معايير اختيار أعضاء المجلس التشريعي... مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني واستعادة ثقة المواطن

معايير اختيار أعضاء المجلس التشريعي... مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني واستعادة ثقة المواطن

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إجراء الانتخابات فحسب، وإنما بقدرتها على إنتاج قيادات وطنية تمتلك الكفاءة والرؤية والنزاهة، وتستطيع تحويل الإرادة الشعبية إلى سياسات وتشريعات تعزز صمود الدولة والمجتمع. وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الحقيقة أهمية مضاعفة، في ظل ما يواجهه المشروع الوطني من تحديات وجودية تتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي، والاستيطان، ومحاولات الضم، والحرب على قطاع غزة، والانقسام السياسي، وتعطل المجلس التشريعي منذ سنوات، الأمر الذي أضعف منظومة الرقابة والمساءلة وأثر في ثقة المواطن بالمؤسسات الوطنية.

إن الحديث عن الانتخابات لا ينبغي أن يقتصر على تحديد موعدها أو شكلها، بل يجب أن ينصرف أولاً إلى السؤال الجوهري: من يمثل الشعب الفلسطيني؟ وما هي المعايير التي تضمن وصول أصحاب الكفاءة والقدرة إلى المؤسسة التشريعية، باعتبارها إحدى أهم ركائز النظام السياسي الفلسطيني.

وفي هذا السياق، تكتسب الوثيقة الخاصة بـ "معايير ومحددات اختيار ممثلي الحركة لعضوية المجلس التشريعي وآليات العمل" أهمية خاصة، لأنها تطرح رؤية تقوم على الانتقال من منطق الاختيار التقليدي إلى منهج مؤسسي يعتمد الكفاءة والخبرة والقبول المجتمعي والنزاهة أساساً لاختيار المرشحين.

المجلس التشريعي... ركيزة الدولة وليس مجرد مؤسسة تشريعية

المجلس التشريعي ليس مجرد هيئة لإقرار القوانين، بل هو المؤسسة التي تجسد الإرادة الشعبية، وتمارس الرقابة على السلطة التنفيذية، وتراقب الإنفاق العام، وتحمي الحقوق والحريات، وتسهم في رسم السياسات العامة، وتكرس مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون.

وفي الحالة الفلسطينية، تتجاوز مسؤوليات عضو المجلس التشريعي العمل البرلماني التقليدي، ليصبح شريكاً في حماية المشروع الوطني، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، ومواجهة التشريعات والإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى تكريس الاحتلال وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ومن هنا، فإن اختيار أعضاء المجلس التشريعي يجب أن ينطلق من رؤية وطنية شاملة تعتبر أن العضوية تكليف وطني ومسؤولية تاريخية، وليست امتيازاً سياسياً أو مكافأة تنظيمية.

الكفاءة معيار الشرعية السياسية

تؤكد الوثيقة أن المرشح يجب أن يتمتع بحضور وطني واسع، وإنجازات ملموسة، وخبرة قيادية وإدارية، وقدرة على التواصل، وسمعة حسنة، ومعرفة بالتشريعات الوطنية والقانون الدولي، إضافة إلى امتلاك رؤية استراتيجية للمستقبل.

وهذه المعايير تعكس تحولاً مهماً من مفهوم "المرشح التنظيمي" إلى مفهوم "رجل الدولة"، القادر على التشريع، والرقابة، وإدارة الحوار، وصياغة السياسات، وتمثيل فلسطين بكفاءة أمام العالم.

فالمجلس التشريعي ليس مكاناً لاكتساب الخبرة، وإنما مؤسسة تحتاج إلى شخصيات تمتلك الخبرة أصلاً، وقادرة على اتخاذ القرار في القضايا الوطنية الكبرى.

النزاهة والشفافية أساس الثقة الشعبية

لا يمكن لأي مؤسسة تشريعية أن تستعيد ثقة المواطنين إذا لم يكن أعضاؤها نموذجاً للنزاهة والاستقلالية والشفافية.

ولهذا شددت الوثيقة على اعتماد معايير موضوعية لتقييم الكفاءة والسيرة المهنية والنزاهة، وتشكيل لجان مهنية مستقلة تعتمد مؤشرات قياس واضحة، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو الفئوية.

إن الشرعية السياسية لم تعد تُستمد من الانتماء التنظيمي وحده، وإنما من القدرة على خدمة المواطن، واحترام القانون، وإدارة المال العام بكفاءة، والخضوع للمساءلة.

تمثيل المجتمع... لا تمثيل التنظيم فقط

من أبرز نقاط القوة في الوثيقة أنها تنظر إلى المجلس التشريعي باعتباره مرآة للمجتمع الفلسطيني بكل مكوناته، فتدعو إلى تمثيل المرأة، والشباب، والأسرى، والأسرى المحررين، وذوي الإعاقة، والكفاءات الأكاديمية، ورجال الأعمال، والنقابات، وكفاءات الإدارة العامة، بما يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع الفلسطيني.

فالتنوع داخل البرلمان ليس مجرد استحقاق اجتماعي، بل هو عنصر أساسي في صناعة تشريعات أكثر توازناً وقدرة على معالجة احتياجات مختلف فئات المجتمع.

المعرفة التشريعية... شرط للنجاح

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تطوراً كبيراً في طبيعة العمل البرلماني، إذ أصبح يعتمد على الخبرة القانونية، والمعرفة الاقتصادية، والإدارة العامة، والحوكمة، والرقابة المالية، والسياسات العامة.

ولهذا فإن عضو المجلس التشريعي الناجح هو الذي يجمع بين الفكر السياسي، والكفاءة القانونية، والقدرة على تحليل الموازنات العامة، ومراقبة الأداء الحكومي، والتفاعل مع القضايا الوطنية والدولية.

إن المجلس التشريعي الفلسطيني القادم يجب أن يكون مؤسسة خبرة وطنية، لا مجرد ساحة للخطابات السياسية.

من الشعبية إلى الإنجاز

لقد أثبتت التجارب الديمقراطية أن الشهرة وحدها لا تصنع نائباً ناجحاً، وأن النفوذ الاجتماعي لا يكفي لإنتاج تشريع نوعي أو رقابة فعالة.

المعيار الحقيقي هو حجم الإنجاز، والخبرة العملية، والقدرة على إدارة الملفات الوطنية، وصناعة الحلول، وبناء التوافقات، وإقناع الرأي العام.

فالمواطن الفلسطيني اليوم يبحث عن نائب يراقب الحكومة، ويقترح الحلول، ويدافع عن حقوقه، أكثر مما يبحث عن شخصية إعلامية أو جماهيرية.

رؤية استراتيجية للمستقبل الفلسطيني

إن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس حديثة، تقوم على الديمقراطية، وتداول المسؤولية، والكفاءة، والشفافية، وتجديد النخب السياسية، وتعزيز دور الشباب والمرأة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية.

كما أن إعادة تفعيل المجلس التشريعي ينبغي أن تتزامن مع إصلاح شامل لمنظومة الحكم، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتطوير الإدارة العامة، ومكافحة الفساد، وبناء اقتصاد وطني قادر على الصمود في مواجهة الاحتلال.

إن المشروع الوطني الفلسطيني بحاجة إلى قيادات تمتلك رؤية للمستقبل، وقادرة على الجمع بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الدولة الحديثة، وبين النضال الوطني والإدارة الرشيدة.

توصيات

اعتماد منظومة وطنية موحدة لاختيار المرشحين، تستند إلى الكفاءة والخبرة والنزاهة والقبول المجتمعي.

تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم خبرات قانونية وأكاديمية وإدارية لوضع مؤشرات تقييم موضوعية للمرشحين.

إخضاع جميع المرشحين لتقييم مهني ومقابلات متخصصة قبل اعتمادهم.

اعتماد مبدأ تجديد النخب السياسية، وإتاحة الفرصة للكفاءات الشابة دون الإخلال بعنصر الخبرة.

تعزيز تمثيل المرأة والشباب وذوي الإعاقة والكفاءات العلمية بما يتجاوز الحد الأدنى القانوني.

اعتماد مدونة سلوك ملزمة لأعضاء المجلس التشريعي تتضمن قواعد النزاهة والشفافية والإفصاح عن تضارب المصالح.

إنشاء مركز متخصص لتأهيل النواب في مجالات التشريع والرقابة والحوكمة والسياسات العامة والقانون الدولي.

تعزيز التواصل المؤسسي بين المجلس التشريعي والجامعات ومراكز الدراسات والنقابات والقطاع الخاص، لضمان أن تستند التشريعات إلى المعرفة والخبرة العلمية.

خاتمة

إن فلسطين تقف اليوم أمام لحظة تاريخية تستوجب إعادة بناء مؤسساتها الدستورية على أسس راسخة من الكفاءة والنزاهة والتمثيل الحقيقي. فالانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإنتاج قيادة وطنية قادرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالقضية الفلسطينية.

إن المجلس التشريعي القادم يجب أن يكون مجلساً للكفاءات الوطنية، لا مجلساً للمجاملات والمحاصصة، ومؤسسةً تصنع المستقبل، لا ساحةً لتصفية الخلافات. فكلما ارتفعت معايير اختيار ممثلي الشعب، ارتفعت قدرة النظام السياسي على الصمود، وتعززت ثقة المواطن بمؤسساته، واقترب الفلسطينيون من بناء دولة القانون والمؤسسات التي ناضلوا من أجلها طويلاً.

فالمشروع الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى رجال دولة يمتلكون الكفاءة والرؤية والإرادة، ويضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ليكون المجلس التشريعي القادم نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح، والحوكمة، والوحدة الوطنية، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى