسمو شاعريته.
ونسوق للقارئ بعض باقي أبيات هذه القصيدة الجميلة الممتعة للاستئناس وللمتعة أيضا.
يقول الشاعر ابن زيدون:
أَلّا وَقَــد حــانَ صُبحُ البَينِ صَبَّحَنا
حَــيــنٌ فَــقــامَ بِــنا لِــلحَينِ نــاعينا
مَـــن مُــبلِغُ الــمُلبِسينا بِــاِنتِزاحِهِمُ
حُــزناً مَــعَ الــدَهرِ لا يَبلى وَيُبلينا
أَنَّ الــزَمانَ الَّــذي مازالَ يُضحِكُنا
أُنــســاً بِــقُــربِهِمُ قَــد عــادَ يُــبكينا
غيظَ العِدا مِن تَساقينا الهَوى فَدَعَوا
بِـــأَن نَــغَصَّ فَــقالَ الــدَهرُ آمــينا
فَــاِنحَلَّ مــا كــانَ مَــعقوداً بِأَنفُسِنا
وَاِنــبَتَّ مــا كــانَ مَوصولاً بِأَيدينا
وَقَــد نَــكونُ وَمــا يُــخشى تَــفَرُّقُنا
فَــاليَومَ نَــحنُ وَمــا يُــرجى تَلاقينا
يــا لَيتَ شِعري وَلَم نُعتِب أَعادِيَكُم
هَــل نــالَ حَظّاً مِنَ العُتبى أَعادينا
لَــم نَــعتَقِد بَــعدَكُم إِلّا الــوَفاءَ لَــكُم
رَأيـــاً وَلَـــم نَــتَــقَلَّد غَــيرَهُ ديــنا
مــا حَــقَّنا أَن تُقِرّوا عَينَ ذي حَسَدٍ
بِــنــا وَلا أَن تَــسُرّوا كــاشِحاً فــينا
كُــنّا نَــرى اليَأسَ تُسلينا عَوارِضُهُ
وَقَـــد يَــئِسنا فَــما لِــليَأسِ يُــغرينا
بِــنتُم وَبِــنّا فَــما اِبــتَلَّت جَــوانِحُنا
شَــوقــاً إِلَــيــكُم وَلا جَــفَّت مَــآقينا
نَــكــادُ حــينَ تُــناجيكُم ضَــمائِرُنا
يَــقضي عَــلَينا الأَســى لَولا تَأَسّينا
حــالَــت لِــفَــقدِكُمُ أَيّــامُــنا فَــغَدَت
ســوداً وَكــانَت بِــكُم بــيضاً لَيالينا
والحمد لله رب العالمين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى