د. أحمد الحطاب - العلمُ الذي يُقرِّب البشرَ من الله

ما أبدأ به هذه المقالةَ، هو التَّمييز بين العلم الإلهي والعلم الدنيوي (البشري). العلم الإلهي علمٌ واسِعٌ و واحد، وهو العلمُ الذي، بواسطته، اللهُ، سبحانه وتعالى، يدبِّر الكونَ، سماءً وأرضاً. وعندما أقول "سماءً وأرضاً"، فهذا لا يعني، على الإطلاق، أن الأرضَ ليست جزأً من الكون. لا أبداً! الأرض جزء لا يتجزَّأُ من الكون. وهي التي اختارها الله، سبحانه وتعالى، لتحملَ الحياةَ بمعناها البيولوجي، وبجميع أشكالها، وكذلك، لتَحملَ الحياةَ البشرية، بِمعناها الواسع، أي الحياة البشرية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، البيئية، الزراعية…

ثم، لماذا قلتُ وأقول وسأبقى أقول بأن علمَ اللهِ واحدٌ؟

لأن كلمةَ "علم" وردت في القرآن الكريم في صيغة المفرد ولن نجدَ فيه جمعاً لها، أي "علوم". وعلمُ الله، في صيغة المفرد لا يدخل كلُّه في علم الغيب٠ بل الله، سبحانه وتعالى، أتاحَ جزأً من علمِه للناس، ليس ليدركوا الحقيقةَ المطلقة la vérité absolue، لكن الحقيقة المرتبطة بالزمان والمكان. أي الحقيقة القابلة للتغيير كلما غيَّرَ الإنسانُ الزمانَ والمكانَ. ولهذا، أتاح اللهُ، سبحانه وتعالى، جزأً من علمه للناس الذين يُفكِّرون ويبحثون ويُنقِّبون ويكتشفون ويُجرِّبون ويستقرئون… وبنتائج تفكيرهم هذا، يُعمِّرون الأرضَ برّّاً، جوّاً وبحراً.

وعندما أقول الله، سبحانه وتعالى، أتاح جزأً من علمه للناس، فالأمر يتعلق بجميع الناس، وليس لفئةٍ من الناس دون أخرى. لكن الناس الذين يُشغِّلون عقولَهم، تشغِيلاً عقلانيا، منطِقِياً ونافعاً لهم ولغيرهم.

وتأكيداً لما قلتُه، في بداية هذه المقالة، بأن علمَ الله واحد، فإن المنطقَ البشري يقول : "إذا كان الله ولا يزال، سبحانه وتعالى، واحداً أوحداً، أي لا إلهَ آخرَ موجود في الكون سِواه، وإذا كان الكون، برمَّتِه، يشكِّل "وحدةً" une unité متناسِقة الأجزاء dont les parties sont interdépendantes، فمن المنطقي أن يكون علمُ الله، عزِّ وجلَّ، علماً واحدا مفردا. وهذا العلم الإلهي الذي اتاحه الله، سبحانه وتعالى، للبشر، هو الذي جزَّأه الإنسانُ إلى عدة علوم، وذلك، حسب ما تقتضيه ظروفُ التحليل الموضوعي والفهم والإدراك.

وهنا، يحضرني سؤال أعتبره، أنا شخصياً، من الأهمية بمكان، وهو : "لماذا وهب الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للكائن الحي البشري، وبالتالي، ميَِّّزَه عن جميع المخلوقات الحية الأخرى؟

قبل الجواب على هذا السؤال، أذكِّر بأن الله، سبحانه وتعالى، لا يخلق الأشياءَ عبثاً أو باطلا، أو عشوائياً أو بالصدفة، بما في ذلك، الكائن الحي البشري. وفيما يخصُّ هذا الأخير، يقول، سبحانه وتعالى : "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" (المؤمنون، 115). الجزء الأول من هذه الآية، أي"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا…" يبيِّن، بوضوح، أن اللهَ، سبحانه وتعالى، لم يخلق الإنسانَ بالصدفة أو بكيفية عشوائية. بل خلقه و وهبه العقلَ ليكون واعِياً بوجوده ووُجود الأشياء المحيطة به. وهذا الوعي استمدَّه من العقل، والعقل هبة إلهية، من المُفتَرض، أن يشغِّلها الإنسان للوصول إلى ما أتاحه اللهُ، سبحانه وتعالى، من علم للبشر.

وبما أن علمََ الله متاحٌ لجميع الناس الذين يُشغِّلون عقولهم، فنتائج هذا التشغيل هي في صالحِ البشرية جمعاء. وهذا الصالحُ يسير في اتجاه الإرادة الإلهية التي تريد الخيرَ لجميع الناس، بغض النظر عن مُعتقداتِهم الدينية.

ولهذا، قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 115 من سورة المؤمنون : "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا…"، أي بدون أن يكونَ لهذا الخلق غاية أو غايات.

وهكذا أكون قد أعطيتُ جوابا على السؤال الذي طرحتُه أعلاه. وهو : "لماذا وهب الله، سبحانه وتعالى، العقلَ للكائن الحي البشري، وبالتالي، ميَِّّزَه عن جميع المخلوقات الحية الأخرى؟

إذن، اللهُ، سبحانه وتعالى، لما خلق الإنسانَ و وهبه العقل، يكون قد أحسن هذا الخلق خارجباً وداخلباً.

خارجياً، يعني أن اللهَ، عزَّ وجلَّ، خلق الإنسانَ في أحسن صورة، أي في أحسن مظهرٍ خارجي، مختلفٍ عن المظهر الخارجي للكائنات الحية الأخرى، وخصوصا، الحيوانات، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" (التين، 4)، أي في أحسن صورة أو في أحسن مظهرٍ خارجي. ومن مزايا هذا المظهر الخارجي، أُذكِّر بأن الإنسانَ هو الكائن الحي الوحيد الذي يمشي دائما، وفي كل الظروف على رجلين l'unique être vivant qui est, tout le temps et dans toutes les circonstances, bipède. والمشيُ على رجلين يُعطي للطرفين العلويين les ،membres supérieurs أي العَضُد le bras، الساعد l'avant bras واليد la main، حريةً في التعامل مع الأشياء المحيطة بالإنسان أو الأشياء التي يُدرك وجودَها في الوسط الذي يعيش فيه، بواسطة العقل. ولا داعيَ للقول أن الطَّرفين العلويين هما امتداد للعقل، إذ بهم، أي العقل والطرفان العلويان، يُغيِّر الإنسانُ الوسطَ الذي يعيش فيه.

داخليا، تعني أن البنية الداخلية للإنسان فيها ما يجعله عاقلاً، أي واعياً بوجوده و وجود الأشياء المحيطة به. وما يجعله عاقلاً، هو وجود أهم عنصر داخل الرأس، الذي هو الدماغ le cerveau، علماً أن الوعيَ مرتبطٌ بحجم هذا الأخير الذي قد يتراوح هذا الحجم بين 1350 و 1500 cm3 سنتيمتر مُكعَّب.

وهكذا، فإذا اقترن المظهر الخارجي للكائن الحي البشري، أي كونُه يمشي على رجلين، بحجم الدماغ، فالملاحظ وحسب ما توصل إليه العلمٌ الحديث من معلومات ومعارف، فإنهما، أي المظهر الخارجي والوعي، مُكيَّفان مع الغاية التي أرادها اللهُ، سبحانه وتعالى، للإنسان، أي السير في مناطق الأرض وتشغيل العقل لإعمار هذه الأرض. وإعمار الأرض لا يمكن أن يتحقَّقَ بدون المعارف القابلة للتطبيق على أرض الواقع. وبعبارة أوضح، تشغيل العقل لاكتشاف ما أتاحه اللهُ، سبحانه وتعالى، من علمِه الواسع للبشر، أو ما يسَّره لهم الله، عزَّ وجل، من علمه الواسع، علماً أنه، سبحانه وتعالى، سخَّر للإنسان كل ما هو موجود في السماوات والأرض من أشياء من أجل تحقيق إعمار هذه الأرض.

وفي هذا الصدد، يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 20 من سورة لقمان : "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ". وما سخَّره الله، عزَّ وجلَّ، من مُكوِّنات الأرض والسماوات، سواءً كانت مرئيةً بالعين المجردة أو غير مرئية، يستلزم تشغيل العقل للوقوف على ما أتاحه الله للناس من علمِه الواسع.

وتشغيل العقل لا يمكن أن يكون عشوائيا أو صُدفوِياً. بل له منهجياتُه وقواعده المنطقية، التي هي أساسُ ما يُسمَّى "البحث العلمي" la .recherche scientifique والبحث العلمي لا يتوقَّف عن تنشيطِ العقل لإنتاج المعارف التي تساعد الإنسانَ على إعمارِ الأرض وعلى فهمِ وإدراكِ الكيفية التي بُنِيَ عليها تشغيل الكون. هذا هو العلم الواسع الذي أتاح الله، سبحانه وتعالى، جزأً منه للبشر لإعمار الأرض.

غير أن علماءَ وفقهاءَ الدين، جلُّهم اختزلوا العلمَ الدنيوي، المشارَ إليه في القرآن الكريم، في كل ما له علاقة بالدين، أي أن كلمةَ "علم" التي وردت في هذا القرآن في صيغة المفرد، تمَّ اختزالُها من طرف هؤلاء العلماء والفقهاء في الأمور الدينية. علماَّ القرآن الكريم، عددً آياته هو 6236 آية. وعدد الآيات التي لها علاقة بالدين لا يتجاوز عدداً يتراوح بين 400 و 500 آية، بينما الآيات الأخرى، وعددها يتجاوز 5700 آية تتحدث عن الأمور الدنيوية كالقصص الهادِفة للعِبرة والموعظة والمعاملات الاجتماعية، الاقتصادية، التجارية، وبعض الإشارات لبعض الظواهر الطبيعية وعن النفس البشرية…

ورغم أن العددَ الأكبر من آيات القرآن الكريم يتحدث عن الأمور الدنيوية، فإن علماءَ وفقهاء الدين يوصون الناسَ، للتَّقرُّب من الله، ب"ذكر الله" كترديد عبارة "سبحان الله" أو "لاإله إلا الله" أو "أستغفر الله" أو "سبحان الله العظيم"... مائة مرة أو أكثر، علما أن الله، سبحانه وتعالى، ليس في حاجة لهذه الأذكار ليُثبتَ وجودَه، مصداقا لقولِه، عزَّ وجلَّ : "وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (العنكبوت، 6)، أي ليس في حاجة، كما سبق الذكرُ، لإثبات وجوده لأن هذا الوجود خارجٌ عن نِطاق الزمان والمكان. والإنسان أو الكائن الحي البشري أو البشر أو بنو آدم لا يستطيعون تشغيلَ عقولهم خارج الزمان والمكان.

بل ما يسير في اتجاه القرآن الكريم، هو تَدبُّر آياته من طرف الناس، ما دام هذا القرآن موجَّهاً للبشرية جمعاء. والتَّدبُّرُ لا يمكن أن يقومَ به الإنسان دون تشغيل عقلِه. والناس الذين يُشغِّلون عقولَهم حسب منهجيات منطقية ليسوا من فئة "مَن هبَّ ودبَّ". بل إنهم، كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين، سيكتشفون، بواسطة ما توصَّلوا إليه من علمٍ، عظمةَ الله وقدرته على الخلق son omnipuissance créative وقدرتَه على التنسيق بين الأشياء المخلوقة son omnipuissance de coordination entre les choses créées.

وفي هذا الصدد، يقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 28 من سورة فاطر : "وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ".

هذه الآية الكريمة هي تكمِلةٌ للآية رقم 27 من نفس السورة. لكن ما يهمنِي فيها، هو جزئها الأخير، أي "...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ…". فلماذا "يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ…؟".

قبل الجواب على هذا السؤال، أريد أن أوضِّحَ أن فعلَ "يَخْشَى" لا يجب إدراكه بمثابة الخوف والذُّعر. بل يجب إدراكُه بمثابة الذهول والحيرة والهَيبة أمام القدرة الإلهية الخارقة والتي تفوق ما تعوَّدَ عليه البشرُ في أمورِهم الدنيوية، ليس فقط في خلقِ الأشياء، المُختلفة أنواعُها، ولكن، كذلك، في تناسق أو ترابُط هذه الأشياء المخلوقة، بعضها بالبعض الآخر.

وجواباً على السؤال المشار إليه أعلاه، أي "فلماذا "يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ…؟" أولا وقبل كل شيءٍ، مَن هم العلماء؟ هل هم فقط علماءّ وفقهاءُ الدين أم هم، كذلك، العلماء الذين يعملون في مُختبراتِهم، أي يقومون بالبحث العلمي، لمعرفة الكون ومُكوٍّناته وكيفية اشتغال هذه المُكوِّنات؟

حسب التوضيحات التي أوردتُها في الفقرات الأولى من هذه المقالة، حول كلمة "علم" الواردة في القرآن الكريم، كلمة "الْعُلَمَاءُ" تشمل، كذلك، العلماء الذين يقومون بالبحث العلمي. وهم مَن يخشى اللهَ أكثرَ من غيرهم. بل إنهم، كلما تقدَّموا في إنتاج العلم، كلما زادت معرفتُهم للكون ولمُكوِّناته المختلفة الأنواع وللتَّرابط القائم بين هذه المكونات، وبالتالي، كلما زادت خشيتُهم لله، كلما زاد إعجابُهم وذهولُهم أمام القدرة الإلهية اللامُتناهِية في الخلق والتنسيق بين الأشياء.

وهنا، سأطرح السؤالَ الذي لا مفرَّ منه، والواجب طرحُه :

"ما هو العلم الذي يقرِّب البشرَ من الله، هل هو العلم الدنيوي أم علمُ علماء وفقهاء الدين، علماً أن هؤلاء العلماء والفقهاء يملكون، فقط، الإيمان، أي التصديق بما جاء في النصوص الدينية"؟

خلافاً للعلماء الدنيويين، مؤمنين وغير مؤمنين، الذين يبحثون عن الحقيقة ويخشون اللهَ، ويُبيِّنون للناس كيفيةَ اشتغال مُكوِّنات الكون التي تُجسِّد عظمةَ الخالق وقدرتَه على التنسيق بين هذه المكوٍّنات. ولا داعيَ للقول أن سببَ خشيتِهم، يتمثَّل في معرفة عظمة القدرة الإلهية على الخلق والتنسيق، ولهم من الدلائل الكثير لتبرير ما يُنتِجونه من علمٍ ومعارف.

بعد هذه التوضيحات السالفة الذكر، أنا شخصياً، أقول إن العلم الذي يقرِّب الناسَ من الله، هو العلمُ الدنيوي الذي يُبيِّن للناس عظمةَ اللهِ في خلقِ الأشياء وقدرتَه على التنسيق بين هذه الأشياء ليُشكِّلَ الكون وحدةً متناسِقةَ الأجزاء une unité dont les parties sont bien coordonnées.

هذا رأيي الشخصي وأنا مسؤولٌ عنه، إذ لا يجب أن يُدركَ بمثابة تنقيص للإيمان. فيما يخص الدين، الإيمان ضروري. ولولا إيماني بما جاء به القرآن الكريم، ما كتبتُ هذه المقالة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى